صباح هرمز: مسرحيات يوسف الصائغ بين الخيانة و الانتماء
ثالثا: مسرحية العودة بين الخيانة والانتماء (ملف/9)

إشارة:
رحل المبدع الكبير “يوسف الصائغ” غريبا في دمشق ودُفن هناك بعد أن قتلته السياسة التي لا ترحم المبدعين واستكثر عليه رفاقه “المبدعون” تعليق لافتة ترثيه. أغنى الصائغ الإبداع العراقي والعربي شعرا ورواية ومسرحا وسيرة وفنا تشكيليا وعمودا صحفيا (افكار بصوت عال). أين اصبح الـ 2000 تخطيط التي أخبرني بها؟ وأين صار كتاب الأدب المكشوف الذي طلب مني كتابة مقدمته؟ تحتفي أسرة موقع الناقد العراقي بمنجز الصائغ الكبير وتدعو الأحبة الكتاب والقراء إلى إغنائه بما يتوفر لديهم من مقالات وصور ووثائق.
أسرة موقع الناقد العراقي

اذا كانت مسرحية (الباب) لمؤلفها يوسف الصائغ الى جانب مسرحية (ديز دمونة) قد حازتا على افضل نص مسرحي في ايام قرطاج المسرحية، الاولى عام 1989، والثانية عام 1987، فأن مسرحية (العودة) حازت على افضل نص مسرحي من مركز المسرح العراقي عام 1987، اي في نفس العام الذي حازت فيه مسرحية (ديزدمونة). وهي أقصر من مسرحيتيه السابقتين، ولا يتعدى عدد صفحاتها على الثلاثين من قطع الحجم المتوسط، ومسرحية (الباب) أطول من كليتهما ويربو عدد صفحاتها على السبعين صفحة، بينما يبلغ عدد صفحات (ديزدمونة) بحدود الخمسين. وتتكون من فصلين ايضا مثلهما، وتضم خمس شخصيات هي: الأب حسين العراقي الذي لا يظهر إلا كشبح في بداية ونهاية المسرحية. حيث يفتح باب غرفته في نهاية المسرحية، والضياء على وجهه الوقور والدموع تسيل من عينيه. الأم: زوجته. محمود: أبنه الاكبر. سميرة: زوجة محمود. أبو الشهيد: أبو سميرة…. وأخو الأم.
كتب هذه المسرحية عام 1986 تحديداً في نهاية حزيران، أي بعد عام من كتابة مسرحبة( الباب) الذي كتبها نهاية تموز 1985، بينما لم ينجز مسرحية (ديزدمونة) الا بعد مضي ثلاث سنوات على كتابة (العودة)، وأربعا على (الباب).
وهى كــ (ديزدمونة) تتناول موضوعة (الخيانة) عبر شخصية (محمود) الذي ينهزم من جبهة القتال، الأ أنه خوفا من إنضباط والده العسكري القديم في الجيش العراقي وصرامته ازاء الذين يتقاعسون في أداء واجبهم الوطني، يلجأ مختفيا في دور الاقرباء والاصدقاء ولكنه سرعان ما يعجز ويدب في نفسه الياس والملل، فيضطر اللجوء الى دار والده، حيث يحتل مع زوجته سميرة غرفة في الطابق الثاني، اذ بدخول محمود الدار، تحديدا حيث تنام زوجته تبدأ المسرحية.
بالرغم من أن موضوعة الوطن وخيانته من الموضوعات المطروقة على نطاق واسع ، الأ أن قلة من النصوص المسرحية أستطاعت توظيفها دراميا دون أن تنزلق في متاهات التقريرية والمباشرة، ومسرحية (العودة) هي واحدة من النصوص التي استطاعت أن تتبوأ صدارة هذه القلة وبجدارة، وذلك من خلال رفدها بالرموز وبالاعتماد على لغة ثرية بالأدبية والدرامية والشعرية، لغة أقرب الى قصيدة الشعر العمودي منها الى قصيدة الشعر الحر وتفوح منها رائحة الحروب القديمة اكثر من الحروب الحديثة، لغة صاغ المؤلف كل جملة منها بدقة وعناية بالغين بحيث كاد أن يغدو نصه هذا أو هو كذلك أشبه بجرة تنزاح منها كل المفردلات والعناصر الموظفة بعد أن تتجمع فيها لتصل الى المتلقي، وبهذا الأنجاز لا يكون الصائغ قد دون نصا دراميا عربيا فحسب يأخذ طريقه الى العالمية الى جانب بعض النصوص العربية التي قد لا تتجاوز بعدد أصابع اليد الواحدة، وانما بالأضافة الى ذلك نصا أدبيا ونصا شعريا.
يكرس الصفحة الاولى من النص لوصف أكسسوارات الديكور، بالتعويل على الرمز، إبتداء من أول جملة تأتي فيه وهي: (منزل من طراز قديم نسبيا) بمعنى صاحب هذا المنزل وان كان ضابطا قديما…. تكمل الجملة الثانية معنى الجملة الاولى وهى: (ولكن اكثر أثاثه حديث)، أي أن فكره وقاد ونير. وتأتي الجملة الثالثة نعتها لأثاث البيت مقرونا بالبساطة والرصانة، اشارة واضحة الى التفكير الواقعي الذي يتحلى به صاحب البيت (حسين العراقي)، وجملة (وموزعا بنظام واضح) الى التزامه بتوزيع أوقاته بما تلبي حاجاته وإنتصاب ساعة كبيرة طوليا وسط الصالة وهي تراقب مايجرى من خلال عقاربها وبندولها الطويل وهو يتأرجح برصانة ورتابة ومن خلال دقاتها التي تتردد أصداؤها في البيت، أيماءة الى التاريخ ووجود صور ضابط كبير بملابسه العسكرية في أعلى الصالة يتطلع بأعتداد وثقة الى المستقبل دلالة على صرامة هذا الضابط وقوته وثقته الكبيرة بالأنتصار وتحقيق الهدف المنشود.
أما أن يرتئي بوضع المدخل الى يمين المسرح يجاوره باب السرداب القديم، وان يكون هذا الباب قديما وحديديا وصغيرا، فمعناه ان الأب يمنع دخول ابنه الدار، ذلك ان اليمين كما هو معروف في المسرح إيحاء الى الجانب السلبي من الموقف والشخصية، ويجاور المدخل باب السرداب القديم، والسرداب رمز للسقوط والانحدار ومكان لمأوى الزواحف والحشرات، وبالنسبة للناس، الفارون عن وجه العدالة كأبنه (محمود)، وتمنح جملة غرف اخرى تدل عليها أبواب مغلقة في الطابقين، تمنح معنى على ان الذين يعيشون في هذا البيت يعانون من مشكلة كبيرة ومشكلتهم هي فرار محمود من جبهة القتال، وعلى هذا الاساس فأن الغرف الاخرى تبدو مغلقة وبالرغم من ذلك فثمة ضياء خافت في غرفة محمود حيث تنام زوجته، وهذ الضوء الخافت يرتبط بمحاولات سميرة في استعادة زوجها الى جبهة القتال.
واذا ما ظهر الأب في بداية المسرحية فأنه يظهر لمتابعة خطوات دخول أبنه محمود الدار وتوجهه نحو الغرفة التي تنام فيها زوجته سميرة ملثما وبخطوات حذرة، ودخوله بهذا الشكل هو تشبيهه باللص والخوف من والده، واكتشاف باب الغرفة مغلق الى حلول مصيبة كبيرة بزوجته حيث استشهد شقيقها (مهند) في جبهة القتال.
وتأتي أهمية إستخدام الرمز في قطع اكسسوارات الديكور بالأعلان المبكر عن ثيمة المسرحية ولا يتوقف إستخدام هذا الاسلوب عند هذا الحد وانما يمضي به قدما، مستخدما إياه في حوارات الشخصيات، وهو بذلك يضيف ايجابية أخرى على موضوعة النص المتعاطف معها المتلقي تلقائيا، وهي إمتصاص جزء كبير من ميلودراميتها. ويبلغ هذا الاسلوب ذروته أي بلوغه درجة كتابة سيناريو تنشطر فيه فقرات النص الى خطة اخراجية متقنة، بضخ الحوارات لشروحات تعزز مغزى هذه الحوارات، وتنقل صورتها الى ذهن المتلقي اذ من بداية حوارات المسرحية الجارية بين محمود وسميرة، يعلن المؤلف من خلال نهوض سميرة من فراشها في حركتها المتثاقلة وتقدمها بخطى متعثرة، انها لا تعاني من مشكلة فقدان شقيقها، بل فقدان زوجها كذلك، بفعل موقفه المخزي ازاء الفرار من جبهة القتال، والانتقال خفية من مكان وبيت الى أخر، كما ان وقوفها في مكانها بعد دخول زوجها الغرفة، مستندة بظهرها الى الباب، وإغلاقه بألية، اشارة واضحة الى أنها رغم رفضها لموقف زوجها المخزي من الوطن، انها تحبه وحريصة على حياته وتخاف عليه من والده الذي هدد بقتله، وقولها له (ما كان لك أن تجئ) تعطي نفس المعنى. ولا يخبر المؤلف المتلقي الحالات المرضية التي تعاني منها سميرة بشكل مباشر وانما عن طريق اللمز والغمز، هي تقول لزوجها: هذه التي في يديك للنوم، وتقصد الادوية، وتلك للخوف.. والشراب الذي في العلبة للنسيان. فالجملة الاولى تهدف الى قلقها من نتائج فراره الوخيمة، والثانية من تهديد والده، والثالثة إستشهاد شقيقها، ويعقب هذه الجمل، صوت القصف، للدلالة على ان الحرب هي التي جاءت بحالات سميرة المرضية .
ومع أن سميرة تبدو قاسية مع زوجها بخصوص تسليم نفسه للقوات العسكرية والتحاقه بالجبهة، وتحمل نتائج فراره وخيانته للوطن، لأنها قد تربت في كنف عائلة تسري الوطنية في عروقها، مع هذا انها تحبه بشكل غير مألوف وطبيعي، ويتضح هذا من خلال ثلاث جمل، في الجملة الاولى تبكي وهى تخبره، بقسم والده، إن راه .. يقتله. وفي الجملة الثانية. حين سمعته يدق على الباب.. بدا لها في نومها (تحلم) أن شيئا لم يحدث، أي انه عاد الى البيت وكأنه يعود من جبهة القتال، وليس فارا منها، والثالثة بكاؤها على زوجها وليس على أخيها.
(الجملة الاولى) سميرة: سيقتلك. محمود: يقتلني؟ سميرة: أجل..(تبكي)
(الجملة الثانية) سميرة: حين سمعتك تدق على الباب.. بدا لي في نومي، ان شيئا لم يحدث.. كما كنت تعود سابقا.. ثم.. لم أيقظتني؟
(الجملة الثالثة) : الناس حسبوا أنني أبكي على اخي.. ما كانوا يعرفون أني أبكي على زوجي…
وهي في الوقت الذي تحلم فيه لأن يكون بطلا، يسئ فهمها هو، على انها تريده كذلك ليقتل، وتتباهى بموته، ويعترف بأنه ماكان يصح ان يجئ الى البيت، لأنه لم يكن يعرف بأستشهاد شقيقها، وعندما يهم بالانصراف، تحذره من أبيه، لأنه اذا راه سوف يقتله، ويسئ فهم هذه الجملة ايضا، على انها حاقدة عليه، لذلك يحاول ابتزاز مشاعرها عبر سؤاله. ان كانت ستكون أسعد حظا.. لو قتلوه وجعلوا منها أرملة؟
فترد عليه بكل بحكمة: … وماذا تراني الان؟ الست ارملة؟ بل انا أتعس بين الارامل.. والان أذهب .. واذاشئت ابق.. سيان.. أن ما أعانيه وتعانيه لن يتبدل.. مابالك واقفا تنظر إليّ بهذه الطريقة.. هيا أذهب ما دمت تريد ذلك..
ولتصوره بانها تطرده من بيته، فيلح على البقاء، وترد على تصوره هذا بحكمة اقوى من سابقتها عندما تقول له: أهوبيتك حقا؟ مابالك لاتستطيع الدخول اليه في وضح النهار؟ لماذا جئته ملثما في ساعة متاخرة من الليل.. ما بالك تدخل اليه مثل لص؟.. لماذا لا تملك فيه الا ان تتحدث همسا.. وتسير على حذر .. تقول بيتي؟ هيا اذن انزل، ان كنت تستطيع، ودع والدتك المسكينة تراك وتعانقك.. أقرع الباب.. وسلم على ابيك.. وتبلغ بها القساوة حد تهديده بما يشبه الطلاق، عندما تخاطبه، بأن حتى زوجته، ماعادت زوجته. وهنا يحذرها من قتل نفسه التي تسخر من تخويفه هذا واصفة اياه بالبطولة. وعندما يشعر بأنها تسخر منه وتدفعه الى اليأس، يتوسل اليها بأنها ملجأه الاخير، وبتخليها عنه.. لا يبقى له ما يربطه بالحياة، إلا أنها لا تصدقه، وتعد توسله هذا نفاقا، ويعود ليتوسل بها، بأنه لا يستحق منها هذه القساوة، ذلك لأن الذي يفعله، لأنه يحبها، غير إنها لا تسمح له بأن يلقى مسؤولية عاره عليها. وحيال عناد وأصرار سميرة البقاء على موقفها، يضطر محمود الركون إلى الأسلوب الهاديء، ومداهنة زوجته عبر نعتها بالعادلة والمنصفة وتساؤلها عن الأسباب (عدا حبه لها) التي حولته عن سجيته فيصير جبانا؟ أما هي فتعتقد بأنها خدعت به، ذلك إنها اختارته لتوهمها بأنه رجل.. وعلى هذا الأساس راهنت على رجولته، إلا انه خذلها. ويقر مرة أخرى بأنها على حق، ولو كان رجلا، وعنده مقدار ذرة من شجاعة لقتل نفسه ألان، وسرعان ما يخرج مسدسه.. يفتح مسمار الأمان.. ويلقم أطلاقة.. وهو يتطلع خلال ذلك إلى زوجته بابتسامة غريبة. سميرة وهي تراقبه: اجل هيا أسرع. محمود! (يضع المسدس على رأسه) سميرة: (تنهار باكية) أوه.. يالتعاستي. محمود: ( ينزل المسدس من رأسه) أيتها الملكة يا حبيبتي.. ألا ترين لا تريدين لي الموت..
ويقترب منها، فتبعده عنها، بقولها لا تلمسني. ويرد عليها لا أستطيع تلك هي مشكلتي.
ومن هنا، من هذه الجملة ألهاملتية، تبدأ بظهور ملامح شخصية محمود، والعلة التي يشكو منها، بالإضافة إلى ملامح شخصية زوجته وشخصية والده وشخصية والد زوجته (أبو الشهيد). إذ يشكو محمود من مركب نقص حب الوطن مثله مثل هاملت الذي كان يعاني من عدم حبه لأمه، وعطيل أرتيابه بزوجته، مما أدى هذا النقص في شخصية محمود، ليملأ الفراغ الذي يعاني منه، إن يتحول إلى حب زوجته سميرة،هذا الحب الذي ما استطاعت الحرب نفسها إن تبعده عنها، ولم يستطع الخوف ولا الموت ولا القنابل والمدافع .. وكل أسلحة العالم، ليبقى حيا، ويحبها: كنت أحس أنهم يطلقون النار على سعادتنا ولهذا هربت.. اجل سميرة لا تسخري مني.. مشكلة السعداء إن عندهم ما يخافون عليه، ولهذا يصيرون جبناء.. شجاعتهم الوحيدة هي الدفاع عن سعادتهم…
على الرغم من موقف محمود السلبي تجاه وطنه، فأن المؤلف لم يدعه دون إعطاءه فسحة للتحرك عليها، بهدف إيجاد المسوغات لأفكاره، ذلك إن هذه الفسحة هي التي تفتح المجال للاختلاف في الافكار، وبالتالي التوازن بين الشخصيات، بل والتقاطع فيما بينها. ويستخدم المؤلف طريقتي التقابل والتقاطع بين شخصيات المسرحية، بتقابل وتقاطع محمود مع سميرة، وتقابل وتقاطع أبو الشهيد مع حسين العراقي. محمود وسميرة، التقابل من خلال الحب الذي يجمع بينهما. والتقاطع بمدى حب الوطن، وأبو الشهيد وحسين العراقي، التقابل في حب الوطن، والتقاطع في كيفية تربية الأبناء.
أن شخصية محمود شخصية متمردة، مثل شخصية (هو) في مسرحية (الباب)، فكلاهما يتمردان على السلطوية، (هو) برفضه النزول إلى الجب، ومحمود بعدم دفاعه عن الوطن. ويبدو لي أنها امتداد لمسرحية (الباب) ومتممة لها، ذلك إن حب الرجل للمرأة،
شأن مسرحية (الباب) يلعب الدور الرئيس في معالجة المشكلة، في (الباب) بالخروج من الجب، وفي هذه المسرحية بالخروج من (السرداب) وكلاهما الجب والسرداب يرمزان إلى العفونة والخسة.
إن المؤلف يمنح فسحة لشخصية محمود للتحرك عليها، لا دفاعاً عن نفسه، بل ليعبر عما يختلج في قرارة داخله بصدق تجاه الوطن من جهة، وبقصد إدانة السلطوية من جهة ثانية، المتمثلة في الأب حسين العراقي. صحيح إن الأب، دافع عن وطنه، وأحبه كما أحب فلذات أكباده، لكنه أحبه كما يعبد الإله، أو كما يقول محمود: أرادنا جميعا إن نحب الوطن ونفهمه ونؤمن به ونتفانى لأجله.. بالطريقة نفسها التي فهم بها هو الوطن .. وتفانى له .. تلكم هي العلة..أي من هنا، بدأ خلاف الابن مع الأب، من إتباع طريقة والده نفسها في حب الوطن، ذلك إن الوطن من وجهة نظره ليس ترابا، ولا مجرد أرض وماء وسماء.. وينبغي لكي نحبه ونموت له… إن يتحول فينا إلى كائن حي .. جميل.. وذكي ومحبوب.. نراه، ونلمسه، ونتفاهم معه.. ونختصم، ونتصالح…
وهذه الجمل القصيرة، الكبيرة بمعناها، ما هي الاّ إدانة واضحة إلى ضباط الجيش الكبار التي تستولي عن طريق الانقلابات على دست الحكم، وتفرض سلطتها بيد من حديد على رقاب الشعب.
إن محمود لم يفر نتيجة جبنه من ارض المعركة، ولكن لحاجته إلى من يعلمه إن يكون قادراً كالآخرين بحب الوطن. والعجب إن أحداً لم يساعده، بيد أن زوجته لا تقتنع بهذا التبرير. تحت ذريعة إن ما يتفوه به ليس إلا مجرد نفاق. ويدعوها إلى أن تعينه، وهذه الدعوة فاتحة أمل للرجوع عن موقفه السابق، الالتحاق بجبهة القتال، وتعاتبه لأنه لم يلجأ إليها منذ البداية، قبل أن يهرب، إيماناً منها، إن يلجأ الإنسان إلى من يحبه حين يكون ضعيفاً، مسألة طبيعية جداً. ذلك حين ذاك قد يستقيم كل شئ، لأنه في الخطوة الأولى التي أبتعد عنها عن الجبهة، إنما كان يزحف بعيداً عن الحياة، ولهذا تحضه على الانتصار على نفسه، وهذا التوجه هو الطريق الوحيد ليستعيد نفسه، ويستعيد زوجته، وكل شئ.. ويأتي هذا الانتصار بتسليم نفسه، ويقر بخطئه، ومن ثم انه يستحق العقاب.. لكنه لا يروقه ذلك، في تصور منه، أنها تحكم عليه بالإعدام سلفا، ويطلب منها أن تتريثه ريثما يصدر العفو، فيروح عند ذاك ويسلم نفسه.. وتصر زوجته على أنه لا يسترجع نفسه إلا بمواجهتها. فيعتذر عن قبول شريعتها، مخاطباً إياها بالقاضي، هكذا: أيها القاضي الذي لا قلب له.. أنا أعتذر عن قبول شريعتك .. لماذا تريدين إن تدفعيني إلى الطريق المسدود؟ حسب أن تتمهلي عليّ.. غداً أو بعد غد.. يصدر عفو.. ما عبثا أنهم يعطون فرصة لأمثالي، أنهم يعرفون أن هارباً يمكن إن يعود إلى القتال.. ويأخذ فرصة جديدة من اجل إن يكون بطلاً.. أعطيني أنت هذه الفرصة.. ولن تندمي .. سأغسل كل الأردان التي لحقت بي .. وغداً.. من يدري؟ قد أعود بك بطلا تباهين بي….
ويبدو أن زوجته تقتنع بأعطاءه فرصة، ريثما يصدر العفو ليقوم بتسليم نفسه، عندما تسأله: فأن صدر ولم تفعل؟ ويرد عليها قائلاً: عند ذاك افعلي ما تشأئين… ولكنني أحلف لك… فتمنعه أن يحلف، ذلك انه لم يكذب عليها يوما، وتصدقه دائماً، واعتباراً من جملة (أصابني الوباء، إنا مريض يا سميرة… )
يبدأ محمود بالانتصار على نفسه، مقراً ومعترفاً بخطئه وهو يقول: لم أنفك أقول لنفسي فيها.. لقد أخطأت .. ومرات هممت إن أركب أقرب سيارة وأعود إلى الجبهة.. وأقول عاقبوني…
وعقب إعترافه بخطئه، تدعوه إلى غسل وجهه، علها ترى فيه الصورة التي عرفتها من قبل، أو كأنما يغسل كل الأردان التي علقت به، ويطهر نفسه منها، ثم يتوجه نحو الباب، مصراً على الخروج من الدار والذهاب إلى أقرب معكسر لتسليم نفسه، الاّ أنها تردعه، وتطلب منه الانتظار إلى طلوع الفجر، خشية من أن يراه والده، الذي يسمع صوت سعاله في الطابق الأول، أشارة إلى انه مريض، ولكن رغم مرضه، فهو ما زال يقظاً، ويتمتع بذهنية المراقبة من حيث معرفته لما يجري في الدار، أي بوجوده فيه.
يبدأ الفصل الثاني بعد يومين في الصالة، ومعظم الحوارات الدائرة فيه، تكاد أن تنحصر بين سميرة وأم محمود، باستثناء مشهد حلم سميرة، حيث يظهر فيه محمود، وقبل نهاية المسرحية بصفحتين تقريباً، يشترك أبو الشهيد (والد سميرة) مع أم محمود وسميرة، في بعض الحوارات للعثور على مفتاح السرداب، ظنا من أم محمود وسميرة، بأن محمود قد اختبأ في السرداب، وان والده الذي كان قد أقسم أن يقتله إذا ما رآه، قد أغلق باب السرداب عليه وأخذ المفتاح. وتفكير سميرة بهذا الاتجاه لا غبار عليه، لان والده كان قد رأى محمود أثناء دخوله الدار، الاّ ان أم محمود تنفي حدوث شي من هذا القبيل، بدعوى أنه لو أراد ذلك، كان بإمكانه إن يدخل عليه في السرداب ويقتله مباشرة.
ولمرور يومين على عدم ظهور محمود، واختباءه على الأغلب في السرداب، لأنه عندما كان صغيرا، ما يفتأ إن يعبر عن غضبه باللجوء إلى نفس المكان، يصر الاثنان على فتح باب السرداب، حرصا على حياة محمود من الموت فيه، ولكن المفتاح ليس بحوزتهما، ولا يعرفان مكان وجوده، لذا يقرران، بالأحرى تقرر سميرة، بكسر الخزانة الخاصة بوالد محمود،ظنها منها بان والده قد أخفى المفتاح فيها، وتحذرُ أم محمود سميرة من مغبة ما يمكن إن يحدث إذا عاد الأب ووجد خزانته العزيزة مكسورة وترى سميرة ان كسر الخزانة ليس أسوأ من فتح باب السرداب، ورؤية محمود ميتاً،وهي التي تتحمل مسؤولية ما تقوم به، ومواجهة الأب في كسرها، وبعد أن تكسرها تجد فيها : مسدساً.. عدداً من النياشين.. قرانأ..صوراً.. وشدة أوراق ملصقة عليها زهرة يابسة..
والمفتاح هنا، يقابل ويماثل فتحة الجب في مسرحية (الباب) وهو رمز لكيفية خروج محمود من مأزقه، وطريقة التحاقه بجبهة القتال.
وكل واحدة من هذه الأشياء لها مدلولها، وتعبر عن شخصية الأب، وعندما لا تعثر سميرة على المفتاح، وتعود تجرب أن تغلق باب الخزانة ولا تستطيع، تطلب من أم محمود أن تساعدها، بعدم التخلي عن محمود، إذا صدر عفواً أن يذهب ويسلم نفسه، وتؤيد أم محمود توجيه زوجها اللوم عليها في إفساده، إذ كان عندما يرتكب خطأ ويغضب عليه والده، وهو طفل صغير يلجأ إلى السرادب نفسه، واصفة السرداب الحالي، مع انه نفس السرداب بالقبر، لتذكرنا بقبر مسرحية (الباب)، ونزول (هو) إليه، ليدفن ويموت فيه، و(محمود) إلى السرداب، لئلا يعفن نوم غرفته الزوجية، وتبقى العفونة عالقة في جسمه إلى صباح الغد، حيث يسلم نفسه، ولكن كما يبدو أن محموداً لم ينزل إلى السرداب بعد إن نامت سميرة وأخبرها بأنه سينام فيه، وإنما ذهب ليسلم نفسه حالا. ولذلك فان باب السرداب، وهنا يباغت المؤلف المتلقي، بأنه لم يكن مغلقا، بل مفتوحاً، وينفتح، وهي التفاتة ذكية أخرى من المؤلف، على يد أبو الشهيد (والد سميرة) بما معناه أن النصر لا يتحقق إلا على يد أمثال هؤلاء المضحين من اجل الوطن.
أبو الشهيد: (يذهب إلى باب السرداب.. يتفحصه.. يضرب بقبضة يده عليه.. يهزه.. مرة.. مرتين.. فجأة ينفتح الباب.. يرجع أبو الشهيد إلى الخلف..لحظة.. يصرخ!) الباب مفتوح.. انه مفتوح.. اُنه مفتوح.. أيها المساكين.. ( يفتح باب غرفة الأب.. ويرى لاول مرة والضياء على وجهه الوقور والدموع تسيل من عينيه..)
وإذا كانت الشخصيات في هذه المسرحية، تنحو منحى التقابل والتقاطع، فأن حدثها يسير في ثلاثة خطوط متوازية، تظهر في البداية بضبابية لا تزول، وتتضح قبل نهاية المسرحية بقليل وهي
1- دخول محمود الدار وتوجهه نحو الغرفة التي تنام فيها زوجته، ومراقبته من قبل والده.
2- حلم سميرة بـ محمود، حين دق على باب غرفتها وهي نائمة، وقد عاد، وكأن شيئاً لم يحدث.
3- إصرار محمود الاختباء في السرداب.
هذا ما تقوله سميرة لأم محمود، بينما في الحوار الدائر بينهما، لاتوجد أي جملة توحي إلى ذلك، أو حتى إلى هذا المعنى، وكل مايقوله محمود إلى سميرة بعد أن تطلب منه إن يرتاح على السرير، بأنه سينام على الأريكة، وسيوسخ السرير.. يعبر الخط الأولى باكتفاء الأب مراقبة أبنه، وعدم سعيه باتجاه حل مشكلته، أو حتى زجره بأي شكل من الإشكال، يعبر عن شخصيته غير المعروفة، باُعتباره شخصا نظريا أكثر من أن يكون عمليا، بدليل أنه جلس في ساعة متأخرة من الليل في غرفته يطالع كتابا ما. وبمقارنة الأب مع أبو الشهيد، فان الثاني استشهد ابنه في جبهة القتال، بينما الأول أبنه فار منها، وان دل هذا على شيء فانما يدل على نقص ما في تربية أبنه محمود. وهذا النقص هو تربيته كما تربى هو، وبالطريقة نفسها، وفي محاولة لجعله نسخة طبق الأصل منه.
كما إن اكتفاءه بالمراقبة تعبر عن الوجه الأخر لشخصيته، فبالإضافة إلى انه يتمتع بالصرامة والشهامة والبطولة وحب الوطن، كونه ضابطا قديماً يفيض في الوقت نفسه بمنتهى مشاعر الحب والإنسانية، ولعل مشاعره هذه هي التي جعلته غير قادرٍ على مواجهة أبنه، لذا فقد اكتفى برؤيته فقط..
أما الخط الثاني المتمثل ب حلم سميرة، عائداً زوجها من جبهة القتال في بداية المسرحية، لاتتوضح تفاصيله إلا قبل نهاية المسرحية بقليل، وهو من أجمل مشاهدها، لاعتماده على الإضاءة الحالمة، وكلما تقدم المشهد زاد معنى الحلم من خلال الحركة والصوت والأداء. وهذا الحلم إن لم يأت كنهاية للمسرحية، إلا انه كذلك، فأن المسرحية تنتهي به، أي إن المؤلف يستخدم تقنية جديدة في معالجته الدرامية، وهي تقديم هذه المعالجة، وعدم التعويل على النهايات التقليدية، ذلك ان اختتام المسرحية في هذا المشهد، كان قد أفسد كل شيء، بسبب حتمية وقوعها في متاهات التقريرية والمباشرة.
تحلم سميرة بمحمود وهو في صدر الغرفة مرتديا ملابس قتال.. رأسه وذراعه مضمدان.. وعلى صدره بضعة نياشين، أو كما يقول المؤلف وهو يصف محمود، رأسه إلى الأعلى، عيناه تحدقان في فراغ، وعلى شفتيه ابتسامة غامضة.. حين يتحدث تبدو وفي صوته نبرة مغايرة لما سمعناه في الفصل الأول.. فأذا تحرك، كان في حركته ثقل واضح… ومثل بطل مسرحية (الباب) يتحول محمود من اللأنتماء الى الأنتماء، عبر التحاقه بجبهة القتال وإصابته بالجروح. واصراره على العودة ثانية إليها، ذلك لإعطاء نياشينه، حيث ينتظرونه، ويقصد الشهداء، ليصبح شهيداً مثلهم.
بالنسبة للخط الثالث، فقد تم تسليط الضوء عليه، بما لا يحتاج العودة إليه ثانية.
وكما تكررت بعض المفردات كثيراً في مسرحيتيه (الباب) و(ديزدمونه) كذلك في هذه المسرحية، تتكرر كل واحدة من مفردتي (المفتاح)و (السرداب) أكثر من عشرين مرة. وإذا ما قمنا بتركيب جملة مفيدة من هاتين الكلمتين، فستتكون لدينا جملة(مفتاح السرداب) وهي جملة قابلة للتأويل. بالأحرى إن بلوغ تأويلها ليس صعبا، لاحتوائها المتن.
ومثل هذه الجملة تجعل المتلقي ان يطرح هذا السؤال على نفسه:
– ترى ماذا بـ مفتاح السرداب؟
الجواب واضح وبسيط، ان المفتاح مفقود. ثم يعود فيطرح سؤالا آخر، وفي هذه المرة عن السرداب: وماذا في السرداب؟
يأتيه الجواب بنفس قدر وضوح وبساطة الجواب الأول. في السرداب تعيش الحشرات والزواحف، وأحيانا البشر غير السويين
إذن ثمة مشكلتان، يتحتم إيجاد الحلول الناجعة لهما، أولهما ضياع المفتاح الذي ينبغي العثور عليه، وثانيهما السرداب الذي تعيش فيه الحشرات الضارة والبشر الضارين، الذي هو الآخر بحاجة إلى هدمه للتخلص من أضراره.
ولم يلجأ إلى السرداب سوى محمود مذ وان كان صغيراً، فالمفتاح هو عنده إذن، فالعثور على المفتاح في هذه الحالة، هو ليس للدخول إلى السرداب وإنما للخروج منه، وفي هذه الحالة أيضا فمحمود ليس بحاجة للسرداب، لذلك فيتوجب هدمه، ولكن ليس بجهوده، وإنما باشتراك زوجته معه، وحبها الكبير له .
وبناءا على هذا الفهم للمسرحية، فلو كان المؤلف قد أطلق عليها عنوان ( مفتاح السرداب) بدلا من ( العودة ) لكان هذا العنوان يعبر عن فحواها أكثر …..

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *