(والله إنَّ هؤلاءِ لرجالُ مخابراتٍ)
بغداد– بقلم علي الجنابي

خليلي أرسلَ ليَ طرفةً زَرَعَت في فؤادي بسماتٍ وبسمات, فحَنَفَ إليكمُ الفؤادُ وحَلَفَ أن يُشاطركُمُوهما : (الطرفة والبسمات), وهلِ النَّبَضاتُ إلّا همساتٌ صافياتٌ معطراتٌ بلينِ حرفٍ وإبتسامات, ولَمَساتٌ من باقياتٍ صالحات, تنفعُ في الأولى ذكرياتٍ طيباتٍ, وتدفعُ في الأخرى شررَ نارٍ كأنَّهُ جمالاتٌ, ولا ضيرَ في أنّها بسماتٌ من سِجِلّاتٍ, خُطَّت بمدادِ زعيمِنا المُفدى على جفونِ الحياة, فَأطَّت بها عيونُ الفجرِ بدمعٍ مكنونٍ في الحدقاتِ, لكنها بسماتٌ, نحنُ ندعوها بسماتٍ, ففيها رسماتٌ ظاهراتٌ من بسمات, فَلْنَخلعْ عليها – ولو كَذِباً – ونلْبِسْها بردةَ البسمات. وإليكم الطرفة بعد تهذيباتٍ لها وتشذيباتٍ:
أيامِ ما كانتِ المسبحةُ في أناملِنا المرتجفاتِ, تُعَدُّ في دستورِ زعيمِنا المُفدى من المحرَّماتِ, وأيامَ أن كانَ إطلاقُ اللحىً من الموبقاتِ المهلكاتِ التي يرتعشُ من تضاريسِها زعيمُنا المُفدى وما أحاطَهُ من حراساتٍ, فتراهُمُ مُستَنفرينَ لأجلِها جواميسَ (الأمنِ) ونسانيسَ (المخابراتِ) بل وبنجمِ الشّعرى يستهدون وما حولَه من مَجرَّاتٍ وعلامات..
في تلكمُ الأيامِ كانَ هناكَ صديقاً من جيرانِنا عَفويَّ اللفظِ والقسمات. يُدعى خُضيْر: شابٌ طريٌّ نقيُّ الطّوياتِ بهيُّ السمات. أطلقَ خضيرُ لحيةً طويلةً ليخفيَ خطوطاً في حنكهِ وآثاراً من جراحات, إثرَ سقوطهِ من سُلَّمٍ كثير الدرجاتِ على كومةٍ من أخشابٍ وأسلاكٍ شائكات, وإذ أنا ذاهبٌ إلى عملي عند إشراقةِ شمسِ سبتٍ من السبتاتِ, وإذ كنتُ راكباً دراجةً هوائيةً وَرِثتُها عن أبي عن أبيهِ عليهما من الرّحمنِ رحمات , بِسكِلتة هي وصيةٌ خصَّني بها – وأنا البِكرُ – مِمّا خلفَهُ لنا من التَّركات, الورثةُ مانالَهم من شيئٍ إلّا خزائنَ قَفَشاتٍ كان أبيهم يترنَّمُ بهنَّ لاذعات. وإذ كنتُ أقودُ دراجتي ذاتَ السلاسل المُقرقِعات, ومثقلاً بآهاتِ رزقٍ مُفَرقِعات وَواهاتٍ ببسماتي مُبَرقعات ومحجّبات، وإذْ بسيارةِ (لاندكروزر) كخنزيرٍ ضلَّ طريقَهُ قادمٌ من براري أو غابات, فترجَّلَ منها ثلاثةُ رجالٍ بستراتٍ سوداءَ حالكات ، رجالُ رعبٍ ما رَأَتْ عيناي مثلَ شواربِهُمُ المدمدمات, يَصطَفُّ على شنبِ أحدِهُمُ سِربٌ من صقورٍ جارحات, مَثلُ جثامينهم كمثلِ دُبَبٍ قُطبياتٍ منذُ شهورٍ جائعات !
سألوني :
أينَ بيتُ خضير ؟…
فأرشَدتُهم إليهِ بتوجسٍ وأنفاسٍ مُختَنِقات،
ثُمَّ سألوني عن خُلُقهِ؟ عن دينِهِ وعمّا خُفِيَّ فيهِ من مُنكرات؟..
وبينَما أنا معهم في (هات وخُذ وهات ), وفكري يَضربُ أخماساً بأسداسٍ بل سبعاتٍ بتسعات! إلتَقطتُ أنفاسي فتأمَّلتُهم بِحِسٍّ وحِدسٍ إستخباريٍّ وبثبات , وأسررتُ لنفسي:
مؤكدٌ أنَّ هؤلاءِ مُخابراتٌ أو لعلّهم إستخباراتٌ ؟
نعم, هؤلاءِ مخابراتٌ ؟ والله إنَّ هؤلاءِ لرجالُ مُخابراتٍ, وإنَّ هدفَهم هو (خضيرُ) لإعتقالهِ لِما أنبَتَ على فكّهِهِ المُثلث من شُعيرات، فظنّوهُ متطرفاً في دينهِ وكافراً بالاحزابِ و نافِراً من الأيدلوجياتِ ..
أنا – شخصياً – مغرمٌ ولهانٌ بفنِّ المخابراتِ, وأملكُ من داخلها وبتفاخرٍ وأنَفَةٍ أصحاباً ضباطاً لا صويحبات, وأحلامي في الليلِ كلها هلوسةٌ وهذهذات :
(قمرٌ واحدٌ يُنادي: لقد عثرتُ على الدجاجاتِ,حَوَّلْ؟)..
(شهابُ إثنان يُنادي:شاغِلِ الهدفِ الدجاجاتِ في الحفرياتِ حَوِّلْ, الفَلّاحُ قادمٌ إليكَ بالسُّنبلاتِ,حَوِّلْ).
ويالِجَمالِها من سُنبلاتٍ! يا لكمالها في لونها : صُفرٌ فاقعات!
سنبلاتٌ جافّاتٌ يابساتٌ!مَن إلتَقَمَ منها حَبَّةَ سنبلةٍ إِحوَلَّ بؤبؤُهُ أو إثوَلَّ سمعُهُ أو إزوَلَّ نبضُهُ ومات.
وأنّي لأشهدُ والشهادةُ للهِ بكلماتٍ مسؤولاتٍ :
(إنَّ خضيرَ آدميٌّ مسكينٌ طيبٌ زكيُّ الخلجاتِ).
وأنّي خَشيتُ عليهِ فكذَّبتُ عليهمُ بِحنكةِ رجلِ مخابرات, وأعلنتُ لهم مستيقناً وبعباراتٍ حاسمات :
يا عَمّي! خضيرٌ هذا فاجِرٌ وهوَ زيرٌ للنساءِ المومساتِ، هوَ خَمّارُ حارتِنا الأولُ وما لمحتُهُ إلّا مُترنحٌ بقناني مسكراتٍ، سفيهٌ أغبرٌ, ما ركَعَ الأحمقُ للهِ ركعةً واحدةً في صلاة , بل ما فَعَلَ فعلةً واحدةً من باقياتٍ صالحات, سِجِلُّهُ صحراء مغبرةٌ بسَمومِ السيئاتَ وما فيها نَبتةُ من حَسَنات …
صارَ الجميعُ يضحكُ ثم ركبوا مركبَتَهم وانصرفوا بإرتياحٍ وقهقاتٍ …
أنتصرتُ عليهم أنا فلا نامَت أعينُ الجبناء. أفيغلبُني غباءَ ثلاثةِ دببٍ قطبياتٍ! وأنا الخبيرُ بعِلمِ المُخابراتِ!
تركتُ الأمرَ سِرّاً في نفقِ الظلماتِ, وما أخبَرتُ (خضيرَ) لِئلّا يقلقَ وكيلا يخافَ من نائباتٍ قادمات, ولأنّهُ هكذا هوَ علمُ المخابراتِ, تَعَلَّموه مني وخذوه عني فما عندكم مثلي أصحابٌ ضبّاطُ مخابرات. إنه علمُ غَيبياتٍ وظلماتٍ بعضُها فوقَ بعضٍ مُتراكمات.
لكنِ خضيرُ أختفى من الحارة كضفدعٍ في طين السبات، وما عُدّتُ أشاهدُهُ في شغلٍ, لا في مقهىً ولا في دربونات!
مضى عشرون يوماً فهجَمَتْ عليَّ هواجسٌ مزلزِلاتٌ, فهرعْتُ أسألُ عنهُ، وإذ بأُمّهِ تفتحُ بابَ دارٍ فُرُشُها قَشٌّ وحُصيّات, دارٌ بُنِيَت من أموالِ زكوةِ وصدقاتِ، سألتُها بلهفاتٍ جانحاتٍ:
يا خالةَ, أين خضير بدرُ زمانكِ ونجمُ الأنجم المتلألأت ؟
قالَتْ: هو مريضٌ من عشرين يوماً يا بُنَيَّ فلا لألأت ولا نظرات ، فناديتُ عليهِ : خضير! يا أنت يا خضير! فأتانيَ..
وإذ به مُكعكعُ النَبراتِ مُضَعضَعُ العَبَراتِ، كأنَّهُ مُنبَعثٌ من بعد مَمات!
قلتُ له: خير ياخضير! ما خطبكَ كأنّك خفّاشٌ هَرِمٌ بشللٍ نصفيٍّ عَقَّهُ أبناؤه فنبذوه خارجَ المغارات ؟!
قال خضير :
((أسكتْ يا خليل النبض, قد رزقنيَ اللهُ بفتاة ، جميلةَ الجميلاتِ نبيلةَ السُلالات, أحبَبْتُها حُبّاً جَمّاً يَعدِلُ عشقَ عناترِ الأرضِ للعبلاتِ, فجاءَ أهلُ الفتاةِ قبيلَ الخطبةِ بساعات, يسألونَ عَمّا في…صفاتي… من .. سَوْآتٍ .. مَخفيّات…آآه ، ليتَني أعرفُ من هوَ ذا ( السّافلُ إبنُ السَّافلِ) الذي شَهِدَ لهم عليَّ بأقبحِ الكلماتِ, فأبلغَهُمُ أنّي زيرُ نساءٍ مومساتٍ وخَمّارٌ مُحترِفٌ في الحانات ))؟!
وَيْ! وَيْ! وَيْ! لقد أجهَزَت هِوايَتي لِفنون المُخابرات على مُستقبلِ خضير البائسِ المسكين فما عادَ لهُ من مُخرَجات .
لكنَّ فِراستي في فضاءِ المُخابراتِ ماوَهَنَت وستَبقى مُحَلِّقةً رغمَ أنّها ما درَسَت في معهدٍ للمُخابرات. وعاشَ زعيمُنا المُفدى: (ظِلُّ اللهِ في الأرضِ) وسَيِّدُ السّادات.
وعاشَ رجالُ المخابراتِ: (رجالُ الظِلِّ للظِّلِّ) حُماةُ قلاعِنا المحصنات وحَمَلَةُ أمناء غيارى للسنبلات الفاقعاتِ المُغَذِّيات .
الخلاصةُ: لا تجتَهدنَّ إن لَم تكنْ لديكَ مُؤهلاتٌ, فتَحرِمُنا من بعدِ ذلكَ أن نَجمعَ رأسينِ بالحلالِ فنبتهجُ بأفراحٍ ومَسرّات.
بغداد – بقلم : علي الجنابي

شاهد أيضاً

يا لذّة التفّاحة
فراس حج محمد/ فلسطين

يا زهرتي الفوّاحَةْ يا وردتي يا قُبلتي المتاحةْ يا بهجتي، يا مهجتي يا قِبلتي في …

غاستون باشلار: حلم التحليق(الحلقة الأولى)
ترجمة: سعيد بوخليط

” عند قدمي،لدي أربعة أجنحة لطائر أَلْسيون،اثنان عند الكاحل،أزرقان وأخضران، تعرف كيف ترسم فوق البحر …

مقداد مسعود: سيف ٌ في غرفة الضيوف على الجدار

واقفٌ يتباهى بسيف ٍ صائمٍ غمّدهُ الغبار صاح أصغرهم : هذا سيفٌ لا تخشاه طيور …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *