معجم كارل بوبر(الحلقة9):
*تاريخية العقل واللغة
* اللاوعي
* اللاحتمية
ترجمة: سعيد بوخليط

تقديم:
عندما صادفت،منذ عقدين،كتاب الأستاذة الفرنسية روني بوفريس،الصادر حديثا آنذاك. توخيت بداية،إنجاز مقاربة تلخيصية تعريفية للعمل باعتباره عنوانا جديدا على رفوف المكتبات.لكن بين طيات ذلك، تبين لي أن كتاب:العقلانية النقدية عند كارل بوبر ثم السيرة العلمية لصاحبته،ينطويان على قيمة معرفية كبيرة.لذلك،من الأمانة العلمية والتاريخية إن صح هذا التأكيد إعادة كتابته باللغة العربية نظرا لي :
*اشتغلت روني بوفريس؛من بين أشياء أخرى،على نظريات كارل بوبر.وترجمت له أعمالا من الإنجليزية إلى الفرنسية؛لاسيما سيرته الذاتية. كما أن بوبر نفـسه؛أوكل لها مراجعة الترجمة الفرنسية لعمله الذائع الصيـت بؤس التاريخانية.
*اعتبرت روني بوفريس عملها هذا،تقديما عاما لمعجم بوبر المفهومي. ساعية بذلك، إلى جرد ألفبائي للمصطلحات والمفاهيم التي وظفها بوبر، قصد صياغة مشروعه. لقد رصدت وفق تعريفات سريعة لكنها دقيقة وعميقة؛أهم المفاهيم سواء تلك التي نحتها بوبر،أو توخى في إطارها،على العكس من ذلك، مناقشة أصحابها وإبداء رأيه حولها: العقلانية النقدية/ التحقق/ المعرفة الموضوعية /المحتوى/ النظريات العلمية / تحديد /الديمقراطية / المجتمع المنفتح/ مقولة الأساس/ قابلية التكذيب/ قابلية التزييف والتفنيد/ الرائزية /التاريخانية / العقل و اللغة / اللاوعي/ الاستقراء / الوسائلية /الليبرالية / الماركسية/ الميتافيزيقا / العوالم الثلاث / المجتمع المنغلق /الوضعية/ القابلية / النسبية / الكليانية والطوباوية / التوتاليتارية….
خطاطة مفهومية، تعكس البرنامج النظري والمنهجي الذي خطه بوبر لنفسه.وقد توزع بين : منهجية العلوم؛ فلسفة المعرفة العامة؛ البيولوجيا؛ علم النفس؛ العلوم الاجتماعية؛ تأويلات الفيزياء الحديثة؛ تاريخ الفلسفة؛ فلسفة الأخلاق و السياسة؛ نظرية العلوم الاجتماعية .
أرضية فكرية وعريضة، يتجادل ضمنها مع: أفلاطون وسقراط وهيغل وماركس وفتجنشتاين وهيوم وكانط …إلخ. منحازا أو مختلفا،لكن بمعنى يتجاوز حدي منطق الميتافيزيقا الغربية الثنائي القيمة :صادق أو كاذب، ولا يوجد احتمال ثالث. لأن بوبر يؤكد نصيب الحقيقة من الخطأ. السمة الفكرية التي تهمه؛أكثر من اليقين والاعتقاد المطلقين.
هكذا ظل بوبر رافضا باستمرار،لكل أنواع الطوباويات والإطارات الشمولية المنغلقة؛بل والأفكار الرومانسية المنتهية حتما إلى العقيدة الجامدة والدوغماطيقية؛لأنها تستند بدءا وانتهاء على المرجعية الأحادية.
لم يكن من باب الصدفة إذن،أن يخرج بوبر آخر أعماله تحت عنوان مثير: “أسطورة الإطار،في دفاع عن العلم والعقلانية”. يقول بوبر في تأويل لما أشرت إليه:(( وعلى الرغم من أنني معجب بالتقاليد وعلى وعي بأهميتها. فإنني في الوقت ذاته أكاد أكون مناصرا أصوليا للا-أصولية: إنني أستمسك بأن الأصولية هي الأجل المحتوم للمعرفة، مادام نمو المعرفة يعتمد بالكلية على وجود الاختلاف. وكما نسلم جميعا، الاختلاف في الرأي قد يؤدي إلى النزاع، بل وإلى العنف. وأرى هذا أمرا بالغ السوء حقا، لأنني أستفظع العنف، غير أن الاختلاف في الرأي قد يؤدي أيضا إلى النقاش، وإلى الحجة وإلى النقد المتبادل. وإني أرى هذه الأمور ذات أهمية قصوى، وأزعم أن أوسع خطوة نحو عالم أفضل وأكثر أمنا وسلاما، قد قطعت حين وجدت حروب السيف والرمح لأول مرة من يضطلع بها، وفيما بعد حين حلت محلها في بعض الأحيان حرب الكلمات ))( أسطورة الإطار: في دفاع عن العلم والعقلانية . ترجمة يمنى طريف الخولي. سلسلة عالم المعرفة. أبريل- مايو2003)
ولكي يتم تسليط الضوء بقوة،على الأفق المتطور لهذا الفكر الإنساني في جوهره، أسرعت بوفريس غير ممتثلة لترتيبها الألفبائي؛ نحو الصفة التي عشق بوبر،أن يسم بها اجتهاداته الفكرية والمنهجية. أقصد تصنيف: العقلانية النقدية .
فما هي إذن أبرز ملامح وتجليات هذه الفلسفة ؟ ثم كيف عملت بوفريس على توظيف ذلك حين مقاربتها مشروع بوبر؟ لاشك، أن الإجابة عن بعض هذه الأسئلة تخول من جهة أخرى؛ إثارة انتباه القارئ نحو أهم أطروحات هذا العمل،والتي سنقف على مضامينها عبر سلسلة هذه الحلقات.

*تاريخية العقل واللغة :
يستند أول معيار لموضوعية فكر في البعد الكوني لقانونه، وضع تسمح به المنهجية النقدية التي تفرضها من جهة بعض المؤسسات الاجتماعية، ثم الصياغة اللسانية للنظريات، من ناحية ثانية. لكن ظهور اللغة غير كاف.
سيربط بوبر ظهور التقليد النقدي وأعلى مثال للعقلانية، باليونان مع الفلاسفة السابقين عن سقراط، ويعزو ذلك إلى كون المؤسسة الديمقراطية، أتاحت المجال لنقاش عمومي حول قضايا الحاضرة، مميزة إلى أقصى حد الحوار والجدال.
لم يهتم بوبر بالسابقين عن سقراط ، نتيجة امتلاكهم حدوس جوهرية سيفتقدها الغرب فيما بعد –حدس الصيرورة وتراجيديته عند نيتشه،ثم انكشاف الوجود لدى هيدجر – لكن بسبب استثنائية الحداثة الذهنية التي يخفيها الاقتراب الجلي لنظرياتهم من القصيدة، والأسطورة.
ما هي الأداة، التي تعطي على المستوى البيولوجي، إمكانية ظهور المعرفة الموضوعية، ودشن تقليدها النقدي توظيفا خاصا؟ بالنسبة لبوبر وكذا آخرين كثيرين، سترسي اللغة القطيعة بين الإنسان والحيوان. بلاشك توجد عند الحيوان عناصر أولية للغة، لكن اللغات الحيوانية لا يمكن أن تكون لها إلا وظيفتين : من جهة،”الوظيفة التعبيرية” تجيز التعبير عن الحالات الذاتية.ثم،”وظيفة الاستدعاء” تتيح إمكانية إثارة أو إحداث ردود فعل عند المرسل إليه، وتغيير سلوك المتجانسين بإشارات.
سنلاحظ،بالمناسبة مع بوبر، بأنه من العبث تعريف اللغة الإنسانية عن طريق القدرة على التواصل، مادامت السمة الأخيرة توجد أيضا لدى الحيوانات.لكن ما تفتقده اللغة الحيوانية، يتمثل في”الوظيفة الوصفية”،التي يمكِّن التواصل من خلالها وصفا للواقع، ويتجلى هذا بلاشك عند النحل وفق أشكال تتحول اتجاه هذه الوظيفة.
من جهة ثانية، تفتقد اللغة الحيوانية القدرة على البرهنة، أي تأكيد عبارة على ضوء قبول أو استبعاد عبارات أخرى.
يضيف بوبر خاصية رابعة إلى جانب هذه”الوظيفة البرهانية”،وكذا التصنيف الذي استلهمه من كارل بوهلر، وإن انتقد عدم إدراكه كفاية للفارق الفاصل بين الأساطير و العلم. يمكن إضافة خصائص أخرى إلى هذا التصنيف المختصر، مع أن بوبر يفضل”الوظيفة البرهانية”،معتبرا الوظائف الأربعة كما لو أنها منفصلة،بمعنى على العموم تكون كل واحدة مصحوبة بسابقتها.لكنها في غير حاجة لأن تصاحبها التي تليها داخل النظام المشار إليه أعلاه، (انظر كتاب بوبر حدوس وتفنيدات 134).

*الـــــــــــــــلاوعـــــــــي :
رغم أن بوبر ينظر إلى قوة الجهاز التأويلي للتحليل النفسي باعتباره علما زائفا، عكس ادعاء فرويد بعلمية،التحليل النفسي، فإنه مع ذلك لا ينكر أهمية بل وحقيقة بعض الأطروحات النفسية مؤكدا خصوصا على وجود اللاوعي، مع توظيفه للمفهوم غالبا بمعنى ليس بالضرورة وفق المنحى الفرويدي: “لاوعي فرويد، مجرد مصطلح أو مفهوم،لا يشمل عددا من حالات اللاوعي مثلما أصِفُها،لكن بالأحرى،حالات اللاوعي تلك المتطابقة مع النظرية الفرويدية”.
كما كتب لي بوبر(المقصود هنا روني بوفريس) بين سطور رسالة يعود تاريخها إلى( 1991/2/2 ) بخصوص توظيفه لمفهوم اللاوعي، مؤكدا مايلي: “قد أشعر بالجوع، لاشك بأنه قد يكون واعيا أو لاواعيا(إذا كتبت شيئا يهمني كثيرا، يصبح إحساسي بالجوع،على الأقل زمنا لا واعيا). هذا الجوع الواعي،مثلما أحدسه،يرتبط سببيا بحالة فيزيولوجية تؤثر على الدماغ وكذا وعيي. ربما هذا”الجوع اللاواعي” مجرد مؤثر دماغي،لايؤثر في وعيي( لأن وعيي في هذه الحالة ملتزم بموضوع آخر). أعتبر هذا التخمين في غاية الأهمية لأسباب عدة؛مثلا ونحن نتعلم عزف البيانو، أو قيادة دراجة، أو سيارة، فالذي يمثل أولا نشاطا واعيا يصبح “أوتوماتيكيا”؛ مما يعني، أني أفترض فقط عمليات فيزيولوجية، تلزم الوعي كي ينقاد خلف وظائف أكثر سموا … انتظارات لاواعية كثيرة، ويعتبر تزييف انتظار ما،اكتشافا.الاكتشافات واعية، بينما ينتج أثر التكرار توقعات لاواعية للأشياء”.

*اللاحتمــــيــــــــة :
تعني اللاحتمية إبستمولوجيا النظرية التي بحسبها، يمكن أن تصبح صحة الحتميات في مجال الميكروفيزياء موضع تساؤل، سواء نتيجة لاحتمية الظواهر، أو بناء على الحدود الضمنية لمعرفتنا.
أما ميتافيزيقيا،فاللاحتمية بمثابة نفي أو رفض للحتمية وتأكيد على استقلال كلي للإرادة أو الحرية الإنسانية في علاقتها بشتى الخلفيات وكذا التحديدات. كتب بوبر ضمن إحدى فقرات عمله ”كون لايقبل الحسم”: ” أدخلت الميكانيكا الكوانطية اللاحتمية الجديدة، التي تفترض بأن الصدفة وحدها تقوم وراء إمكانية الوقائع الأصلية، ولا تقبل الاختزال لوجهة نظر عِلَّية”.
أوضح بيير لابلاس (1749-1827) مبدأ الحتمية الكونية: تكمن الحالة المستقبلية للكون،وكذا ماضيه، في حالته الحاضرة؛ فالحتمية تختزل إذن في مبدئها، معرفة مطلقة بالمستقبل.
خلال الحقبة المعاصرة، أعيد تقييم الحتمية المطلقة والكونية ،لأنها غير ممكنة على مستوى الجسيمات الذرية، واستحالة القيام بتكهن دقيق.
الحتمية بالمعنى الميتافيزيقي، مذهب فلسفي يؤكد بأن الضرورة تسود العالم. وإبستمولوجيا،تتمثل في مجموع الشروط الضرورية،كي تتحقق ظاهرة ما(مثلا : نعرف حتمية كسوف)،أو المفهوم الذي من خلاله، كلما توفرت شروط بعينها، يمكننا معرفة بدقة الوقائع التي تستتبع ذلك. حسب باشلار: “يشير مفهوم الحتمية إلى سيادة الإنسان على الطبيعة”. وعند بوبر فالحتمية “العلمية”: “نظرية تعتقد بأن بنية العالم تقوم على التنبؤ عقلانيا بكل واقعة،إلى درجة من الدقة المتوخاة، لكن شريطة القيام بوصف دقيق كفاية لوقائع الماضي، ثم امتلاك مختلف قوانين الطبيعة”. بتحيز بوبر للاحتمية وانفتاح العالم، فإنه يربط هذه المسألة مع عدم اكتمال العلم ثم اختبار إمكانية تنبؤ منطقي كلي بالمستقبل.
تقليديا،ارتبط المثال الأعلى للعلم بفكرة إمكانية قدرته اللانهائية على المعرفة، تبعا لمضمون الفكرة القائلة بأنه إذا تضمنت آلة حاسبة خلال لحظة ما، معطيات الكون، يمكنها التنبؤ بدقة مطلقة بحالة هذا الكون خلال أيّة لحظة مستقبلية: الأسطورة المتعلقة بالشيطان الشهير عند لابلاس.
يبين بوبر بطريقة محض منطقية، أن تنبؤا كليا بالكون مستحيلا، منذ اللحظة التي نكتشف فيها بأن المتكهن يشكل جزءا من الكون الذي يتوخى التنبؤ به.
تفترض وجهة النظر هاته نقدا للحكم المسبق والذي بحسبه ستكون الفيزياء الكلاسيكية حتمية،تماما: تفترض إمكانية التنبؤ بكل واقعة فيزيائية خاصة،على أساس إخبار أولي دقيق بما فيه الكفاية .
على العكس، وحدها الفيزياء الكوانطية،لاحتمية : تنطوي على استحالة التنبؤ ببعض الوقائع الفيزيائية،مهما بلغ تكامل الإخبار المقصود: سبب ذلك، أن الملاحِظ الذي يتوخى الحصول على المعلومة، يدخل في تفاعل مع الظاهرة المدروسة. هكذا قد يتم التكهن باحتمالية تلك الوقائع.
تستند أطروحة بوبر على عدم ارتهان لاحتمية العالم بوجود الملاحِظ، بل أساسا موضوعية. سواء الفيزياء الكلاسيكية أو الكوانطية، تميزهما اللاحتمية. وفق معنى : “ربما أيضا أكثر جوهريا مما ينسب بشكل عام إلى الفيزياء الكوانطية”.مع ذلك، فعدم التنبؤ بالوقائع حسب تصور بوبر،لم يخفف منه إمكانية التنبؤ بترددها.
بالتأكيد، صحيح أن التطورات الفيزيائية التي تتضمنها الملاحظة تقود إلى صعوبات فقط في حالة الميكانيكا الكوانطية، وليس مع الفيزياء الكلاسيكية. لكن مناهج التكهن التي تطبق في الفيزياء تقتضي حدوث تطورات فيزيائية ليس فقط بالنسبة للملاحظة،لكن أيضا مايتعلق بحساب وصياغة التكهنات. وإذا أخذنا بعين الاعتبار التطورات الفيزيائية الأخرى نكتشف أنه، حتى بالنسبة للفيزياء الكلاسيكية، تظل مختلف التكهنات قاصرة.
يصبح هذا القصور أساسيا خلال كل مرة نتوخى التكهن بسلوك آلات تتنبؤ، ولكي يدعم بوبر أطروحته، يفترض ببساطة عدم امتلاكه ل”شيطان لابلاس”
بشكل محض روحي، وبأن كل تنبؤ بوسعه التجلي كحقيقة فيزيائية : مثلا، آلة. وتبعا لهذا المقياس، تظهر مايلي:
1 –يستحيل بالنسبة لأي متكهن التنبؤ بحالاته المستقبلية الخاصة.
2 –لايمكن التنبؤ بهذه الحالات من طرف متكهن آخر، إلا إذا لم يحاول هو نفسه التنبؤ بالحالات المستقبلية لهذا المتكهن الآخر.
3 – للبرهنة، يلاحظ بوبر، بأن متكهنا لا يمكنه القيام بمهمته إلا إذا من جهة،لم يعمل على تغيير وضعية العنصر الذي يتوخى معرفته.ومن جهة ثانية، إذا كان متأثرا جدا لأدنى تغير يمس تلك الوضعية،أي إذا تغير،هو نفسه بنفسه، بحركة ذات اتجاه واحد. لذلك فإن متكهنا ربما يتكهن به آخر فقط، إذا سعى هذا الأخير التكهن له : هكذا يغير كل واحد سلوك الآخر. ما إن يتفاعل المتكهنون فيما بينهم ويشكلون”مجتمعا”، يغدو مستحيلا التنبؤ بالحالة المستقبلية لأفراد هذا المجتمع.
الأطروحة : 1 –تعتبر الأكثر أهمية. ومن أجل البرهنة عليها يلتجئ بوبر إلى ثلاثة دلائل :
*دليل”تريسترام شاندي”، باعتباره دليلا زمانيا: لايمكن القيام بوصف تام لحالة تنبؤ بلحظة مستقبلية، إلا بعد أن تصبح هذه اللحظة ماضيا.انطلاقا من خلال كون هذا الوصف، يقتضي رصدا كليا لذاكرة المتكهن،(إذن التنبؤات التي تتضمنها،أو ذاته في نهاية المطاف، مهما كان ذلك سريعا جدا). و لايمكن أن يتحقق الأمر، حسب هذا التعريف، إلا بوصف لحظة سابقة، أي سياق الانجاز. مما يؤدي إلى القول بأنه لن يكون تنبؤا في أي حال من الأحوال.
*من جهة ثانية، يضع بوبر قياسا لآلته التنبؤية،معادلات تتعلق بتلك العبارات الشهيرة” غير قابلة للبرهنة”، والتي أوضح كورت كوديل Godel خاصيتها الحتمية ضمن كل نظام مستند على التقعيد الاستنباطي بحيث تشكل ذاتها مثالا لتأكيداته المتعلقة بعدم قابلية عبارة للبت فيها. كذلك تحوي هذه الأنظمة شروحا لا يمكننا وصفها بأنها قابلة للبرهنة أو الدحض. أيضا، هناك أسئلة حول مستقبلها بحيث لا يمكن للمتكهن الإجابة بنعم أو لا.
*يحلِّل بوبر أخيرا “مفعول أوديب” والذي يحيل على كون التكهن بمصير أوديب ، جعل تحديد هذا المصير ممكنا. كل معلومة يتلقاها المتكهن حول ماضيه أو حاضره، قصد تمكينه من التنبؤ بمستقبله، ستغير من وضعية هذا المتكهن نفسه. لا يمكن لأي منهج تنبؤي الحصول على معلومة بخصوصه، دون أن يتغير، وبالتالي فمعلومته ناقصة دائما.
يمكن للاستنتاج أن يأخذ كذلك شكلا أكثر بساطة. فيما يتعلق بسؤال المعرفة، إذا كان التكهن بنتائج العلم المسقبلية بواسطة مناهج علمية، ندرك فورا : يمثل أصلا استشراف النتائج، تشكُّلا لها، إنها ليست قط مسقبلية ما إن يتم التكهن بها. لكن نظرا لبداهة العلم الكبيرة بخصوص تغيير العالم، فهذا يعني بأن جانبا كبيرا من المستقبل غير متوقع، أساسا، حسب تكهن لا يتردد بوبر على الأقل في القيام به.
تكمن النتيجة الأولى لبرهان كهذا، في فرض صورة للمعرفة باعتبارها ماهية محدودة : لايمكنها معرفة نفسها – “فأنْ تعرفها أنت، يشكل تناقضا”- من ثمة عجزها عن ملامسة “الحقيقة الكلية”،ومآلها أن تكون في غاية التبسيط:”ليست نظرياتنا بتوصيف للطبيعة،لكن بعض الملامح التي انتقيناها بشكل طارئ تقريبا”. بل يلزمنا الذهاب أبعد من هذا: يعكس أيضا كل تطور للمعرفة،بمعنى ما، صيرورة للجهل: “يمكن لمعرفتنا اكتشاف حتميات جديدة. لحظتها، ستبدع قضايا تنبؤية أخرى،لا يمكنها معالجتها”.لا ينزع العلم نحو الإحاطة بكل شيء ، بل يقوم على استحالة ذلك.
تخبرنا النتيجة الثانية عن العالم ذاته الذي يتضمن المعرفة. مفاد أطروحة بوبر، أنه مع استحالة تنبؤ كلي، فلأن العالم غير حتمي،على الأقل بمعنى أن حتميته ليست مطلقة. الحتمية الدقيقة،كما تشتغل عند بعض الفيزيائيين،تجسد كابوسا في كل الأحوال : مادامت تحطم بلاشك كل إبداعية وتختزل العالم إلى مجرد آلة.
في صيغتها الميتافيزيقية(التي تركز على العالم ولا تؤكد أي شيء حول العلم)، ليس واضحا أنها قابلة للتفنيد، وربما استمرت فكرة شيطان لابلاس،إحدى تعابيرها، شريطة أن يوظف هذا الشيطان مناهج حدسية، وليس مناهج العلم الفيزيائية .
لذلك فإن بعض الفيزيائيين الذين رفضوا الحتمية العلمية –فكرة غياب تحديد للعالم بالمعرفة العلمية- ظلوا يناصرون الحتمية الميتافيزيقية.
مع ذلك، فإن الحتمية الميتافيزيقية ظلت مجالا لانتقاد قوي. ويمكن أن تظهر خاصة، بأنها تتلاءم قليلا مع وجود العلم.
من جهة، تنزع حتمية كهاته إلى تحطيم تلك، منذ أن اعتبرت بأن الخطاب العلمي لا يبرهن على ذاته بمبررات تتصل بمحتواه، ولكن كنتاج ميكانيكي لعلَّة فيزيائية بهذا المعنى يُحرم هو نفسه من إمكانية البرهنة.
في موضع ثان، وأمام الاستحالة المنطقية للتفكير في الحتمية العلمية على نمط لابلاس، فلايمكن للحتمية الميتافيزيقية الاستمرار سوى الارتكاز على فرضية غير واضحة إلا قليلا جدا : فرضية الحقائق المحظورة. إذا تحدد مستقبل العلم بدقه، سيكون من المحظور معرفته. فإذا كنت أعرف اليوم بأن نظرية (T) سيتم إبداعها خلال لحظة في المستقبل، فإني أجعل هذا الإبداع مستحيلا، بحدسها عوض التكهن بها.
وبالفعل، سيكون أقل من التعسفي كثيرا التسليم بأن مستقبل العلم غير محدد، وبأنه التعبير عن لا نهائية العالم نفسه. ما نلاحظه في جميع الأحوال, منذ مدة طويلة وكما لاحظه كذلك واتكينز، ارتبطت الحتمية بإمكانية المعرفة – تتأتى اللاحتمية حسب سبينوزا ، من الجهل بالأسباب- لكنها الآن مرتبطة بأطروحة حتمية الجهل.
اللاحتمية الميتافيزيقية كما دافع عنها بوبر، فيما وراء لاحتميته العلمية، تحررنا من المذهب الخفي للحقائق الممنوعة.
هل يتعلق الأمر أيضا، بتحديد طبيعة نمط هذه اللاحتمية الميتافيزيقية.بعد مقالته : ”اللاحتمية في الفيزياء الكلاسيكية والكوانطية”. الواردة في كتابه” كون غير قابل للحسم”.ومنذ فشل برنامج أينشتاين / فاراداي، الذي اقترح تأويلا عاما للمادة حسب مفاهيم نظرية الحقول،لم يعد للفيزياء برنامج. والحال، حسب بوبر، احتاج الاشتغال دائما إلى “برنامج للبحث الميتافيزيقي”، لن يكون سوى تحديدا للقضايا التي يجب حلها، وأي نمط من المعالجة يمكن أن نعتبره كافيا. مع إقراره بأن الأمر يتعلق ب “حلم”، سيقترح بوبر رؤية جديدة للعالَم الفيزيائي، ستشكل بحسبه، إذا تبناها العلم المعاصر، سلطة كبيرة موحِّدة ومرشدة نحو الاكتشاف. تتمثل الأداة التي تمكن من برنامج بهذه الكيفية في تأويل شروح الاحتمال بمصطلحات لـ”النزوع”.
وبالفعل،لايأخذ الاحتمال لدى بوبر منحى وظيفة للجهل بالموضوع (كما نعتقد غالبا) مادامت الفرضيات الاحتمالية تمكن من تنبؤات إحصائية،ولا يمكننا أن نقر شيئا حول العالم بناء على مقدمات منطقية توطد جهلنا الذاتي.
إذن ضرورة وجود نظرية موضوعية للاحتمال، كما الشأن مع “نظرية التردد” لصاحبها “فون ميسز” والتي أقر بها بوبر غاية سنوات 1950. لكنها بقيت ناقصة،لاتتيح المجال لتمييز مختلف الاتجاهات الإحصائية المرتبطة بكل نمط من المعطيات،داخل متوالية كلِّية لوقائع عشوائية،بحيث افتقدت شروطها للتجانس. إنها موضوعية قياسا إلى ظواهر متراكمة، في حين تتوخى أخيرا، قياسا إلى الظواهر المتفردة، إدخال فكرة ارتباط الاحتمال بالجهل الذاتي.
لهذا السبب، يقترح بوبر بناء أنطولوجيا للترددات بالالتجاء إلى “ميول” أو ”نزوع ” واقعية. نقول على سبيل المثال،بأن سلسلة رميات مكعب،بكيفية يتجه معها الآس إحصائيا نحو تردد 4/1، فإنه يتوفر على”ميل ” يفضي إلى متواليات يكون تواتر الآس فيها هو 4/1.
الأساسي، لدى بوبر، حقيقة ‘’النزوع’’ الفيزيائية، بل يمثل حقيقة فيزيائية بامتياز. وبالفعل تقوم الكوسمولوجية البوبرية على التأكيد بأن كل شيء “نزوعا”. فيما يخص الرؤية اللاحتمية للعالَم الفيزيائي، فيمكن تجسيدها بصورة. إذا قابلنا “ساعات التوقيت”، كأنساق فيزيائية منظمة ومرتبة،حيث نلاحظ معها ربما حتمية شبه مطلقة، بـ”السحاب” باعتباره مجموع جسيمات غير منتظمة وتقريبا قابلة للتنبؤ، سيؤكد التقليد النيوتوني ،على أن كل السحب مثلت فعلا”ساعات للتوقيت”، فالنموذج العقلاني لا يترك أي مكان للعشوائية.
من هنا تظهر قيمة ساندرز بيرس، حسب بوبر، لتخمينه بعدم وجود ساعة توقيت مثالية، وبأنها تتضمن في بنيتها الجزيئية عنصرا “ضبابيا”،لا يخضع فقط لقوانين نيوتونية صارمة، بل لقوانين احتمالية إحصائية.
كل ساعات التوقيت حسب بوبر، بمثابة”غيوم”تقريبا، والحالات المحدودة لأنظمة منغلقة تماما، كما هو الحال مع النظام السماوي وكذا بعض الآلات، لا يمكنها مطلقا البقاء في منأى عن بعض التدخلات الخارجية.

*المصدر:
Renée Bouveresse :le rationalisme critique de karl popper ;ellipses ;2000.
http://saidboukhlet.com/

شاهد أيضاً

مقداد مسعود: برق ٌ مقلوب

برق ٌ مقلوب مقداد مسعود هل النخلة ٌ بئرٌ مقلوبة ؟ يتدلى مِن قاعِها / …

بريد السماء الافتراضي
حوار مع الشاعر المكسيكي أُكتافيو باث
كتابة وحوار :أسعد الجبوري

لم نستخدم مُكَبّر الصَوت للمناداة عليه.ولم نبحث عنه في سجل ما من السجلات السماوية الإليكترونية …

سعد جاسم: خريف طاعن في الوجع

خريفٌ خريفٌ خريفْ و يالَهُ … من خريفْ : وجوهٌ ” صفراءْ ” وقمصانٌ شاحبةْ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *