حين ترحل البيارق…
بقلم مهند طلال الاخرس

هارون هاشم رشيد شاعر فلسطيني كبير ومرموق مواليد مدينة غزة، حارة الزيتون، عام 1927م، سجل بشعره كل المناسبات الوطنية وكل ثورات الشعب الفلسطيني وكانت مسيرته كفاحا وابداعا.

عن تلك المسيرة يقول: لا استطيع أن انسى تلك اللحظات الصعبة والمأساوية التي يهجر فيها شعب بأكمله من دياره إلى الشتات، لقد عشت مأساة اللاجئين.. كنت في غزة وكنت احد المتطوعين للمساعدة في نقل وإيواء اللاجئين وكان اللاجئون يصلون في مراكب تسمى الجرو.

واذكر كيف أن هذه المراكب لم تكن تستطيع الوصول إلى الشاطئ فكان الصيادون يذهبون إلى هذه المراكب في زوارقهم ويحضرون الأسر المهجرة الضائعة إلى الشاطئ الذي يفتقر إلى الميناء، نساء وأطفال وعجزة وشباب وفتيات مشهد جحيمي.. كنت اشعر كم نحن وحيدون.

كنا نحمل هذه الأسر على أكتافنا إلى الشاطئ ومن ثم نرسلها إلى أماكن الإيواء في المدارس والجوامع، وبعد ذلك شاءت الأقدار أن اعمل مع لجنة لشئون اللاجئين بطلب من ابن خالتي الذي كان عضوا فيها، ومنذ تلك اللحظة بدأت عمليا وبصورة يومية أعيش مع اللاجئين كل لحظات مأساتهم.

المعظم يشاهد صور خيام اللاجئين.. إنا رأيتها وعشتها تشربت مأساتها لقد مكثوا فترة من الزمن في الخيام حتى جاءت وكالة الغوث وتم نقل اللاجئين إلى معسكرات النصيرات والبريج والمغازي وهي في الأصل معسكرات للجيش لا تصلح للسكن.. وزاد تفهمي للهم الكبير الذي يسكن اللاجئين، وهذا كله انعكس على توجهي الفكري والسياسي وظهر اثره جليا في اشعاري حتى اني اشتهرت بأني شاعر القرار 194 وشاعت تسميتي بشاعر اللاجئين وبشاعر المخيم.

وبعد تلك الفترة ايضا شهدت التنكيل والمطاردة والاعتقال ونسف البيوت فنظمت قصيدة بعنوان “قصة” رويت فيها مشاهداتي انا وامي وإخوتي الصغار وهي مشاهد توثيقية حية لنسف البيوت في غزة، هذا الحدث كان له وقعه وتأثيره الخاص، حيث اسهم في بلورة الوعي الفكري والسياسي لدي.

صاحبنا هارون هاشم رشيد اسم ذو سمفونية عذبة وايقاع لا يبلى وكلمات تبقى ولا تفنى، هارون هاشم رشيد على انغام إسمه غنت له فيروز سنرجع يوما خبرني العندليب وغنى له آخرون كثر، وهتفت بأشعاره الحناجر وعلا هدير كلماته ساحات الوغى والكثير من التجمعات والمؤتمرات والمظاهرات وتصدرت اشعاره المشهد منذ الخمسينيات وبقي اسمه ووقع اشعاره يتردد في المدى المفتوح منذ ذلك الوقت وحتى الآن.

بلا ضجيج، وبكل هدوء، غادر عالمنا الأديب والشاعر الفلسطيني هارون هاشم رشيد عن 93 عاما. غادرنا شاعر العودة وقد أثرى المكتبة العربية بنحو 22 ديواناً، وعدد كبير من الدراسات الثقافية والأعمال الروائية والمسرحيات الشعرية والمسلسلات الإذاعية. ونحو 90 قصيدة مغناة بأصوات عمالقة الغناء العربي، كقصيدة “أنشودة العودة” محمد فوزي، “فلسطين” كارم محمود، “أحبك يا قدس” محمد قنديل، “قصة” فايدة كامل، و”جراح القدس” طلال مداح. لكن تبقى قصيدتي” سنرجع يوما ” و”جسر العودة” الأكثر انتشارا مع لحن الرحابنة الراسخ في الذاكرة وصوت فيروز الملائكي.

في مخيمات الشتات عرفنا الشاعر الكبير والمرموق هارون هاشم رشيد من خلال عدة صور جميلة ومتألقة اسهمت بشكل كبير في بقاء اسمه حيا في ذاكرتنا حتى اصبح بيرقا مرموقا في مسيرة العودة ، فكانت قصائده كمن يغرس سنابه في ارض بكر لا تطرح خيرها إلا في حقول الثورة، وهذه الصور شكلت في مجملها رافعة ومنصة لتقديم اعماله لدينا…

الصورة الاولى كانت عبر قصيدته الخالدة “سنرجع يوماً” والتي غنتها فيروز بصوتها حيث تمكن هارون هاشم رشيد من السكن في قلوب عُشاق الوطن على امتداد ساحات الشتات والمنافي، هذه الاغنية التي لم نكن نسمعها إلا عبر أثير الاذاعة كانت ذو وقع وتأثير خاص مع صوت فيروز الملائكي والذي يصدح صباحا في زقاق المخيم واسواقه وعبر اثير الاذاعة المدرسية المربوطة مع سماعة البوق الضخمة ذات الصوت السيء والطاردة لكل شيء جميل إلا لكلمات هارون وصوت فيروز، هذه الاغنية والتي ما ان تنطلق في صباحات المخيم حتى يردد الجميع كلماتها بتودد وحب دافيء وحنين لا ينقطع تتلمسه في خطوات السائرين ويفضحه اكثر بريق العيون، تلك الكلمات اصبحت ترنيمة لا تغيب عن صباحات المخيم، حفظناها منذ نعومة اظافرنا، كانت بمثابة نشيدنا الوطني المسموح لنا بترديده غندما غابت خطوات الفدائي ونشيد الفدائي….

كبرنا وكبر معنا صاحب تلك الكلمات الى ان توفي في شتاته البعيد في كندا، لكن وبعد ان نضجت في اذهاننا اكثر كلمات تلك القصيدة عدنا من جديد ونفضنا ذلك الغبار الذي غيب الكثير من ذكرياتنا الجميلة، وفجأة وبدون سابق انذار عدنا نردد ونغني تلك الكلمات الخالدة من ذلك الزمن الجميل:
سنرجع يوماً الى حينا ونغرق في دافئات المنى
سنرجع مهما يمر الزمان وتنأى المسافات ما بيننا
فيا قلب مهلآ و لا ترتمي على درب عودتنا موهنا
يعز علينا غداً أن تعود رفوف الطيور و نحن هنا
تلال هناك عند التلال تنام و تصحو على عهدنا
و ناس هم الحب أيامهم هدوء انتظار شجي الغنا
ربوع مدى العين صفصافها فانحنى على كل ماء وهي
ظلها تعب الظهيرات في عبير الهدوء و صفو الهنا
سنرجع خبرني العندليب غداة التقينا على منحنى
بأن البلابل لما تزل هناك تعيش بأشعارنا
الحنين وما زال بين تلال لنا وناس الحنين مكان
فيا قلب كم شردتنا رياح تعال سنرجع هيا بنا

رحل الشاعر هارون هاشم رشيد ابن مدينة غزة في الغربة. في كندا غريبا بعيدا عن وطنه وأهله. بعيدا عن فلسطين. لكنه مؤمنا أشد الإيمان أننا سنرجع يوما إلى حينا.

الصورة الثانية تلك الصورة التي ظلت منقوشة في ذاكرة الشاعر، صورة تلك المرأة التي رمت نفسها في البحر الهائج، في محاولة يائسة لإنقاذ ابنها من أمواجه العاتية، ومنذ ذلك الوقت وهو يكتب شعراً مسكوناً بهموم الوطن ونكباته، وملامح الصمود وأساطير المقاومة، فأبدع شعراً مقاوماً وطنياً تغنت به الأجيال الفلسطينية، ولا تزال.

الصور الثالثة تلك الصورة التي ظلت عالقة بأذهاننا عن الراحل الكبير اسماء قصائده التي تجسد سيرة ونضال الشعب الفلسطيني، فأسماء قصائده وعناوينها كانت تتسيد جداران المخيم وزقاقه، ليس هذا وحسب بل كانت اشعاره تتصدر البيانات التنظيمية والسياسية والدعوات الجماهيرية والاحتفالات والمهرجانات، اذ لم تكن تخلو فعالية وطنية من الاستشهاد بابيات من شعره هذا ان لم يكن استحضار قصائده كاملة وإلقائها على الحضور كجزء اساسي من فعالياتنا الوطنية حتى اصبح وجوده تعويذه لا بد منها ولا يستقيم المقام إلا به، كيف لا وقصائدة كانت تتصدر المشهد بعناوين تعبر وتؤرخ عما نحن فيه مثل : مع الغرباء، مهاجرون، احزان لاجئة، هناك بلادي، موعد للثأر، العيد يوم الثأر، معلمة لاجئة، لاجىء في العيد، كيف تعود، سنعود، اخي في القتال، كتائب التحرير، نشيد فلسطين، زهرة لاجئة، يا اخي النازح، لاجىء، سنرجع مرة اخرى، اننا عائدون، رسالة الى ام كل شهيد، يا فلسطين، غابة القسطل، صوت العرب، صوت لاجىء، علمي، نداء ثائر، اوبريت العائدين، مصطفى انت هنا، قبل المعركة، قصة العدوان، ارض الثورات، بلا هوية، مشرد بلا وطن، صرخة، مكتبتي، صرخة من الارض المحتلة، الضفتان لنا، مفتاح باب البيت، قصائد فلسطينية، بالرصاص، مزامير الارض والدم، رحلة العاصفة، الرجوع ودلال المغربي..

هذه عناوين لابرز قصائده تنم عما هي عليه هذه القصائد وسبب التعلق بها، فهي تذهب بنا اكثر نحو فلسطين وتحببنا اكثر بها وبأعلامها وبشاعرها الكبير هارون هاشم رشيد بيرقها الباقي في سمائنا.

الصورة الرابعة من الصورة الباقية فينا عن سيرة الراحل الكبير تلك الصورة الخالدة اثناء تكريمه عام 1990 من قبل الرئيس الخالد ياسر عرفات؛ ففي ذلك اللقاء وما ان تقلد شاعرنا الكبير وسام القدس من ابو عمار حتى بادر الرئيس ياسر عرفات الى إلقاء عدة ابيات من قصيدة “المواجهة الثانية” والتي تقول:
“من الكهف والخيمة البالية سأجمع للثأر اشلائيه
سأجمع اهلي واصحابية واصرخ من عمق اعماقيه
وارسلها صرخة داوية وادعوا الى الجولة الثانيه”

تلك الصورة وذلك المشهد على مسرح الجمهورية في مصر الكنانة وامام ثلة من كبار الادباء والشعراء وامام الجميع كان ابو عمار يتجلى وهو يلقي ابيات من قصيدة الجولة الثانية، كان ابو عمار مع ترديده لتلك الابيات يمسك بأيدي صاحبنا ويشد عليها وكأنه يستحضر تاريخ تلك القصيدة وحكايتها ومعها تاريخ تلك العلاقة وامتدادها عبر اكثر من خمس واربعون عاما من النضال، فكان ان تقاطرت الدموع من صاحبنا ومن كل محبيه، ولهذه القصيدة في هذا الموقف قصة تستحق ان تروى مفادها ان هذه القصيدة وصلت لابي عمار عن طريق ابي اياد حينما كان رئيسا لرابطة الطلبة الفلسطينيين في القاهرة في الخمسينيات لينشرها في مجلة الرابطة دون سابق معرفة بينهما، لكن الرابط الوثيق كان ابو اياد وعظمة ابيات تلك القصيدة، فبقيت تلك الابيات عالقة في ذهن ابي عمار حتى عاد والقاها بنفسه على مسامع الحاضرين في تلك الامسية بعد اكثر من خمس واربعون عاما.

الصورة الخامسة وهي الصورة الاكثر جمالا وتأثيرا وبقاء تلك العلاقة التي جمعته بزميله صلاح خلف ابو اياد وتلك الحكايا التي خاضاها معا والتي كانت احداها كيفية تعاقد ابو اياد مع الكويت وذهابه للعمل بها، لكن الاجمل كانت تلك العلاقة الادبية والوطنية بينهما والتي يشير اليها شاعرنا الكبير عندما يخبرنا بأن قصائده كان اول من يطلع عليها ويبدي رأيه فيها صلاح خلف ابو اياد، ليس هذا وحسب، بل ان صلاح خلف ابو اياد كان له الدور والاسهام الرئيسي في نشر اول ديوان لصاحبنا ديوان “مع الغرباء”، لكن الاهم والاجمل كانت تلك المقدمة التي كتبها ابو اياد وزين بها افتتاحية ديوان مزامير الارض والدم 1970 لشاعرنا الكبير هارون هاشم رشيد، هذه المقدمة والتي تقع على سبع صفحات اظهرت كثيرا لصاحبنا ما يستحق من الوفاء والتقدير، ومما جاء فيها:
“يخطيء من يظن ان الثورة مجرد رصاصات تُطلق او انفجارات تهز قوى العدو، او شعارات جامدة محنطة لأننا بهذا الفهم نمسح كل القيم الثورية، ونجعل من الثورة مجرد عمل ارهابي لا هدف من ورائه إلا القتل والثأر والدمار. وحاشا لثورة شعبنا ان تكون على هذه الصورة المظلمة. فالوجه الحقيقي للثورة يتمثل بما تفجره من طاقات مادية ومعنوية للشعب ومقياس عظمة اي ثورة بقدر ما تستطيع تنمية عملية الخلق والابداع عند الجماهير وبقدر ما تكشف تن جوهر الانسان الاصيل ودوره في بناء المجتمع وخدمة الشعب والقضية.. وثورتنا تاريخيا وواقعيا سبقت فيها الكلمة الرصاصة ومهدت لها التنقل من احلام تداعب الخيال الى واقع تلمسه الجماهير وتمارس من خلاله اغلى امنياتها في الموت على ثرى الوطن الضائع السليب…وكما كشفت الرصاصة عن شجاعة شعبنا ورجولته وتطلعه الى الامور الكبار، كشفت الكلمة عن حساسية هذا الشعب وتجاوبه مع متطلبات النضال الثوري رغم ادق الظروف ورغم وعورة الطريق.

وهكذا اكتسبت ثورتنا صورة الثورة الاصيلة باكتمال جانبي الحقيقة فيها..الرصاصة..والكلمة، وان كان البلاغ العسكري قد اغنى فينا عنصر البطولة والفداء ..فان الكلمات الطيبة حفزت فينا مشاعر النضال والوفاء للارض والانسان.. من هذا الواقع كان لابد لنا ان نسجل لشعرائنا كل شعرائنا هذا الموقف، ونعترف لهم بدور الحادي الذي قاد قافلة الثورة في صحراء التشرد والتيه والضياع رغم كل العواصف والغيوم والليالي الحالكات عبر فترة حرجة من تاريخ شعبنا الطويل… فقد ايقظت مزاميرهم فينا انبل الاحاسيس وارقها نحو ارضنا وبرتقالنا وشواطئنا، واضاءت لنا شموع كلماتهم سرى الليل البهيم… وتسللت اهازيجهم الى حنايا صدورنا تطالبنا بالتمرد والثورة وسل السيوف من اغمادها…

لذلك كله لم اتردد لحظة واحدة عندما قدم لي صديقي واخي الشاعر الكبير هارون هاشم رشيد ملحمته الثورية لأكتب لها مقدمة يكون فيها فهم الثورة الحقيقي لشرف الكلمة ومهمتها في هذا الظرف وفي كل الظروف…!”

والصورة السادسة في هذا المضمار، تلك القصة لشاعرنا الكبير مع الرئيس محمود عباس ابو مازن؛ وتلك المفاجأة التي تحصل عليها شاعرنا عندما اضناه البحث عن تسجيلات لامسياته الشعرية في مناسبات واحتفالات معينه، فكان ان فاجأه الرئيس بزيارته في منزله وتقديمها هدية له بإسم اللجوء والوجع الذي يجب ان ينتهي وبإسم فلسطين القضية والشعب الذي لا يموت.

الصورة السابعة تلك الصورة المتدلية في حبل ذكرياتي كما يتدلى مفتاح بيتنا في دير الذبان من على صدر جدتي هيجر وعلى جنبات سيدي عمر، تلك الصورة التي لا تغيب وان مات كل اصحابها..
تلك الصورة تعود لايام دراستي في مدرسة ذكور الاعداية الثالثة في مخيم البقعة، تلك الصورة التي كان ابطالها مدرسا اللغة العربية الاستاذ يوسف الدقس والاستاذ عبدالفتاح العقدة، وكلاهما كانا يتفننان ويتغنيان بقصيدة صاحبنا “سنعود”، كان استاذانا الفاضلان لا ينفكان يرددان ابيات منتقاة متلائمة مع الحدث من قصيدة سنعود لهارون هاشم رشيد، ولكثر فرط استشهادهم بابياتها في كل شارة وواردة ظننت القصيدة كألفية ابن مالك وكالياذة الجزائر لمفدي زكريا ، حتى ان غدوت بنسب كل بيت شعري لا اعرف صاحبه ويتحدث عن النكبة واللجوء والتشريد والمخيم الى هارون هاشم رشيد، وحين كبرت اكثر وسمحت لي ظروفي بشراء الاعمال الشعرية الكاملة لصاحبنا والصادرة عن دار العودة في بيروت تفاجأت ان عدد ابيات القصيدة سبع وعشرون بيتا ليس إلا، لكن تلك القصيدة على قلة عدد ابياتها إلا انها كانت قاسية بما يكفي لتحتمل وجع الالاف من السنين، حالها من حال اصحابها ومن درب الامهم الذي لا ينتهي حتى وان انتهت القصيدة.

كان استاذانا الفاضلان يدفعوننا للامام، لم يكن يملكون كثيرا من زمام الامور، لكنهم كانوا يشعرون بأنهم مؤتمنين على كل حرف في تلك القصيدة، كانوا يتوجعون مع كلماتها، ويخفضون الرأس بخشوع واجلال ويغمضون العين كأنهم يسترجعون كل الذكريات،
كانوا كأنهم يدروشون فيأخذون الرأس ذات اليمين وذات الشمال وفجأة تفوح من افواهم اعطر الكلمات فينشدون من اعماقهم:
” سنعود يا اختاه للوطن رغم الشقاء وقسوة الزمن
رغم الليالي العابثات بنا والجوع والتشريد والمحن
سنعود ياليلاي فانتظري في الخيمة السوداء في الحفر
سنعود ياليلاي مع الفجر والزهر والحسون والقمر
سنعود بالآمال باسمة في موكب التحرير والنصر”

الصورة الثامنة تلك الصورة القادمة من بعيد والتي تعرف اصحابها دون غيرهم وتنده عليهم قائلةً: من يناديني من وراء الجبل من يناديني بصوت البطل، كانت تلك مقطوعة لا تغادر السنتنا في سن الطفولة والمراهقة، كانت تلك الكلمات تشكل اقوى الردود في سجالاتنا وحواراتنا، كانت تلك الكلمات تعبر بالنسبة لمن يتلفظ بها او يرد بها، انه الكبير صاحب التاريخ مهاب الشأن المعروف والمشهور وغيره دون ذلك، حين كبرنا فقط علمنا ان هذه الكلمات جزء من مقطوعة شعرية مسرحية وهي مقطع من ملحمة توالى تمثيل أدوارها على مسرح مدارستنا المتواضع اجيال واجيال حتى وصلتنا بحلتها العطرة وسيرتها النضرة، لكن هي الايام تأتيك بما تريد لا بما تشتهي انت، حدث ان اختفت تلك المسرحية وغابت تلك المشاهد لكن ورغم انف الطغاة بقيت الكلمات وسارت وارتفعت حتى غدت بيرقا يرف ويخفق بكل الق.

تبقى الكلمات النقية عالقة في الذهن تحميها سيرة الشعوب وصيرورتها، وتبقى الكلمات عصية على النسيان حتى وان غاب صاحبها، وما نجده في هذا المقطوعة وفي هذا الحوار بالذات هو احد صور البقاء للكلمة المناضلة ولصاحبها الذي غدا بيرقا في سماء فلسطين.

“العائد: فلسطين يا امي الغالية
فلسطين يا مهد ابائيه

فلسطين يا بكر اماليه
فلسطين جئناك يا غالية

فلسطين: من يناديني وراء الجبل
من يناديني بصوت البطل

من تراه…اتراه املي؟؟؟
العائد: انا يا ام فتاك قد اتيت

وتفحمت حدودي ومشيت
ومن الغفوة يا ام صحوت
وبانغامك للكون شدوت

فلسطين: اين إخوانك ابطال الجهاد
اين هم مني؟ لقد طال البعاد

العائد: كلهم جاءوك من هذه البلاد
كلهم عادوا باعلام الرشاد
زحفوا بالنصر من واد لواد

فلسطين: اترى عااااادوا؟

هم: اجل عدنا اليك.
نحن يا ام هنا بين يديك
نحن عدنا يا فلسطين رجعنا
ومن الخيمة والكهف زحفنا
وعلى صخر الاسى المضني مشينا
واتيناك لنلقاك اتينا”

في الصورة التاسعة لن يغيب عن اذهان جيلنا كثرة ورود قصائد صاحبنا في مناهجنا الدراسية وقدرتها على التأثير بنا، فقد تمكنت منا تلك القصائد بأسمائها وعناوينها ومضمونها كما تمكن منا اسم الشاعر باقتدار، فاسمه(هارون هاشم رشيد) اسم ذي وقع خاص ومرتبط بعمقنا وارثنا التاريخي والحضاري، واكتمل ذلك المشهد عندما علمنا انه ايضا ابا للامين والمأمون؟!

وصاحبنا علاوة على كونه قامة شعرية كبيرة، فهو مناضل وسياسي وإعلامي ودبلوماسي، فقد شغل منصب مندوب فلسطين المناوب في جامعة الدول العربية، فبعد سقوط غزة في أيدي الإسرائيليين عام 1967 ضايقته قوات الاحتلال الإسرائيلية وأجبرته في النهاية على الرحيل من قطاع غزة. فانتقل إلى القاهرة وعين رئيسا لمكتب منظمة التحرير فيها، ثم عمل لمدة ثلاثين عاما كمندوب دائم لفلسطين في اللجنة الدائمة للإعلام العربي واللجنة الدائمة للشؤون المالية والإدارية بالجامعة العربية. إضافة إلى ذلك واصل عمله الإبداعي في الكتابة والصحافة والتأليف والشعر.

وشاعرنا بعيد عن التكلف والتصنع، فشعره بسيط ومباشر وموزون وجله مبني على شكل الشطرين الموروث يعبّر فيه عن مأساة الفلسطينيين الذين اقتلعوا من أرضهم وبيوتهم، كما يصف عذاباتهم ومشاعر الفقدان والاغتراب العميقة التي عايشوها عبر سنين طوال.

أطلق عليه تسميات مختلفة مستوحاة من مراحل عذابات شعبه فهو: شاعر النكبة، شاعر العودة، شاعر الثورة وهي تسمية اطلقها عليه الشهيد خليل الوزير عام 1967 بعد قصيدة «الأرض والدم» وأطلق عليه الشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة لقب (شاعر القرار 194). أصدر اثنين وعشرين ديواناً شعرياً منها (الغرباء عام 1954, وعودة الغرباء 1956,غزة في خط النار، حتى يعود شعبنا 1965 , سفينة الغضب 1968ورحله العاصفة 1969 ,فدائيون 1970 مفكرة عاشق 1980 يوميات الصمود والحزن 1983, ثورة الحجارة 1991 , طيور الجنة 1998) وغيرها..

كتب أيضا أربع مسرحيات شعرية، مُثِل منها علي المسرح في القاهرة مسرحية “السؤال” من بطولة كرم مطاوع وسهير المرشدي. وبعد حرب العبور 1973 كتب مسرحية “سقوط بارليف” وقٌدمت علي المسرح القومي بالقاهرة عام 1974، ومسرحية “عصافير الشوك”، إضافة إلي العديد من المسلسلات والسباعيات التي كتبها لإذاعة “صوت العرب” المصرية وعدد من الإذاعات العربية.

هذا بالاضافة الى اعماله الروائية “دوامة الاعاصير” و “مولد عائد” و “سنوات العذاب”، وكتابه الاخير “إبحار بلا شطئان: فصول من سيرة ذاتية”.

الدراسات
قدم العديد من الدراسات منها:

الشعر المقاتل في الأرض المحتلة (المكتبة العصرية، صيدا، 1970م).

مدينة وشاعر : حيفا والبحيري (مطابع دار الحياة، دمشق، 1975م).

الكلمة المقاتلة في فلسطين (الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1973م).

الجوائز
نال عدة جوائز تقديرية منها:

وسام القدس عام 1990 من الرئيس ياسر عرفات.
الجائزة الاولى للمسرح الشعري من الألكسو 1977.
الجائزة الاولى للقصيدة العربية من إذاعة لندن 1988.
جائزة شخصية العام الثقافية من وزارة الثقافة الفلسطينية 2014.
وسام الثقافة والفنون نوط الابداع من الرئيس محمود عباس ابو مازن.
جائزة صنعاء عاصمة الثقافة العربية.
جائزة الشيخ عبدالله باشراحيل للثقافة
جائزة الشيخ احمد زكي يماني للادب والثقافة
جائزة البابطين للشعر العربي
جائزة العويس للشعر
وسام السلطان قابوس للادب
جائزة الشارقة للشعر العربي

من أعماله

مع الغرباء – الديوان الأول (القاهرة 1954م). وقد اختار منها الاخوين رحباني عندما زارا القاهرة بدعوة من إذاعة صوت العرب عام 1955 قصيدة جميلة هي حوارية بين فتاة فلسطينية من اللاجئين واسمها ليلى وبين والدها بالإضافة لقصيدة سنرجع يوما وجسر العودة فغنتهما فيروز وتم تسجيلها بالقاهرة ضمن باقة من 48 عملا تم إنتاجها في تلك الرحلة.

عودة الغرباء (بيروت، 1956م).

غزة في خط النار (بيروت، 1957م).

أرض الثورات ملحمة شعرية (بيروت، 1958م).

حتى يعود شعبنا (بيروت، 1965م).

سفينة الغضب (الكويت، 1968م).

رسالتان (القاهرة، 1969م).

رحلة العاصفة (القاهرة، 1969م).

فدائيون (عمّان، 1970م).

مزامير الأرض والدم (بيروت، 1970م).

السؤال – مسرحية شعرية (القاهرة، 1971م).

الرجوع (بيروت، 1977م).

مفكرة عاشق (تونس، 1980م).

المجموعة الشعرية الكاملة (بيروت، 1981م).

يوميات الصمود والحزن (تونس، 1983م).

النقش في الظلام (عمان، 1984م).

المزّة – غزة (1988م).

عصافير الشوك / مسرحية شعرية (القاهرة، 1990م).

ثورة الحجارة (تونس، 1991م).

طيور الجنة (عمان، 1998م).

وردة على جبين القدس (القاهرة، 1998م).

حين ترحل البيارق فهي لا تغيب، فالبيارق عصية على النسيان، تذهب بأجسادها وتحيا باطيافها، تبقى ترقب احلامنا من بعيد وتحرس الكلمات وتعيد تفكيكها وتركيبها من جديد ثم ترسلها لنا على شكل طيور ابابيل، فهي اصبحت مدركة اكثر من غيرها بأن الدرب صعب وشاق وطويل، ومعاركه قاسية وطاحنة ولم نعد نحسن الانتظار، فنحن شعب قد ينكسر لكنه حتما لا ينهزم، وهذا ما تعرفه السماء حق المعرفة، لذلك وجب على بعضنا ان يرحلوا ويزينوا السماء بمزيد من النجوم والاحلام، فكثير من الاحلام هناك بحاجة لمن يحرسها؛ ابو الامين ايها الحارس الامين، كن يقظاً في السماء كما كنت اميناً في الارض فهناك من يسرق احلامنا…

* بقلم مهند طلال الاخرس

شاهد أيضاً

نــجــيب طــلال: مهرجان مَــسرح الهــواة : تأجيل أم إلــغاء ؟؟

الــــــــــــواو: إنه فاتحة ((وباء)) أو بالتأكيد تلك جائحة كورونية ؛ لاتهم التسمية ؛ مادام المرء …

شوقي كريم حسن: نزار الفدعم…. سردية اللقطة السينمائية.

*السينما، كما اعرفها ، مثول جمالي بين يدي الخرافة، ومحاولة توثيق سريات الوجود السردية، التي …

دور أدباء المنفى في صناعة مسوغات مجتمعاتهم الأصلية
رواية (رياح القدر) لمولود بن زادي أنموذجاً
أبو يونس معروفي عمر الطيب

لا يمكن تصنيف المثقفين بصفة عامة بما في ذلك المنفيين كطبقة واحدة أو وفقا لأسباب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *