التقنيات الأسلوبية في شعرية الومضة قصيدة:
(أسئلة الشعراء) للشاعر العراقي “سعد جاسم” أنموذجاً
د. وليد العرفي (ملف/6)

إشارة:
يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن الشاعر العراقي المبدع “سعد جاسم” المجبول إنسانا وشعرا من طين فرات الديوانية السومري العراقي الحرّ.. كائن من شعر وموسيقى حمل هموم وطنه في المنافي وجسّد واكتوى بقيامته عبر الكلمة الملتهبة الصادقة الخلاقة. تدعو أسرة الموقع أحباءها القرّاء والكتّاب إلى إغناء الملف بما يتوفر لديهم من مقالات وصور ووثائق. وعلى عادة الموقع سوف يكون الملف مفتوحاً من الناحية الزمنية لأن الإبداع الحقيقي لا يحدّه زمن. تحية للشاعر المبدع “سعد جاسم” .
أسرة موقع الناقد العراقي

 

يبني الشاعر: جاسم سعد قصائده الوامضة على تقنية الأسئلة المفتوحة التي لا تسعى إلى تحقيق إجابة بقدر ما تفتح الأفق ؛لاستثارة مزيد من الأسئلة ، إنها محاولة أسئلة برق وغيم يستمطر ما بعده على فضاءات احتمال أكثر تعددية واستمطاراً ، يقول في البداية :
هل الشعراءُ
حُرّاسُ بيوتِ الكينونة؟
أَمْ هُمْ أُمراءُ الكلام؟
تبدو طبيعة السؤال الاستفسارية مرتبطة بطبيعة تعامل الشاعر مع اللغة ، ومدى مطاوعة الكلمات لهم ، ومقدرتهم على تطويعها وفق تعابيرهم ، ومشاعرهم التي يُعبّرون من خلالها عنها .
وقد شكّل السؤال / الأسئلة مقولة النص المحورية التي انسجمت في وحدة عضوية ارتبطت بعلائق متينة من عتبة العنوان حتى القفلة ، ويُمكن توضيح علاقات تلك الصلة من خلال التقنيات الأسلوبية ، وتكنيكات اللغة التي استثمر الشاعر طاقاتها ؛ لتحقيق تلك الوحدة التي تجلَّت من خلال :
التكرار و التكرار من ضروارت الشعر ومستلزماته ؛ فقد رأى لوتمن “أن البنية الشعرية ذات طبيعة تكرارية حين تنتظم في نسق لغوي”
تكرار ( أم ) التي جاءت حرف عطف يجمع بين المقدمة والخاتمة في كل سؤال ، وغاية هذا العطف تحقيق الترابط بين مستويي السؤال المنفتح على الاحتمالية ، والتوقّع الذي يشغل الشاعر به نصه التساؤلي :
هل الشعراءُ
عُشّاقُ الأُنوثةِ والجمال؟
أَمْ أَطفالُ الابدية؟
هل الشعراءُ
أَنبياءُ الوهم؟
أَمْ مُهرّجو البلاطاتِ والمجالس؟
تكرار التركيب : وهو ما تجلَّى بالأسلوب الإنشائي الذي جاء بصيغة الاستفهام (هل الشعراء )في استهلال كل تركيب جديد ، وومضة لاحقة لأخرى سابقة ، وقد شكَّلت تلك المتواليات بؤراً إشارية منفتحة على مزيد من الانفتاح على التأمل ، والتوقعات اللامتناهية .
تكنيك التركيب الإضافي : وهو من التراكيب اللغوية التي تُحقّق بفعل انزياحاتها اللغوية ، ومصاحباتها اللغوية غير المألوفة حالة إدهاش ، وبؤر توتّر تتخلّق بالفجوات التي يُحدثها فعل المصاحبة اللغوية غير المتوقعة بين الدال والمدلول ؛ فيما يبدو أنه فعل ممارسة إغواء يتفنَّن الشاعر في تلوينها بالحركة والصوت واللون :
هل الشعراءُ
صاغةُ ذهبِ المعنى؟
أَمْ أنَّهم رعاةُ الكلمات؟
هل الشعراءُ
صيادو جواهرِ الخيال؟
أَم فرسانُ عرائسِ البحار؟
هل الشعراءُ
بستانيو فواكهِ الأَمل؟
أَمْ حكماءُ منافي الأَلم؟
هل الشعراءُ
عازفو ناياتِ الشَجَن؟
أَمْ هُمْ الذينَ
يُموْسقونَ قصائدَ الحنين؟

التضاد : وهو ما يُسمّى في الموروث البلاغي العربي بالطباق ، ومن خلاله يتم تأكيد المعنى وتوضيحه وجلاء صورته ، وكما قال الشاعر قديماً الضدُّ يُظهر حسنه الضدُّ ، وهو ما نجده في قوله : هل الشعراءُ
صعاليكُ الأَحلام؟
أَمْ مجانينُ الحقيقة؟
وقع التضاد هنا بين : الحلم ــــــــــــــــــــــــــــــــــ الحقيقة ، والحقيقة نقيضها الوهم غير أنَّ الشاعر استدعى الحلم بديلاً تعبيرياً عنه .
هل الشعراءُ
شياطينُ الأَرض؟
أَمْ ملائكةُ السماء؟
وهنا وقع التضاد بين : الشياطين ــــــــــــــــــــــــــ الملائكة ، والأرض ــــــــــــــــــــــــــ السماء
هل الشعراءُ
ملوكُ الرؤى والطقوسِ؟
أَمْ انهم الغاوونَ
والمطرودونَ دائماً
من المدائنِ الفاضلة؟
وأخيرا التضاد بين : ملوك ـــــــــــــــــــــــــ مطرودون ، وكان يقتضي العبيد ، لكنه استدعى لفظ مطرودون ؛ ليكون بديلاً تعبيراً عنه .
وهكذا تبدو تلك التقنيات الأسلوبية قد أسهمت بشكل فاعل في مدّ تلك الومضات بمزيدٍ من الشعرية ، وأضفت عليها الحيوية والتجدد ، ومنحتها مزيداً من الدهشة والانبهار .

شاهد أيضاً

توفيق الشيخ حسين: قراءة في الأعمال الشعرية للشاعر د. صدام فهد الأسدي (ملف/3)

اشياء تسقط في الذاكرة اشياء تصعد في الأشياء افياء يفضحها النور، واشياء تخنقها الظلماء احياء …

الدكتور صدام فهد الأسدي: أنا ملك الأحزان دون منافس وقد ابتليت مذ امتلكت يراعا
حاوره: حيدر الاسدي (ملف/2)

حيدر الاسدي / من هو صدام فهد الاسدي الإنسان قبل أن يكون شاعرا وأستاذا جامعيا؟؟ …

أ.د. صدام فهد الأسدي.. سيرة حافلة بالعطاء (ملف/1)

الأستاذ الدكتور صدام فهد طاهر شريف الحمد الأسدي تولد قضاء القرنة 1/7/1953 حصل على شهادة …

3 تعليقات

  1. سعد جاسم

    أَخي الناقد والشاعر المبدع : د. وليد العرفي
    سلاماً ومحبّة

    لقراءتك في نصي خصوصيتها وعمقها وفرادتها
    ولانتباهاتك واشاراتك المُكثّفة وعي وفطنة الشاعر والناقد
    العارف باسرار الشعر وعوالمه واشراقاته

    وافر الشكر والإمتنان لك أخي د. العرفي النبيل
    دمتَ بصحة وعافية وابداع

  2. بولص آدم

    هذا الملف فرصة كبيرة لتأمل أكبر سعة وإحاطة غنية بالمنجز الأبداعي لشاعر يُجيب على أسئلة الشعر والشعراء التي طرحها حول تعريفه في مقالة مهمة قبل مدة قصيرة أو عبر نصوصه وخاصة ذلك النص الذي نقده مشكوراً الناقد د. وليد العرفي وأبرز على نحو دقيق مايتميز به . اي أن الشعر في كل شعرية، هو أقرب تعريفات الشعر اليه وهي قناعتي وأختياري من بين تعريفات كثيرة جدا.. إحترت حقيقة اين أحييك وفي أي حلقة من حلقات هذا الملف الجميل الذي يتحفنا به الأخ المتفاني د. حسين سرمك وأسرة هذا الموقع الذي بات صديقاً عزيزاَ علينا.. شكرا لكم وتحية لأخي المبدع الأنيق روحاً ووعياً، نبلًا إنسانياً ورهافة متجذرة، سعد جاسم. دُمت مبدعاً .

  3. سعد جاسم

    أَخي وصديقي الفنان والاديب المبدع : بولص آدم
    سلاماً ومحبّة

    اكبر من الشكر … اقصى من المحبّة لك
    لأنك تشاركني غبطتي بهذا الملف الخاص بتجربتي ومنجزي ورحلتي في دروب وحقول وغابات الشعر ؛
    والذي أَطلق اجنحة عصافيره وحمائمه ونوارسه : اخونا المبدع الكبير د. حسين سرمك
    الذي كان قد دعاني بكل لطف ونبل وحرص حتى نتعاون ونتشارك في اعداد الملف وإطلاقه في افق { الناقد العراقي } موقعنا الزاهر والمتوهج والمفتوح على فضاءات الابداع والمحبة والجمال .
    وها نحن نتقاسم هاجس وقلق ومتعة ومسؤولية إنطلاقة وصيرورة وكينونة ملفنا هذا .
    اتمناك دائماً بخير وعافية وابداع بولص صديقي الجميل .

    فرحي كبير وبهجتي غامرة بكلماتك ومشاعرك النبيلة عن الملف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *