صباح هرمز: مسرحيات يوسف الصائغ بين الخيانة و الانتماء
ثانيا: الباب بين عصرنة المثيولوجيا والانتماء (ملف/9)

إشارة:
رحل المبدع الكبير “يوسف الصائغ” غريبا في دمشق ودُفن هناك بعد أن قتلته السياسة التي لا ترحم المبدعين واستكثر عليه رفاقه “المبدعون” تعليق لافتة ترثيه. أغنى الصائغ الإبداع العراقي والعربي شعرا ورواية ومسرحا وسيرة وفنا تشكيليا وعمودا صحفيا (افكار بصوت عال). أين اصبح الـ 2000 تخطيط التي أخبرني بها؟ وأين صار كتاب الأدب المكشوف الذي طلب مني كتابة مقدمته؟ تحتفي أسرة موقع الناقد العراقي بمنجز الصائغ الكبير وتدعو الأحبة الكتاب والقراء إلى إغنائه بما يتوفر لديهم من مقالات وصور ووثائق.
أسرة موقع الناقد العراقي

ندرة من الشعراء العرب خاصة، والأدباء العراقيين عامة، سعوا خوض تجربة الاشتغال على أكثر من جنس أدبي، مثلما اشتغل أدباء أوربا وأمريكا ودول العالم الأخرى في القصة والرواية والقصيدة والمسرحية. والشاعر يوسف الصائغ هو واحد من هذه الندرة الذي استطاع أن يتجاوز الاستئثار والتفرد بكتابة جنس من الأجناس الأدبية إلى كتابة الرواية والمسرحية وأن يبز منافسيه في تدوين كلا الجنسين. فقد كتب في المجال السردي ثلاث روايات هي: المسافة، سرداب رقم 12، واللعبة. أما في المسرح وهو الجانب الذي يعنينا في هذه الدراسة، فقد كتب خمس مسرحيات، وهي: الباب عام 1985، العودة 1986، ديزدمونة1989، العباءة، والبديل.
باستثناء مسرحية العودة، بالنسبة لمسرحياته الثلاث الأولى، لم يستق ثيمتها عن الحكايات القديمة، كما استقى مسرحية (الباب) عن قصص (ألف ليلة وليلة) تحديدا من الليلة الثالثة والخمسين بعد الخمسمائة، والليلة الرابعة والخمسين بعد الخمسمائة، واستقى مسرحية (ديزدمونة) عن مسرحية (عطيل) لشكسبير ولكن بمنأى عن متنها الحكائي وإحداثها وابعاد شخصياتها.
والشخصية الرئيسة في مسرحية (الباب) هو السندباد البحري، ويرتئي المؤلف أن يرمز إليه في المسرحية بكلمة (هو)، الذي ترسو به سفينته في بلدة غريبة، حيث يضطر أن يمكث فيها مدة طويلة من الزمن، ومن ثم يتزوج أحدى فتياتها. ويكتشف بعد فترة قصيرة من زواجه، أن الزوجة أو الزوج، لا فرق، إذا مات أحدهما، يدفن الثاني معه حياً وهذا التقليد موروث عن الأجداد منذ القدم، حتى لايتم التفريق بين الزوج والزوجة في الحياة ولا في الممات، وهو مثلما ينطبق على أهالي هذه البلدة، كذلك ينطبق على الأشخاص الغرباء، وعندما يطلع السندباد البحري على هذه الحقيقة، يخاف أن تموت زوجته قبله، فيدفنوه معها حيا وهذا ما يحدث فعلا، إذ تمرض زوجته وتمكث أياما قلائل وتموت، وبعد أن يتم مراسم الدفن ينزلوه مع زوجته في الجب وهى مغارة كبيرة تحت الجبل، وهناك يرى أمواتا كثيرين روائحهم نتنة كريهة وكما تشير الحكاية: وصار لا يعرف الليل من النهار وهو خائف أن يفرغ ماعنده الزاد والماء، فقد كان في كل يوم يأكل أو أكثر أكلة ويشرب شربة ولكي يطيل بقاءه، لايتوانى قتل الأشخاص الأحياء المدفونين مع الموتى ليأخذ خبزهم ومائهم مثلما فعل مع المرأة التي انزلوها القبر مع زوجها الميت، إذ قتلها في الضربة الثالثة بالقصبة وتقول الحكاية : إلى انه كان نائما يوما، واستيقظ وسمع شيئا يكركب في جانب المغارة، فقام ومشى نحوه ومعه قصبة، فلما احس به فر وهرب منه، فإذا به وحش فتبعه إلى صدر المغارة فبان له نور من مكان صغير مثل النجمة…. فعند ذلك تحققتُ انه خرق في تلك المغارة… ومشيت إلى ناحية النور وأذا به نقب في ظهر ذلك الجبل من الوحوش نقبوه وصاروا يدخلون منه إلى هذا المكان ويأكلون الموتى حتى يشبعون ويطلعون من ذلك النقب، فلما رايته هدأت روحي واطمأنت نفسي وارتاح قلبي، وايقنت بالحياة بعد الممات وصرت كأني في المنام، ثم إني عالجت حتى طلعت من ذلك النقب.
لقد أعتمد المؤلف على أحداث هذه الحكاية مضيفاً ما هو ضروري للبناء الدرامي لمسرحيته، وحاذفا ما هو غير مفيد، ابتداءْ من نزول (هو) في الجب، والاحتفال بمراسم دفنه مع زوجته، مروراً بطريقة تعامله مع الأشياء المدفونة معه، أو الموجودة في القبر، كالخمرة، واللحم، والتفاح، والخبز والماء، وانتهاءْ بخروجه من الجب. إذ يلتقط الجمل التي تجئ في الحكاية، ويقوم بعملية صياغتها من جديد، ووضعها في إطار فني جميل، محولاْ إياها من طابعها السردي القديم إلى صورة درامية، وبجملة مقتضبة جدا، كما يأتي في بداية الحكاية على لسان السندباد البحري، عندما يرى في المغارة أمواتا كثيرين روائحهم نتنة و كريهة، لائما نفسه على فعلته، باستحقاقه لما يجري له، وصار لايعرف الليل من النهار، ويتقوت باليسير، وينام على العظام، ويتمنى الموت فلم يجده. إذ يختزل معاني كل هذه الجمل في جملة متكونة من كلمتين وهما:(أهذا معقول؟) وهذه الجملة تحدو المتلقي أن يتخيل معاناة بطل المسرحية بشكل أعمق وأوسع، قياسا بما جاء في الحكاية الأصلية، ويرسم لها صوراْ جديدة من عندياته. وهنا تكمن لذة القراءة، وصدق وقعها، كما لو إن المتلقي هو صانع الكلمة، بتحويلها من حاسة السمع والبصر، إلى تجسيدها كعنصر درامي. وبأشكال وألوان قد تتضارب مع مارسمه المؤلف، وتتجاوز عليها في ذات الوقت، ليقوم بتأليف ثاني للنص إن لم يذهب أكثر فيتولى عملية إخراجه.
وإذا كان المؤلف، اكتفى بتوظيف معاناة بطل المسرحية بجملة (أهذا معقول؟) لتجسيدها دراميا، بدلا من الوصف الخطل الذي جاء في الحكاية، إلا انه في نعت مراسم دفن زوجته، من خلال غسلها وإرتدائها أفخر ما عندها من الثياب المصاغ، ورؤيته شيئا كثيرا من الحلي والحلل والقلائد والجواهر والمعادن مع المرأة التي قتلها في الحكاية الأصلية، يقوم بتوظيف هذه الحلل والجواهر في مسرحيته، بما يدعو إلى التهكم والسخرية منها ومن نفسه في أن بجعله ملكا أثناء مراسم دفنه، احتفاء بهذا الطقس، بوضع الإكليل على رأسه، وهو ينتزعه ويتأمله.. يضحك.. يعيده إلى رأسه.. يصيح من مكانه: طابت أوقاتكم أيها الموتى.. يضحك.. يصيح من جديد ..هو ذا الملك قادم.. فأنهضوا…(يخلع الإكليل عن رأسه ويرميه في الهواء ثم يتابعه وهو يسقط فوق احد التوابيت.. وينحدر أثر ذلك حتى يصل أرض المقبرة….).
أما معالجة نهاية الجنسين، السردي والدرامي، وإن جاء باجتياز بطل الحكاية وبطل المسرحية لمعاناته، عبر الخروج من الجب، الأول.. بحراً على ظهر زورق. حيث يصل مدينته بغداد، بعد أن أخذ معه من القبر شيئا كثيرا من أنول العقود والجواهر وقلائد اللؤلؤ المصاغ من الفضة و الذهب المرصع بأنواع المعادن والتحف، والثاني من خلال تصديه مع المرأة التي أحبها وأحبته لمعاناتهما، أقول وإن جاءت معالجة نهاية الجنسين سعيدة، إلا أن معالجة الثاني، وعلى الرغم من استفادته من الجنس الأول في تكراره لمفردة الخرق مرتين، ونفس الشى بالنسبة لمفردة النقب، فقد نأى عن الحلول التقليدية والجاهزة، وعول على مبدأ المنطق والحكمة، باعتبار أن كليهما الواحد منهما بحاجة إلى الأخر، للخروج من مأزقهما الكبير إلا وهو الموت، فأتخذا من الحب أنجع السبل لتحقيق هذا الهدف.
وإذا أمعنا في المقارنة بين الجنسين من حيث شخوصهما، لو جدنا أن الصائغ مثلما استفاد من أحداث الحكاية الأصلية، بنفس القدر يستفيد من شخصياتها، سيما الثانوية والتي تأتي بشكل عابر، ولا يترك أبعادها عند حد الحكاية، وإنما يطورها ويضيف عليها لتأتي إتساقا مع الأحداث وتصب في خدمتها، كما في شخصية الملك في الحكاية، وفي المسرحية(حبيبة).
إن النزعة السلطوية، المتمثلة الأولى بالملك في الحكاية، ومدعى العام في المسرحية، قد لاتطفو إلى سطح الأحداث بشكل واضح ودقيق ومباشر في الأولى، سيما وان البطل يرضخ لتقاليد البلدة، بدفن الزوج والزوجة معا. وهذه النزعة هي أهم ما في الحكاية ويستغلها الصائغ بإيجاد قوة مواجهة لها، وهي حرية الفرد المتمثلة ببطل المسرحية، إذ يتحول من شخصية ذليلة وقنوعة إلى شخصية متمردة، تأبى الموت. وهذا ما ينطبق على المرأة التي يقتلها بطل الحكاية. إذ تعينه في المسرحية على النجاة. لقد استحدث المؤلف شخصية( المدعي العام) لتحل محل شخصية الملك، وان كان رئيس المحكمة موجودا، فقد استحدثها،لا ليظهر النزعة السلطوية لكل الحكومات فحسب، وإنما ليكشف عن خداعها لشعوبها أيضا، وان هذه النزعة لن تزول إلا بالانتفاض عليها. وقد ظهر هذا الخداع في بداية المسرحية سبع مرات من قبل المدعي العام لبطل المسرحية، في المرة الأولى بالقسم في شرفه، والثانية بأكتفاء الشموع لبضعة أيام، مع أن اتفاقهما على أخراجه من الجب كان بعد يومين، والثالثة مخاطبته بـ (وداعا) بدلا من (إلى اللقاء)، والرابعة بمسك المدعي العام وقوله له: لاتكذب على أرجوك، والخامسة بدفع المدعي العام له، والسادسة بتشبثه بمدعي العام قائلا له:(أرجوك)، والسابعة بتخلص المدعي العام منه، وهو يختفي…
تبدأ المسرحية بمحاكمة(هو). ويبدو من وصف المؤلف لقاعتها بأثاثها القديمة، وعتمتها إلى حد كبير، إدانته لأعضائها المؤلفة من رئيس المحكمة، والمدعي العام و عضوين، انحيازه إلى (هو). ولعل الإشارة إلى المدعي العام بأنه أعور، وفقد إحدى عينيه في حادث جرى له قبل سنوات، وبالعكس بالنسبة لـ (هو) حيث يصفه في كونه غريب الملامح، لكنه وسيم، يزيد من هذا التأكيد على إدانة المدعي العام وانحيازه لـ (هو) ووصف (هو) بأن لامجال لتحديد عمره من ملامحه، فهو بين الثلاثين والخمسين، إشارة واضحة الى اعتماده على عرق جبينه، في الحصول على معيشته ومعيشة أطفاله، وأنه خلال هذه السنوات، وبفعل تعرضة للمخاطر والإرهاق يصعب تحديد سنوات عمره، ونعت عضوي المحكمة، بعدم تبين ملامحهما. إيماءة إلى عدم الأخذ برأي العضوين من قبل رئيس المملكة والمدعي العام.
وإذا كان تمرد (هو) يقترن بحرية الفرد في مواجهة النزعة السلطوية، فأنه في المقابل يعبر عن رفضه للانتماء من خلال عدم التزامه بالعهد الذي وقعه مع زوجته على الوثيقة، بدفنهما معا، بدعوى انه لا يريد أن يموت، وانه لم يعد يحبها بعد موتها، باعتبارها جثة. وهذا الموقف، موقف (اللانتماء) يذكرنا بشخصية (يانك) في مسرحية الغوريلا، أو القرد ذو الشعر الكثيف ليوجين أونيل، حيث كان يانك قبل أن يلتقي ب (ميلدرد) ابنة صاحبة المصنع، (راضيا عن المكان الذي يعمل ويعيش فيه، ولا يرى مكانا أفضل منه، وعملا أخر اشرف منه، وانه ينتمي إليه إنتماء تاما، إلا انه بعد اللقاء بها، تغشاه سورة من الغضب والارتباك ويشعر كأنما أهين بطريقة منكرة في صميم ما لديه من كبرياء، ذلك لأنها عندما وقع نظرها عليه، خرجت صيحة أليمة وصرخة مخنوقة منها، وهي تبتعد واضحة يديها أمام عينيها لتقول، (أبعدوني عن الوحش المفترس)1 إذ من هنا يفقد (يانك) الشعور بالانتماء، شأنه شأن (هو) حيث كان يعيش مع زوجته بسعادة، وراضيا عن حياته، ولكنها ما أن تموت، يفقد هذه السعادة، وبالتالي حبه لزوجته.
الحاكم: والحب هو: طار يا سيدي …صار طيرا.. تبخر.. صدقني يا سيدي ففي اللحظة التي وجدتها ميتة بين يدي حدث أمر عجيب. كنت أعانقها يا سيدي وكانت بين يدي كما كانت دائمة.. عامرة بالحياة.. مليئة بالرغبة.. مستجيبة. صارت شفتاها من قماش مشمع، وشحب وجهها.. وحين تطلعت إلى عينيها الجامدتين.. اجل أصابني رعب وغثيان.. لم يخطر الحب لي آنذاك.. بل الغربة والخوف والغثيان والهرب..
ولكن الصائغ لم يفعل ببطله كما فعل أونيل، بإطلاق عنانه، بحثاً عن ميلدرد للانتقام منها، والاعتداء على الأثرياء من أبناء الطبقة الرأسمالية ومن ثم سوقه إلى حديقة الحيوانات، ليصبح حيواناً، وإنما تركه يصارع عذاباته داخل الجب، منتظراً قدوم المدعي العام لإنقاذه، مع أنه يفطن مسبقاً بأن هذا لا ولن يحصل، وبدلا منه تأتيه إمرأة (هي) مع زوجها الميت، ومن هنا، الحب الذي يجمع بينهما، يبدأ التحول في شخصية (هو) نحو الانتماء. أي بعكس (يانك) من الانتماء إلى اللانتماء، بينما (هو) من اللانتماء إلى الانتماء.
وهذا الموقف كما يبدو لي استقاه المؤلف عن تجربته الشخصية، أثناء إنخراطه في أحد الأحزاب ، وتعرضه للتعذيب، بهدف نيل الاعترافات منه، ظنا منه بأن الصمود لا جدوى منه، أزاء عدم وجود موقف للجهة التي ينتمي إليها الضحية، كما إن هول التعذيب لا يستحق الانتماء، وان يضحي الإنسان من أجله، وثمة تراكيب لغوية ولفظية في النص تؤكد، إخفاء المؤلف لتجربته الشخصية تحت غطاء التمرد على المحكمة، أي إن هذا النص قابل للتأويل، وموضوعة نكث العهد، ما هي إلا واجهة لمسألة أخرى.. أعمم.. وأكثر عمقاً.. واتساعاً…
1) هو: كتبته في حالة حب، أي (العهد).. في غيبوبة أشبه بغيبوبة الشعر… (والمقصود من حالة الحب هذه .. الجهة التي ينتمي إليها.)
2) هو: إن المحب لا يكون حين يحب في وضعه السوي.. ربما تجعله حالة الحب أشجع وأكثر أرهافاً وأسرع استجابة وثقة بنفسه، ويسلك بأكثر ما يستطيع وما يزيد… إن الحب يبدل الإنسان يا سيدي.. يرتفع به.. وتلك هي ورطة.. (إي انه كان يحب تلك الجهة حد الجنون والتطرف.)
3) الحاكم: افترض إن المحكمة حلتك من عهدك واعفتك من مسؤولية العهد الذي اخترته.. وقالت عد إلى حياتك .. فهل تستطيع عند ذاك مواجهة نفسك..؟
هو: ليس بوسعي إن أفكر بذلك.. إن ما أفكر فيه الآن هو مجرد إن لا أموت..
الحاكم: شئ غريب.. أما من احترام تنطوي عليه للقيم والمثل .. و.. ؟
(ومعنى هذه الحوارات، إن الشخص الذي يوقع على البراءة يفقد قيمه ومثله، ولا يخجل من مواجهة نفسه فقط، وإنما من مواجهة الناس ايضاً، والمواجهة الثانية أقسى من الأولى، وبالتالي يغدو مكروها وغير محترم.)

4) هو:
– إن هذه الطيبة هي التي قادتني إلى هذا الفخ الرهيب.
– لكننا حين نحب، نتوهم إن الموت ليس مخيفاً.
(وكلا الجملتين تعطيان نفس المعنى، من إن انسياقه للجهة التي ينتمي إليها،لم يكن الاّ بعاطفة مراهق صغير، يشوبه تصور، بعدم قدرة أي قوة إنتشاله أو إبعادها عنها، قاصداً، حتى شراسة التعذيب في السجون.)
5) هي: أما من طريقة نستطيع أن نوقد بها هذه الشموع؟
هو: ما عادت شموعنا تضئ.
تسأل هي، عن إمكانية إعادة الجهة التي ينتميان إليها إلى مسارها الصائب والسليم، (فيقطع عليها هو هذا الأمل، بأنْ لم يعد لها موقف وانتهت..)
6) هو: فسأموت حقدأ عليكم….
(أي على الجهة التي كان ينتمي إليها.)
7) هو: اخترناه وكنا مخطئين..
(يقصد الجهة أيضاً.)
8) هو: وإنها كانت تعذبك وإنها كانت تكلفك الكثير في عملك وحياتك…
(إشارة إلى النضال في تلك الجهة بإخلاص وتفاني.)
إن تأثيرات مسرحية أونيل السالفة الذكر واضحة على مسرحيتنا هذه، فبالأضافة إلى مسألتي الانتماء و اللأنتماء، تردد في المسرحيتين كلمة(الوحش) أكثر من مرة، وفي ذات الموقف والمكان، أي بتحويلها من الانتماء إلى اللانتماء وبالعكس، وفي إثناء نزولها القبو(يانك) في قبو المصنع، لحظة مواجهته لميلدرد، وهي تنحدر فتحة الفرن،و (هو) أثناء أنحداره درجة واحدة إلى القبر، وكلاهما تفلت منه صرخة. ومن هنا هذه الصرخة يتحول(هو) من إنسان اعتيادي إلى حيوان، وهو يقول: أهذا معقول؟
لبلوغه أقصى درجات اليأس، بعد أن يغلق باب القبر، ويصبح وحيداً مع الموتى.
وتتكرر حالات اليأس عنده ثلاثين مرة، ففي حالات السبع الأولى منها، شعوراً منه بأنخداعه بالمدعي العام، وفي المرة الثانية سخرية من نفسه ومن زوجته، وفي المرة الثالثة خوفاً من المكان المحاصر فيه وتنتشر فيه الموتى. وهو يقول: الموت في كل مكان. أو مخاطباً الشمعة: أيمكن أن تكوني أخر رمز تبقى من الأمل، أحترقي رويداً رويداً، لا شك إن انطفأت قتلتيني، وفي الرابعة مناجيا نفسه وهو يقول: أنا مغرور ومذل مثل تابوت، وفي الخامسة ميؤوساً من الانتظار: اعرف أنه لن يجئ..، ومتوسلاً: أرجوك لا تخادعني. والسادسة فاقدأ الإحساس بالزمن، وهو يقول: ذلكم هو الموت الإحساس بالزمن، وفي المرة السابعة يبلغ يأسه حالة الجنون وهو يصرخ: لماذا كل هذا الجنون..
لماذا كل هذا الحقد.. ( مخاطباً الموت): كف عني لا تفكر بي، وسأجن لا محالة، بالإضافة إلى الجمل التالية:
• إن قلي يفقدني اتزاني
• أي عذاب وعلام من اجل لاشئ.. من اجل جثة.
• أما من طريقة يهرب الإنسان من الموت؟
• اجل أنا خائف
• ماعادت شموعنا تضئ
• وقد لا يأتي ابداً
• كل ما حولنا يجرنا إلى الموت
• كل ما حولي يوحي بالخوف والموت والمذلة
• بل سأموت
ويتخلص من هذا اليأس، آتيا الأمل إليه، بعد نزول (هي ) القبر، حيث تتكرر حالات الأمل كما في حالات اليأس ثلاثين مرة تقريباً، أي إن الصراع الذي عاشاه (هو) و (هي) بين الأمل واليأس، تطابق وتساوى مع بعضه الأخر إلى درجة كبيرة، بالتعبير عن نفسه في ثلاث صيغ وهي الاصرار، والحلم، والحب.
والصيغتان الأولى والثانية، أي الإصرار والحلم، تتمثل في شخصية (هو) أكثر من شخصية (هي). فمن مجموع سبع صيغ، يصر عليها (هو) تفتقر (هي) إلى أي صيغة، وتتضاعف في حلم (هو) من أربعا إلى أثنين بالنسبة إلى هي، بينما في الحب، تتفوق هي على (هو) بـ ستا مقابل واحد. ويأتي هذا الإصرار من خلال مقاومة (هو ) للموت، ومن أجل ذلك سيحفر الطريق بأسنانه وأظافره، ولن يستسلم، وبعناده هذا سوف يجتاز الباب، لذلك فأنه يجرب إن ينتصر بان ينظر باستعلاء إلى كل ما في هذه المقبرة. ولأنه لا يريد أن يموت، عليه لن يموت، إصراراً منه، على أن يحيا معاً، او يموتا معا أيضاً.
وفي الصيغة الثانية التي هي (الحلم) يسعى (هو) تقوية معنوياته من جهة من خلال مخاطبة زوجته الميتة في جملة (سيجئ الخلاص يا زوجتي) وتقوية معنويات (هي) من جهة أخرى، عبر دعوتها التفكير بأشياء جميلة ووثوقه بإيجاد الخلاص، وإيمانهم بالحياة يمنعهم على الموت. بينما حلم (هي) ينطوي على خروجهما معا من القبر، في جملة (هل سيفتحونه؟) وإحساسها بالاطمئنان بوجود (هو) معها.
أما الصيغة الثالثة التي هي (الحب) وانْ تأتي المبادرة من (هو) للاقتراب من (هي) عندما يطلب منها أن تسمح له المجئ إليها، إلا إنها، وبفعل سحر التراكيب اللغوية التي يستخدمها (هو) وطريقته للإقناع العجيبة، وتحليه بالصبر، كل هذه العوامل جعلتها أن تنجذب أليه، وتقتنع بحديثه، وتثق بشخصيته، ومن ثم تغازله، وتستلم المبادرة منه، بحيث تغدو هي المهيمنة عليه، من خلال مد يدها إليه، وقولها هاك يدي، وشرب نخبه، ودعوته لعدم تركها، ومخاطبته، بوجودك حياتي، ومعانقته.. وقولها: ما أجمل الحياة…
لقد رافقت حالة اليأس(هو) قبل وأثناء نزوله القبر، وبدأ هذا اليأس يخف تدريجيا مع نزولها (هي) ويحل محله بصيص من الأمل الذي طفق ينمو ويتطور خطوة أثر خطوة. وكلما تقدمت حواراتهما، إلى إن شرع يشع، ويصل ذروته، ويتفجر متمخضا عن خروجهما من الجب، محققا املهما هدفه المنشود. وإذا كان الأمر كذلك، أي مرافقة اليأس لـ (هو) قبل وأثناء نزوله القبر، وحلول الأمل بعد نزول (هي)، ولكون اليأس والأمل، يتناقضان أحدهما مع الأخر، ويتعارضان، فهذا معناه إن النزول أستحدث حياله، حالة أخرى، إلا وهي الصعود، ليصبح النزول رمزاً لليأس، والصعود رمزاً للأمل. وباتخاذ وضعيتهما الواحد مقابل الأخر( وجها لوجه) ولصق قاعدتهما، نحصل على الرقم (7). والرقم 7 يحتل مكاناً بارزاً في الفكر العراقي القديم. إذ أستقى المؤلف أحداث مسرحيته، باتجاه عصرنتها عن سكان بلاد الرافدين القدماء، واغلب الظن أنها تعود إلى العهد السومري، لأنه في هذه الفترة والفترات التي تلتها، كان يودع مع الميت الأدوات التي تجعله قادراً على الحياة، ظناً منهم، بأنه سوف يرتفع الى السماء بعد وفاته، كقوارير الخمر، والماء، والخبز، والتفاح، واللحم، موظفاً المؤلف كل هذه الأدوات في هذه المسرحية، بالإضافة إلى استخدامه مفردتين أثنتين وهما(الجب) و(المغارة) بدلا من (البئر والكهف) المستخدمتين في العهد السومري في دفن موتاهم، وهذا النصان دليل على ذلك:
1- يرد في نبوة دانيال 39:14 (وفي اليوم السابع أتى الملك ليبكي على دانيال فدنا من الجب ونظر فإذا بدانيال جالس2)…
2- وعندما ماتت سارة عن عمر يناهز (127) سنة ودفنت في مغارة مكفيلة حزن عليها إبراهيم كثيراً. وأقام لها مأتما سبعة أيام (تكوين 25:12) 3)
كما إن اعتقاد العراقيين القدماء، إن روح الميت تبقى على صلة بعالم الأحياء، فتسمع ما يجري بسبعة أو عشرة أيام بعد الموت، وورود معنى مشابه لمعنى هذه الجملة في المسرحية أيضا، يضاعف هذا التأكيد:
هو: أتعتقدين إنهم يسمعوننا حقا(يقصد الموتى)
هي: ربما .. يقال إن الموتى في أول أيامهم يسمعون…
لقد أحتل الرقم سبعة، كما يقول حكمت بشير الأسود، (مكانة بارزة في الفكر العراقي القديم نتيجة تفاعل عوامل عديدة منها ما هو متعلق بالعالم الإلهي والسماوي في تفكيرهم ومنها ما هو مرتبط على الأرض، فكان أن أوجدوا علاقة بين الإلهة من جهة والكواكب السيارة السبعة من جهة ثانية، ثم الارتباط ذلك بالعالم البشري في مسألة خلق الإنسان عندما كانت البداية بداية الإنسان لخلق أول سبعة ذكور وأول سبعة إناث، هذين العالمين الإلهي والبشري ارتبطا مع بعضهما من خلال تصور العراقيين القدماء بوجود سبع سماوات وتعيش فيها الإلهة وسبع طبقات للأرض خصصت للإنسان، وأخيرا كان للرقم سبعة حضوراً في عالم الزمان من حيث تقسيم الزمن إلى وحدة قياسية مفيدة وهي الأسبوع الذي ارتبط بظهور أوجه القمر المختلفة كل هذه العوامل جعلت من الرقم سبعة رمزا كاملا ومقدسا في الفكر العراقي القديم، ومنها كانت البدايات في التعامل مع هذا الرقم في المعتقدات الدينية والاجتماعية كافة، فضلا عن النتاجات الأدبية والفكرية والتاريخية القديمة منذ إن ظهرت الكتابة في ارض الرافدين قبل ما يزيد عن خمسة ألاف سنة مما يدل على أهمية واضحة وقدسية معينة حظي بها هذا الرقم العجيب)4).
وإذا كان النزول= (اليأس) يبدأ بجملة (أهذا معقول؟) وينتهي بالنوم الرامز إلى الموت، أو ما يشبه ذلك، فأن الصعود=(الأمل) يبدأ من النهوض من النوم، وهو يقول: لقد سمعت صوتا. كأن شيئا تحرك، وينتهي بـ جملة ( ما أجمل الحياة) بتفجر المقبرة نجوماً وزهوراً…
وبقدر أهمية تشخيص هاتين الحالتين، بنفس القدر من الأهمية تأتي ضرورة معرفة كيفية بلوغهما إلى هذين المستوين، وبعبارة أوضح، كيفية حدوث عملية النزول ومن ثم الصعود.. لأن هذه العملية هي التي تقودنا إلى تقنية المسرحية. تتكون المسرحية في الأصل من ثلاثة أقسام، فالقسم الأول الذي لا يتعدى أكثر من صفحتين، مكرس لتقديم حكاية السندباد البحري المستقاة عن قصص إلف ليلة وليلة، والقسم الثاني للمحكمة، ويبلغ عشرين صفحة، والثالث وهو الأساس، حيث تدور الأحداث في القبر ويبلغ بحدود خمسين صفحة. ولكن القسم الثالث، وان لم يجر المؤلف عليه هذا التقسيم فهو يتكون من قسمين، القسم الأول مكرس لــ هو بحدود خمس عشرة صفحة، وهو وهي خمسين صفحة.
بلوغاً للحالة الأولى التي هي ( النزول= اليأس) أستخدم المؤلف كل ما كان يودع مع الميت من الأدوات التي تجعله قادراً على الحياة، كالخبز الذي جاء بحدود عشر مرات، والخمرة لخمس وعشرين مرة، والباب ست عشرة مرة، والتفاحة عشر مرات، والشمعة ثلاثين مرة. ولكنه في الحالة الثانية (الصعود=الأمل) نادراً ما أعتمد على هذه المفردات، واكتفى بتكوين التراكيب اللغوية الشفافة والشاعرية، بقصد ترويض المرأة(هي) التي نزلت إلى القبر مع زوجها الميت، حيث كانت في البداية قد استسلمت للموت، وفاءً للعهد الذي قطعته مع زوجها ولبلوغ هذه الحالة يستخدم أكثر من ثلاثين تراكيب لغوية. مفردات النزول:
1- الشمعة: يستخدمها مرة خوفاً من الموت، إذ في حالة انطفائها فستكون آخر ما تبقى له من الأمل، وذلك يعني موته.
وفي المرة الثانية، بجعلها للأشياء زمنا، وتذهب الوحشة والغرابة.
وفي الثالثة يتخذ منها حبيبة متفانية وصامتة ومتواضعة وحزينة.
وفي الرابعة يشبهها بالمرأة ويخاطبها بالآنسة، وهو حين يخاطبها كذلك، فأنه يعني ذلك، ويزيد فيسميها شمعة، وهو يشعر إزاءها بالحب كما يشعر المحب تجاه أي آنسة أنثى يحتاج إليها ويثق بها.
وفي الخامسة يجعل منها رمزاً للحرية، عندما تطلب منه (هي) إن يجد طريقة يستطيعان بها إيقاد إحدى الشموع، ويرد عليها: ما من طريقة مع الأسف.. ما عادت شموعنا تضيء، إي أن كل الطرق مغلقة =اليأس.
2- التفاحة:
يوظفها في كونها محرمة، نمضغها ونتذوق عصيرها الإلهي الفذ، كما لو أنه يفعل ذلك للمرة الأولى أو كما كان يفعل المرة الأخيرة، مع ان طعمها كريه باعتبارها تفاحة اللاموت واللاحياة ومثل كل الموتى تحتفظ بطعم ــ تافه غير مثير.
وأحيانا للحب وهو يتناولها، حب زوجته عندما كانت حية وأحيانا ثالثة للاحب، عندما يرمي بقايا التفاحة.
3- الخمرة:
يعول عليها في مقاومة الزمن، والدفاع عن الإحساس بالجوع في المرة الأولى.
وفي المرة الثانية لتكون معه ضد الخوف وإعادة رجولته، بعد أن ينحني إمامها ويقدم لها اعتذاراته العميقة.
والثالثة لقتل الظمأ
والرابعة في نخب الموت
والخامسة لأعاده الدفء
والسادسة للسكر
والسابعة للانتشاء، وهي تطلب منه أن تشرب الخمرة بعد أن كانت ترفض شربها. والسابعة لضرورة إن تجعل الخمرة يعيشا مع بعضهما، وعلى هذا الأساس تحول بينهما وبين الموت.
4- الباب:
للتخويف وزرع اليأس في نفس البطل مرة وهو يسمع صوته الحديدي ويتوقف ويلتفت إلى الباب بعد أن ينحدر بدرجة إلى القبر.
وفي المرة الثانية لإدانة الحياة.
والثالثة إيمانا بالحياة
والرابعة لعدم الموت
والخامسة ومن خلال استخدامه مع الخمرة للدلالة على قدسية ما يقومان به:- أي التمرد على الموت.
وإذا ما أمعنا في المفردات التي أستخدمها المؤلف، لوجدنا انه يجعل من الشمعة فقط دون المفردات الأخرى مصدرا لانبعاث بصيص من الأمل، وإذا كانت بعض المفردات الأخرى تتسم بذات الشيء كمفردة الخمرة مثلا، فإنما هذا الأمل لا يعود إلى الحالة الأولى = اليأس، وإنما إلى الحالة الثانية = الأمل.
واستثنى الشمعة من هذه الحالة، لأنها بطبيعتها هي كذلك رمزاً للأمل، وبالإضافة إلى ذلك فأن هذا الاستثناء سوف لا تجعل من شخصية(هو) شخصية مهزوزة ومستسلمة، تمهيداً للانتقال إلى الحالة الثانية = الأمل، حيث يحض (هي) على الخروج معه من الجب.
أقول إذا ما أمعنا في هذه المفردات لوجدنا أنه وظفها لجمالية البناء الدرامي لمسرحيته، ارتباطا بعصرنة الميثولوجيا، امتداداً للعصر الحالي، سيما في توظيفه لمفردتي التفاح والخمرة مشبها(هو) بآدم عبر قضم التفاحة للمرة الأولى أو كما كان يفعل للمرة الأخيرة، فالجملة الأولى إشارة إلى خطيئة آدم مع حواء بأكل التفاحة المحرمة وطردهما من الجنة شأن شخصيتي(هو) و (هي) ارتكابهما خطيئة التوقيع على العهد، ونتيجة لذلك مواجهتهما أقسى أنواع العذاب في الجب، أي(الانتماء). والجملة الثانية إيماءة، وبفعل نفس الخطيئة أنزال الله بالبشر عاقبة الموت. والخمرة بسكره، وجعل الشمعة حبيبته، واعادة موتى القبور الى الحياة وفي مقدمتهم زوجته فهي تجيد الرقص والحياة والقتل، وهذه الجملة عودة الى حواره مع المدعي العام، وتنطوي على معنيين، المعنى الاول، هو أنه كان في حالة سكر عندما أنتمى اليها وأحبها بصدق، والمعنى الثاني واضح، اذ قتلته رغم حبه لها…
هو: كيف أصور الأمر؟ هل أقول كنت مخدراً، غائبا عن الوعي، يصح ذالك ياسيدي ولا يصح.. لكن من المؤكد إنني كتبت ذلك.. اتخذت قراري.. وأنا في حالة حب..إلا يشبه ذالك مثلا إن يتخذ المرء قراره وهو في حالة سكر؟ . . .
مفردات الصعود:
يبدأ الصعود عند(هو) كما ذكرنا سابقا من نهوضه من النوم وهو يقول: لقد سمعت صوتا، كأن شيئا يتحرك، أما عند(هي) فيتأخر هذا الصعود لعزمها على الوفاء لزوجها، إلى أنْ تستجيب لمنطق هو، وذلك بعد أن تطمئن إليه، وتقتنع بكلامه، وتثق به، وتبدأ هذه الاستجابة شروعا من دعوته لها بالسماح له بالجلوس.
هو: … هذا الموت الذي تبحثين عنه.. هو أصعب مايطلبه إنسان.. هل تسمحين لي أن اجلس؟
لا ترد عليه، وعدم الرد هذا معناه موافقتها. ويستمر هذا الصعود بالتناوب بينهما في انجذاب أحدهما للأخر، مروراً بطلبها منه الا يتركها، مع انها في البداية كانت تخشاه، وتقول له: لا تقترب مني. ثم توافق على أن تأكل الطعام الذي كانت تشمئز منه، كما وتسمح لـ هو أن يجيء اليها. هو: هل تسمحين لي أن أجيء اليكِ؟
هي: كما تشاء
وأن تمد يدها إليه، وتحس بقربه، وأن ينتبه من الجثامين المبعثرة على أرضية المقبرة، لئلا يتحجل بها ، وتعيش في حلم فتح الباب، في الوقت الذي كانت فيه تريد الموت، وترجوه الا يذهب، لأن وجوده يعطيها نوعا من الإحساس بالقوة، وانتهاءً بطلبها منه ان تجس نبضه، وتمسح عرق جبينه، وتلمس شاربه، وأن يشدها إليه، ويعيد إليها أنوثتها.. حيث يتعانقان، وتنتهي المسرحية بأخر جملة تقولها: ما أجمل الحياة..
إشارة إلى خروجهما من الجب، وتوكيداً على أن الانتماء لا يتم الا عن طريق الحب، وليس من خلال العهود والمواثيق.
ولئن بناء هذه المسرحية يقوم على الموت، وأفعال شخوصها تستند إلى التخلص منه، فأن حبكتها تتموضع في هذين المحورين (الموت واللاموت)، وذلك من خلال خلق أجواء ومناخات سوداوية وقاتمة ، وصراع الشخصيات مع نفسها، ومع بعضها البعض، والمكان الذي زجتهم السلطوية، وهو الجب، لكي يموتوا فيه، حيث تنشأ من مجموع هذه العناصر التي تنتج بدورها الفعل الدرامي، صيغة بناء المسرحية، بشكل أفقي= مستقيم، نظراً لما تتوافر الشروط الجمالية في أركانها الأساسية الثلاثة وهي، حوادثها ودوافع شخصياتها وانتقالات أفعالها، اعتباراً من جملة: (أهذا معقول؟).. مجهداً شخصية(هو) هذين المحورين بكل ما تحتويهما هاتين الكلمتين من المغزى المكاني والنفسي على حد سواء. ولا ينحرف اتجاه بنائها نحو شكله العمودي، الاّ بعد نزول (هي) الجب لحظة نهوض (هو) من النوم. وكلا الشكلين لا يأخذان مساراً واحداً، وإنما يصادف كل من منهما انحرافات قصيرة نسبياً، ثم سرعان ما يعودان إلى مسارهما الأول. أو كما يقول سام سيلي في كتابه ( كتابة المسرحية- بناء الفعل): (الاتجاه مهم في المسرحية الأفقية، ثم الانحراف بشكل عمودي. فالمسرحية التي تتحرك أفقيا مبنية بناء سبباً، حيث يسبب الحدث حدثا تاليا… ودوافع الشخصيات أمر مهم لكي يكون التسبب محتملاً وواضحاً… وتكون القصة هي المتحكم في المسرحية الأفقية. أما المسرحية التي تتحرك عموديا فبناها أصعب نسبياً وتعتمد على ما هو عرضي وغير متسبب يقع الحدث لصالحه وليس كمسبب سابق أو متابعة لحدث لاحق…) 15.
ويبدأ الشكل الأفقي اعتباراً من انحداره هو درجة واحدة نحو باب المقبرة وهو يتفحصه ويتلمسه بيده.. انتهاء إلى صراخه (لكنني لن أموت) حيث يأخذ هذا الشكل بانحرافه عموديا إلى فترة قصيرة جداً قد لا تتجاوز لحظات مكملا الجملة الأولى.. (قد أصاب بالجنون .. آه لو أصدق نفسي) ثم سرعان ما يشرع بالنزول ثانية في جملة (أنا مغدور مثل تابوت فارغ…) وهكذا إلى جمل لا تعد ولا تحصى نزولاً وصعوداً…
وإذا كان الشكل العمودي يبدأ عند (هي) من نقطة عدم الرد عليه، إلا أنه سرعان ما يخبو ويعود أفقيا، عندما ترفض أن تأكل وتصرخ وتشعر بالغثيان، وينحرف مرة أخرى عموديا بقولها له: (لا تتركني) وهكذا يتناوب شكل هذا البناء أفقيا وعموديا عند (هي ) إلى إن تقول (أجل ما الذي بوسعنا إن نفعله؟) إذ من هذه الجملة يكاد الشكل العمودي عند (هي) إن يستقر، ويأخذ مساره إلى نهاية المسرحية وهكذا:
الأفقي
العمودي
• لا تصرخ، لا تقترب، أبتعد، تبكي، إنا خائفة من كل شئ
• لا ترد، قبل كل شي، حادث اصطدام
• ينبغي أن أموت
• لا ترد، لم أكن خائفة في البداية، توهمت
• أنك تخيفني، لا تتحدث بهذه الطريقة، أنت حاقد، أسكت،
• لا ترد، لا تغضب مني، كيف، أرجوك، لا تتركني..
• أسكت أرجوك. إن يكون الإنسان وحيداً إن الذي أحببته مات، لا تقل ذلك ، أيها اللعين.. أنا حزينة
• أجل .. ولكن ما الذي بوسعنا إن نفعله، ساكتة، إنني أفكر بما تقوله، وهل يعيدنا رفضنا، حسنا كل ما تقوله مفهموم، ماذا نقاوم، كيف؟، أنا لا أرفض إن أكل، لو كان الأمر بيدي، أنا فضلت الحبيب، بل تحدث.. شكراً، من صوتك….

شاهد أيضاً

الشاعر حسين عبد اللطيف في أمير من أور: تأثيث النص الشعري
مقداد مسعود (ملف/29)

(1) حين تكون ..(الكتابة : كدح) (2) ،فهذا يعني اننا نكون في حضرة ،تجربة مرموقة، …

الدكتور زهير ياسين شليبه*: ذكرياتي عن الشاعر الدنمركي الساخر بني اندرسن (ملف/3)

بمناسبة الذكرى الثانية لرحيل الشاعر الدنمركي بني أندرسن 2018-1929** في السادس عشر من شهر آب …

أنا والشبيه (رواية كولادج)
بعض من سيرة الأديب صدام فهد الأسدي (2/1)
د. قصي الشيخ عسكر (ملف/4)

النشيد الأول: لا علاقة للشبيه بالشكل لاضرورة لأن يحمل السمات نفسها والقسمات ذاتها إنه يمكن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *