رحاب عوض: رؤيا نقدية في شعر يحيى السماوي (ملف/128)

إشارة :
يوما بعد آخر، تتراكم المقالات والدراسات والكتب والأطاريح الجامعية عن المنجز الشعري الفذّ للشاعر العراقي الكبير “يحيى السماوي”. وقد ارتأت أسرة موقع الناقد العراقي أن تعمل على تقديم ملف ضخم عن منجز هذا المبدع الذي حمل قضيته؛ وطنه؛ العراق الجريح، في قلبه وعلى أجنحة شعره الملتهبة لأكثر من خمسين عاماً كانت محمّلة بالمرارات والخسارات الجسيمة التي اختار علاجا لها الكيّ الشعري الفريد والمُحبّب عبر أكثر من 20 مجموعة شعرية. تدعو أسرة الموقع الأحبة النقّاد والقراء إلى المساهمة في هذا الملف وإثرائه بما لديهم من مقالات ودراسات وكتب وصور ووثائق. تحية للمبدع الكبير يحيى السماوي.
أسرة موقع الناقد العراقي

ماذا لو عصفت أعاصير الوطن بجناحي عاشقه وحاولت الذئاب والخفافيش النيل من جذوته المتمردة على الظلام .. ثم بعد مسيرة شائكة بالأرزاء والمحن والآلام ، ماذا لو حكمت عليه السنون والأيام بالنفي إلى ما وراء قصيدة.. ماذا لو أمسى هذا النص وطناً خدراً بجرحه ثم استفاق على صوت الحنين وصليل الوجع !

كم سيكون حجم نزف الوريد من القصائد ، قلم ضاقت الأرض بسعة وبُعدِ رؤياه .. وكم سيحتاج من الشطور ليرتق ذلك الجرح الغائر في طيات الروح وعمق الذات ؟

هناا قصيدة سادية .. أبت إلآ أن تأتلق بذرف حبرِ مقلة صاحبها، قصيدة جرعت من بحور الألم والحنظل ولم ترتوِ، ثم يأتي قارئ عابر يرشف من خوابيها فإذا به يقول : أغرفُ من سكبها شهداً.!

إذا أردت أن تدخل محراب كتابات الكبير يحيى السَّماوي عليك أن تصعد أعلى قمة في الهرم كي تبلغ أدنى نقطة في عمق البئر .. ربما عليك أن تبصر في قاعه تلك القطرة التي تشهد على أنه على امتداد مسيرته الأدبية لا يزال مزناً هاطلاً بالخصب، بحب الحياة والإبداع … ربما عليك أن تنزع من رأسك الكثير مما قرأته من شعر ونثر لكثير من الشعراء وتتلمس بأنامل طرفك جذوة الإبداع المتقد في مكنوناته وتطلق العنان لذائقتك لترتشف ما يتسنى لها تذوقه من سلاف البلاغة وطيوب الجمال، مما يخامر رأسك ويوقفك وقفة وعيٍ للتأملِ والتمعن بما يأتيك به المدّ في شواطئ القريحة. رأيت ذلك التوهج من قنديل نصوصه العابرة كان يشعُّ ولا يُرى ، الأمرُ الذي حفز فضول القراءة والاستكناه إلى استبيان الزيت المحترق في أسفله ، لم يتسنَ لي بعد الغوص في كتاباته كلها، فالبحر واااسع عميق ورحلة الإبحار فيه طويلة ، وقفت على شواطئها وألممت ببعضها وأدركت أنها كانت سماوية المنبع وأنه ظل لنجم كبير ضاقت السماء بخيالاته فزرعت بعضه في الأرض و بقي بعضه الآخر يطوف تائهاً باحثاً عنها في سماء الاغتراب.

حين تقرأ للسماوي تأخذك النصوص في متاهات الدهشة إلى حيث لا تميز للوهلة الأولى أي نافذة سكبت في نفسك هذا الوقع للانبهار لتعاود القراءة فتفرع في عينيك جماليات الأسلوب و تمطرك بغزارة روافد البلاغة التي تتوزع بين التصوير والمجاز والرمز والاستعارات والكنايات وضروب البديع الموظفة توظيفاً خارجاً عن المألوف المتمثل بقيمة التحسين أو إثارة خيال القارئ في صورة، وإنما تجاوزت ذلك بما انطوت عليه من بليغ الدلالة إلى عصف ذهنه برصانة وعمق الفكرة المأخوذة من عبقرية الالتقاطة والنظم والسبك وحدَّة التركيز وانتقائه للمفردة الخلاقة حين تتوالد منها الدلالات في التركيب وتخلق عالماً شعرياً يضج بطاقاته فيكسر نمطية اللغة من خلال استحداث لغة شعرية جديدة تتمرد على القوالب. خاض غمار الشعر العمودي فأثبت أن أهليه لم يرحلوا عن ديار القصيدة العمودية و أنه لا يزال للجواهري امتداد معاصر يسير في ركب إحيائها، بما تجلى عليه من متانة الصوغ وفخامة السبك واللفظ ورقرقة القوافي وزهو الروي، دونما تكلف أو صنعة ، حين يستدعي المعنى القافية واللفظة لا العكس، ولا سيما وأنه يتأبط معجماً لغوياً ثرَّاً زاخراً وتمكناً من قواعد اللغة العربية يمكنه من تطويع المعاني وبناء النص “منظومة مفردات” بأسلوب “هو بصمته” بناءً يكسبه خصوصيته يقول:

أبدلتُ بالظلِّ الهجيرَ.. لأنني ……… قد كنتُ في داري غريبَ الدارِ

تعبتْ من الصمت المُذِلِّ ربابتي … وتيبَّستْ ــ كأضالعي ــ أوتاري

فيمَ اعتذارُك بعدَ هدرِ مشاعري؟ … ما نفعُ أشرعتي بدون صواري؟

النارُ جائعةٌ فهل أطعمتِها ………….. شجني الذي أودعتُهُ أشعاري؟

لستُ الأسيفَ وإن فجعتُ بمطمحي …….. أنا مؤمنٌ بمناجل الأقدارِ

أنا ضائعٌ ــ مثلَ العراق ــ ففتشي … عني بروضكِ لا بليل صحاري

أنساكِ؟ لا واللهِ .. تلك مصيبتي …إن الوفاء ــ وإن خذلتُ ــ مداري

وطنٌ على سعة السماء رغيفه …………. لكنه حكرٌ على الأشرارِ

الحزن أوفى الأصدقاءــ فلم يغبْ …. عني فكان ملاصقي وإزاري

أنا لستُ أولَ حالمٍ نكثتْ به …………….أحلامُه فأفاقَ بعد عثارِ

لكنَّهُ حكمُ الهوى ــ أرضى به ………قسراً عليَّ ــ فلستُ بالمختارِ

حظي كدجلةَ والفرات نداهُما …… دمعٌ ــ ولحنُهما صراخُ: حَذارِ

يلملم النص من الذاكرة حيثيات رحلة الشاعر إلى الغربة والفراق والهجر و ما آل إليه من الاغتراب كشعور ومنحى نفسي إنساني داخلي ناجم عنها، في أفعال ماضوية تسرد الحدث، في حضور للذاتية عبر ضمير المتكلم بصورتيه المنفصل والمتصل. في تقديم شبه الجملة في مطلع النص إلحاحُ بيانٍ على أهمية المتقدم يؤكد على أنه استبدل الوطن الغربة، مرغماً لا بإرادته، في مقابلة “سبب ونتيجة” من أن الديار باتت غريبة، مع تكرار “الدار” المفضي إلى نغم داخلي وتكرار الدال الجهور الانفجاري الجاهر بداخله المصرِّح بما يجيش فيه مما نجم عن تمزق الروح، بين وطن رمز له بالظل كتعبير عن التقلقل والتأزم الوجودي وبين البلاد الغريبة، فالتمس من الشجر لفظة “الظل” كحالة مؤقتة لا ثاتبة تعبر عن تجربته، ولو اختار “الشجر” لحملت اللفظة النقيض، من حيث أنها بفعل جذورها تشير إلى الثبات، معتمداً الإخبار الإنكاري المعزز بمؤكدين “لأنني، قد ” ثم إن ضلوعه وعروقه شحبت وتيبست وهو يرقب واقعاً مزرياً بتفاصيله بصمت وعجزٍ، فاقداً نبض إيقاع الأمل بالحياة، ثم ينتقل إلى الإنشاء في استفهام خرج إلى معنى اللوم والعذل لهدر مشاعره الإنسانية الصادقة، مجسداً المعنوي بالمحسوس فما نفع سفينة نسفت صواريها، ليأتينا بالمبتكر المكثِّف والمعظِّم لعمق الألم من مجاز الصورة، ويدعو على سبيل الاستعارة المكنية إلى أنْ تلتهم النار حزنه المودع في أشعاره، شعور الحزن حارق فكيف للنار أن تلتهم النار .. ليستسلم إلى ضربات القدر نافياً حزنه أو ندمه ” لست أسيفاً ” كقفزة فجائية من نيران مشتعلة في البيت السابق إلى التسكين المكفكف للوجع، في محاولة دفع الأذى واستعادة القدرة على المواصلة انطلاقاً من إيمانه بحكم القدر، فيثبت ذاته ” أنا ضائع” في تنكير يشير إلى انهيار البنيان النفسي، معترضاً بتشبيهِ نفسه بالعراق في اندغام وجودي، علماً بأن كاف التشبيه تحقق هذا الاندغام والتقارب بين طرفي التشبيه والتلاقي من حيث أنها توحي بوجوه شبه كثيرة فتتجاوز ما تفعله “مثل” التي تشير إلى وجوه شبه أقل، ومن جهة الصوت أيضاً نجد أن الكاف انفجاري شديد يعبر عن معاني الجهاد والضعف والخضوع والمقابل تفيد اللام في معاني الوصل، ” كلعراق” ومع هذا الاتصال الصوتي يتحقق التماس حد التماهي بين الشاعر والعراق، إلا أنه لربما وجد في اللفظة ما حقق موسيقياه العروضية و الشعورية، فكل حرف مرتبط بشيء من الذات والنفس الإنسانية، فيدعوالأرض للبحث عنه في أحد طرفي مفارقة تضادية، ليبني سؤالاً مجدداً أراد منه النفي والتعجب، إذ سأل فأجاب مؤكداً كلامه بالقسم. تنكير” وطن” أفاد التعظيم والتقديس وإعلاء الشأن، وتأخير المبتدأ “رغيفه” أفاد التشويق ودهشة القارئ في متأخِّر لم ينتظره، قد ينتظر ” امتداده”، ثم يُسبغ صفة الحزن صفة الوفاء في الإنسان الذي لم يتخلَّ عنه يوماً. خاب حلمه ورضي بالمقسوم وراح يلملم شتاته ويباس روحه و انطفائها ليركن إلى جوار دجلة والفرات المنكوبين فيعزي نفسه بهما ويُسمعنا نشيجه عبرهما في اندغام وتماهٍ روحي يحمل ثقل المعنى، يجعل الماءَ دمعاً وصوته صراخاتٍ مدوية بالحذر والاحتساب، فصرخة المظلوم قهرٌ يبلغ السماء ويعِد بالقصاص والانتقام. الانزياح الضمائري بين المتكلم والغائب والمخاطب في البيت الأخير “حظي، نداهما، حذارِ” بنى تشكيلاً شعورياً جديداً منح الانفعال رقعة كسرت الرتابة وأشبعت بالمعنى . حتى أنه ختم البيت باسم فعل الأمر حذارِ محذوفَ اسمٍ منصوب كان يفرض أن يليه ” المُحذَّر منه” ففتح أمام اللفظة مجالاً أرحب للمحذوف ومساحة بيضاء يملأ القارئ صموتاتها. ” وفي الوقت ذاته استحدث صياغة نحوية من حيث أنه أرفق الخبر”الاسم المضاف ” باسم فعل الأمر” حَذارِ” ولم يرفقه بالاسم المصدر “حِذارِ” التزاماً القاعدة النحوية. من حيث أن المضاف إليه يتبع المضاف.. مثلاً ” حذارِ انتقامي” أي أحل اسم الفعل محل الاسم لكون الفعل يحمل الشحنة الانفعالية الأكبر في التحذير .. هذا وإن التنويع في القافية والروي بين راء مكسورة ذات رطوبة ورنيم في المسمع وبين راء متبوعة بياء تحمل الصوت ذاته حقق انسجاماً مستعذباً مع تساوي المتحركات والسواكن إلى حد ما مما أحدث وحدة النغم في النص.

و تبقى القصيدة العمودية التحدي الأكبر للشاعر لما تفرضه من قيود من حيث أوزانها وقوافيها، ومهما أوتي من براعة النظم فإنها ستوقف سريان استلهامه في بعض أبياته كحاجز جمركي لبرهة عند معبر التقفية إلى الروي وصولاً إلى البيت التالي مهما جهد في إطلاق طاقاته، الأمر الذي يقع على الخلاف في قصيدة النثر التي كان الشاعر متمدداً فيها بملء ذاته ، بملء طاقاته وأحاسيسه تمدُّدَ الماءِ في البحر حيث يشف موج المجاز من المعاني ما يريد أن يقول ويلفُّ ما لا يريد فيه المباشرة، فألفاظه فيها مأنوسة إلا أنه يكتنفها أحياناً غموض الفكرة لعمقها وأصالتها حتى أن المجاز كان مؤتمناً أحياناً من قبل صاحبه على ترك فكرته سارحة في مساحاته النفسية تنثر خيوط إيحاءاتها هنا وهناك فتبقى زئبقية في قبضة نظرة التأويل. وهنا تكمن بدعة الشعرية حين تبث لفظته في السياق إيحاءات مختلفة يتوارى مراده بينها وهذا شأن أي شاعر يحتاج لأن يكتب دون أن يفصح أو يومئ فتبقى الفكرة حبيسة طليقة في القصيدة ..

تضمنت نصوصه الفكرة النضالية الثائرة على الظلم التي تتسم بها قصيدة النثر وحققت وحدة عضوية متكاملة وجمالية في خروجها عن الأوزان المتداولة و تفعيل أقصى الطاقات الشعرية مع بقاء الزمن حاضراً فيها فهي لم تكن اعتباطية تعتمد اللازمنية وإنما يثبت الزمن حضوره فيها، والدلالات فيها تتمرد على أقفال الرمز والمجاز وتفتح أبوابها على نحو مغاير لشعراء السوريالية مما يغلق على المعنى و يقود الغموض فيه إلى الإبهام.

عناوين قصائده تخرج عن نطاق كونها عتبة دخول تمهد لولوج النص، فهي أشبه ما تكون بومضات شعرية تصويرية قصصية بما تقوم عليه من المفارقة والتكثيف و الحذف والإيجاز والعمق الدلالي والدوال المضمرة ودهشة الفكرة نذكر على سبيل المثال : عيناي نائمتان والنوافذ ساهرة، جرح باتساع الوطن ، البكاء على كتف الوطن، شاهدة قبر من رخام الكلمات، هذه خيمتي .. فأين الوطن. ، كذبت صدقي كي أصدق كذبها ، أطفئيني بنارك، أطبقت أجفاني عليك، نقوش على جذع نخلة، قليلك لا كثيرهن، لماذا تأخرت دهراً ؟ ، تعالي لأبحث فيك عني ، عيناك لي وطن ومنفى ، رغيف من الشبق على مائدة من العفاف ،…..

هنااااقصة عشق أبدية سرمدية لا تنتهي ولدت وقبل أن يفتح عينيه على الحياة “بين شاعر و أرض” اسمها السماوة التي يُطلِق عليها الشاعر ( السماء التاسعة) في دواوينه التي سخرها لتوثيق جراحات وطن منكوب كتبها بحبر الوجع والشوق وهو ينظر إليه من نوافذ الحنين ويطلق أصواته ومواقفه وأفكاره من حنجرة الشعر، تلك المواقف التي شارفت على إبلاغه حتفه . فشد رحال كلماته يحمل وطناً على ظهر قلبه وهو ينظر إليه من بعيد ليطلق صرخته المدوية بالألم والرفض لذبح الوطن في سياق استعاري مجازي يقول :

نعرف أن الوطن الجريح

يستحمُّ في بحيرة من الدم

المُراقْ

لكننا نعشقه عشقَ ضريرٍ للسَّنا

وأننا نرضى به هراوة .. مشنقة.

جوعاً .. أسى .

طاحونة أو مرجل احتراقْ

نرضى به سوطاً على ظهورنا

أو شوكةً تنام في الأحداقْ

لا تذبحوا حبيبنا العراقْ

نصرخُ باسم طينه

باسم يتاماه .. مشرَّديه .. جائعيه ..

باسم نخله

باسم عروبة غدت دون يدٍ وساقْ

لا تذبحوا حبيبنا العراقْ

ولتتركوا مصيره لأهله العشاقْ.

حيث التمس خطابه بصيغة المتكلم الجمعي ” نعرف نرضى نصرخ نعشقه .. ” ناطقاً باسم أبناء شعبه، باسم التراب والنخيل واليتامى والمشردين، معتمداً الاطراد الأسلوبي المرتكز على التكرار النمطي للضمير بما رسم معادلة أساسية حددت موقفه الممثل لموقف أبناء الشعب كافة ، و أضاء جذوة الصراع القائم بين الظالم والمظلوم، مُدِيناً عروبةً عاجزةً مشلولةً إزاء تلك الجرائم بحق الأبرياء منوِّعاً بين الخبر المؤكد والإنشاء الطلبي” وأننا نرضى به هراوة ، لا تذبحوا ، ولتتركوا..” في شطور تحمل مناجاة قيثارة لامست أوتارها أنين حنجرة الشاعر فاحتضنت أشجانه في قوافيها والقاف حرف لهوي ينقفل مخرجه انقفالاً تاماً، يتسم بالقوة معناه في ذاته مأخوذ من طريقة لفظه ، من حروف القلقلة أي اهتزاز الصوت لذلك تُسمع له نبرةٌ قوية فيكتسب صفة الشدة والفعالية ، ويدفع الشحنة القوية عند النطق به ” المراق احتراق مشنقة الأحداق العشاق ..” ولما كانت أصوات الحروف طبيعية فإنه حين شعر بالقهر والألم استلهم مشاعره واهتدى إلى حرف القاف العميق، كما لجأ إلى التنكير أداة أسلوبية نروم فيها مالا نرومه في التعريف، في معرض التعظيم والتكثير من التداعيات السلبية : مشنقة هراوة جوعاً أسى ..” في إفصاح وتصريح عن حبه و تشبثه بالأرض مهما جارت على أبنائها ومهما كان الثمن، ليصب فكرته ختاماً بأن الشعب هو صاحب القرار في تحديد مصيره.

ثم رمز للعراق وللإنسان العراقي بالنخيل إذ يستمد منه معاني الشموخ والكبرياء والصبر . فالبيئة الطبيعية تترك ثيماتها في التكوين النفسي لأهلها، ابن الصحراء جلود صبور وابن الساحل يتعلم رحابة الصدر من البحر والعراقي يتعلم من النخيل أبجدية الصمود. إلا أن هذا النخل كان قد اتهم وأُدينَ كما قال الشاعر :

هم يقتلون النخل!

إن النخل متَّهم برفضِ الانحناء

وبالتشبث بالجذور ..

وباخضرار السَّعف ..

متَّهم بإيواء العصافير التي

لا تحسن استقبال :

أعداء الطفولة ..

والطواغيت الكبارْ ..

والنخل متَّهم

بتأليب المياه على الطحالب

في بحيرات الدهاقنة الصغارْ

الكافرين بعشق نخلتنا القرارْ

ولنا عناد المستحيل بوجه جلجلة التخاذلْ

ماذا يريد المتخمون من الجياع؟

فلم يعد في الحقل

ما يغري المناجل بالحصاد

النخل معنيٌّ بردِّ الاعتبار إلى السنابلْ .

برغم أن الجملة الإخبارية الأولى حملت في لفظتيها ” يقتلون النخل” ثقل الدلالة وتكثيفها إلا أن صوت ضمير الغائب “هم” المضبِّب قد خفتَ وحسر شيئاً من حدتها الانفعالية حين تصدر الجملة فجسد صفة القتل في القطب المعني ،وأتاح للشاعر فرصة إيصال فكرته دون مساءلة ، ثم أفسحت الجملة لفضولٍ استفهامي لدى القارئ ليُباغَت بمفارقة أسلوبية تقوم على التناقض تسري مع النص و تحمل الفكرة المدهشة ، و حين ألحقها بجملة إخبارية طلبية مؤكدة بـ “إنَّ” بدأت حركة الانفعال التصاعدية مع التكرار النمطي للجار والمجرور ” بالتشبث، باخضرار ، بإيواء ، بتأليب، بعشق ..” ثم انعطف عن الإخبار إلى أسلوب إنشاء قوامه الاستفهام ليتساءل عما يريده المتخمون من الجياع، استفهاماً خرج إلى معنى السخط والاستنكار ليعاود إلى الإخبار عبر سرد شعري تنقل ونوّع بين الأسلوبين فعكس صورة الحالة النفسية المضطربة للشاعر وشدّ القارئ ثم زجه في التجربة معززاً لوحته بالتوظيف الرمزي ” النخل، العصافير، الطواغيت الكبار، الطحالب ، السنابل …”..

ثم يصور الحال المزرية من الفقر وعقم النخيل :

موائدنا تخلو من الدسم

قدورنا بيضاء

وأعذاق نخيلنا تسيل

فما الذي أغوى

كل هذا الذباب البشري لدخول العراق؟

أوشك أن أؤمن

أن الله يحب العبد

على قدر كراهيته

لآلهة البيت الأسود في واشنطن

حيث عبر عن استغرابه لتكالب الطغاة والطامعين معتمداً الرمز والطباق في إطار من التكثيف المجازي والإيجاز والتورية فاستفهامه عن دخول الذباب لم ينتظر جواباً وإنما خرج إلى معنى التعجب والاستنكار الساخط لدخول الاحتلال الأرض ولمن عبَّد الطريق لدخول الغريب.” الذباب” ” الألوان في ” الأبيض والأسود” ” يحب كراهيته” ” العبد آلهة” فقد بات مستنقعاً يغص بروائح عطن الفاسدين النتنة وفريسة بين نيوب الغرباء والخونة.

اعتمد المفارقات كتقنية أسلوبية تقوم على التناقض أو التضاد أو التضارب على سبيل الذكر قوله :

استبدَلوا :

بكوفيتي خوذةً

بحصاني دبابةً

بحديقتي خندقاً

بنخيلي أعمدة كونكريتية

بأساوري قيوداً

ب” زهور حسين” مادونا

بالقرآن مجلة ستربيتز

و دماً بماء الينبوع

وساندويشة ماكدونالد بخبز أمي .

مما يعكس ما كان عليه الوطن وما استحال إليه من محاولات طمس لوجهه و تعفير لتراثه كما أن الانزياح التركيبي الذي عطف عنه مصدراً بالجار والمجرور تكراراً نمطياً أحدث انزياحاً صوتياً بالمقابل حين عكف على العطف “ودماً ، وساندويشة ” فدلل على تغير موج الرقعة الانفعالية السارية في داخله.

ثم يوظف المفارقة القائمة على الاستبدال المجازي متنقلاً بين الذاتي والموضوعي في حين أنه لم يخرج عن داخله فالوطن قصيدته الخالدة التي تعيش فيه ويعيش فيها ليقول :

فهل ثمة من يلومني

إذا صرخت ملءَ حنجرتي :

أعيدوني إلى زنزانتي

وأطلقوا سراح وطني

يشير النص إلى أن الشاعر قد تعرض فيما سبق للمطاردة و التنكيل والاعتقال لكونه قال “أعيدوني ” لما تحمله من ارتداد إلى ماضٍ قاتم راسخٍ في الذاكرة ولم يقل “اسجنوني” مع إفادة ضمير الإضافة الياء ” زنزانتي” خصوصية الشيء وملازمته للمتكلم. كإشارة إلى ما ذاق من ويلات ذلك الحكم الجائر كما أن استفهامه لم يستجدِ إجابة وإنما خرج إلى معنى التوجع والتحسر ومع الأمر الطلبي تحول الكلام إلى زفرة ساخطة.

بدت المرأة النواة بل الجهاز العصبي لبنية النصوص التعبيرية والمحور الذي تدور حوله نصوص ديوانه ” أطفئيني بنارك” وغيرها في كتاباته والانعكاس الممثل للوطن من حيث أنهما وجهان لعملة الحب والدفء والحنان والجمال فهو العاشق الذي يستجدي الكثير من الحنان الذي افتقده في وطن تجهم وجهه وعصف به حين ثار لكرامة التراب و أراد أن يشعر بوجوده الإنساني وانتمائه كابن بارّ، وما امتلك منه سوى حروفه، ليتخذ المرأة وطناً بكامل تجلياتها المطابقة لمضمون الأرض الحقيقي. وانطلاقاً من خلفيات صدَّرت تداعياتها : يمكننا القول : في ظل عوامل ومؤثرات قامت عليها بنية مجتمع شرقي يكتظ بأفكار التخلف والاستبداد وقيود وجود الإنسان وحرياته منذ نعومة أظفاره ، وفي معمعةٍ من الموت المتجدد تُزهَقُ فيها الأرواح ويُضرب بالإنسانية عرض الحائط، و تُغتال أصوات الأحرار فلا صوت يعلو إلا صوت الموت، وفي دهاليز الكهوف حيث تنصب المصائد والمكائد للطيور المفطورة على الحب والحياة .. انطلاقاً من تداعيات كل سبق، تتسع الفجوة في كيانه النفسي المتشرذم لتقبض فطرة حب الحياة على متنفسٍ من خلال الحب ينشد فيه القفز من بركة الدم إلى روضة الجمال والأمان لينتفض الليبيدو المقموع ويمارس فعل الحب والحياة وتحدي الموت، ويثبت أن الإنسان هو الطاقة الخلاقة في استمرار الحياة ، فيتمرد على قوافل الزمن حين يُفصح لاشعوره عن فجوات وشروخ هشمت أحلامه فيصدر مملياتها إلى عقله الباطن ليترجمها أدباً وانعكاساً مباشراً من أعمق لاشعوره ويكشف جلياً عن دوافع صاحبه المكبوتة في الكتابة الأدبية التي تمثل البناء النفسي والعاطفي و الوجداني العقلي والفكري والاجتماعي والثقافي لصاحبها. فالخلفية الحسية لتجسيد المرأة في داخله دفينة خبيئةُ لا شعورِه وماضيه لكن التجلي الحاضر المنعكس عنها في كثير من أشعاره هو الوطن. فجلَّ كتاباته تتحدر وتتموضع ما بين الحب والحب،” حب امرأة بحجم وطن، وحب وطن بحجم أحلام شعبه” أما عن تحول هذا الحب إلى البوتقة الروحية الممزوجة بتصوف يتجلى في كتاباته فإنه له تصوراته ورؤياه الخاصة به ، فمصداقيته وعذرية مشاعره و ما مر به من مسيرة محفوفة بالصعاب و الفراق والغربة امتدت لسنوات طويلة من عمره كان كفيلاً بقربه من روح الله وبإكساب شعره تلك العاطفة الصبغة الروحانية وهو الذي صرح بأن الحب دينه وديدنه ودنياه ووطنه وموروثه :

عطش الهوى فأبى سواكِ لقلبهِ … نبضاً ودفئاً للضلوع وريَّا

لا تنفني من حقلِ قلبكِ إنني … عشتُ الحياة مشرداً منفيَّا

وهو الذي قال :

الحب ميراثي فأمي عبلة … وأبي كثيرٌ والشقيق “جميل”

و”ابن الملوح” كان صنو صبابتي ….وجميعنا في عشـقه مخذولُ

فالمرأة هي الصديقة الأم والصديقة والحبيبة والصديقة ورفيقة الدرب التي يقطف لها صورة نقية من كروم التصوف يقول:

في ليل إسراء المقدسة /البتول/

الابنة / الأم / الصديقة / والرفيقة/

أشرقت شمسان ـ

شمس خضبت بالضحكة العذراء

أوتار الربابة

فاصطفاها القائمون إلى صلاة العشق

مئذنة

ثم يتجه إلى معابد العشق ليؤدي أسمى صلوات و تراتيل الحب فهو يؤمن إيماناً مطلقاً بأن الحب هو الطريق الأجدى الذي يقوده إلى ملاقاة وجه ربه الله. يقول :

فوجدتُ

أن ألذَّها كان

احتراقي في مياهك

وانطفاؤك في لهيبي

واكتشفت خطيئتي

كانت صلاتي

إدماني التجهُّد في رحابك

كافرةْ

وعرفت أن جميع آلهة المدينة

والدعاة إلى الصلاة

سماسرةْ

والقائمين بأمر أرغفة الجياع

بدار دجلة والفرات

أباطرةْ.

إذ يدين تجارة رجال الدين والساسة، ويجسد مفهوم الدين بالحب لباً وجوهراً ، موظفاً الخيال الحسي الابتكاري في وثبة خيالية اتسمت بالجدة والعمق حين جمع بين المتباعدات في لا منطقية، منطقية ، فالانطفاء إنما يكون بالماء بينما الاشتعال بالنار إلا أنه خرج عن المألوف في مبادلة بين الدوال والمدلولات ” ليصيب قارئه بدهشة القراءة من عمق الفكرة، و يطربه التشكيلُ الصوتي اللافت الذي كانت تتراقص عليه مفرداته في نصوصه و المفضي إلى التناغم بين ألفاظٍ وظفها بعناية توظيفاً يطرب المسمع ويفسح للقارئ مناخاً تخييلياً، برغم ما تحمله من الكم الهائل من الألم والأسى، وانطلاقاً من سيمياء الحروف فإن الدلالة الطبيعية الإيحائية للفظة هي صورة سمعية ذهنية ومنبه له أثره النفسي والجمالي في إثارة مشاعر القارئ، وجعله يشارك الشاعر تجربته الشعورية الشعرية، هذا بالإضافة إلى التماسه المدود ذات الصوت المستطيل التي تحمل الشعور المتردد في داخله وتتيح للانفعال فرصة التمدد والانطلاق على صهوة ألف قد تُمد حركتين أو أكثر تتبعها تاء تلفظ هاءً أكثر اتساعاً بآهاته وعذاباته .. ” نائمتاان ، النوافذ سااهرة، سماسرة ، أباطرة، احتراقي..” بين تناغم الصيغ.

ــ كان للمحسنات البديعية حضورها الواضح في ديوانه باتخاذه لها فناً بلاغياً يرتكز على مستويات الدلالة والتركيب وليس زخرفاً يبتغي منه التحسين والتجميل ، و للطباق الحظ الأوفر في الإفراط بتوظيفه، اكتسب جمالية توظيفه من تجاوزه الشكلانية المفرطة في التكلف أو بهرجة اللفظ إلى سَوق اللفظ لخدمة المعنى دون صنعة. فنصوصه متخمة بتوظيف آلية التضاد بشكل لافت يحدِّث عن شغف وولع به. لكن هل يعود ذلك إلى واقعه المتشظي بالمتناقضات والمتضاربات والمتضادات السياسية والدينية والاجتماعية والفكرية، ولمنبته الجغرافي المشتمل على تنافر الموجودات من بوادٍ وصحارى وأنهار وعيون ماء غزيرة وغابات نخيل كثيفة ووهاد وسهول وتلال وكهوف، وهو معجون به، حتى أن نصوصه أُثقلتْ بالطبيعة بكامل تجلياتها ؟ أم لهذا الكون القائم على الثنائيات منذ الأزل المتقوقع في داخله، و هو نسخة مصغرة عنه ممتدة الآفاق الرؤيوية فيه بلا حدود …. حتى وجد نقاء سريرته وتفكيره النازع بإصرار إلى إقرار وتوثيق الحقائق، مخرجاً برهانياً يدفعه إلى وضع فكرته على شرفة من نور و وضوح حين يعرض طرفي مفارقات تقوم على التضاد ويقدمها في ثنائيات .. فالأبيض لايظهر بياضه إلا عبر السواد والسواد لا يظهر سواده إلا من خلال البياض، الأمر الذي أفضى إلى تنوع صور التضاد “الطباق” بين الإيجابي والسلبي والتأويلي والوهمي والعقائدي و الزماني والمكاني والمجازي ووو، على سبيل المثال ” المكاني” :

فاكتبي كيفما شئت / اغرسيني/ في روضة الفردوس/ أو / محض رماد / في تنانير الجحيم.

و” العقائدي” : /كانت صلاتي / قيل إدماني التجهُّد في رحابك/ كافرة.

و” المجازي” / هيأت في سرداب ذاكرتي/ سريراً بارد النيران /مسعور الندى/

و” الإيجابي” مالذي يمتلكه العبد المملوك /أمام المالك المعبود

و”الزماني” المتراقص على وتر تصريع يأخذ بيد مسمع القارئ للوثوب والرقص على شطور القوافي: يومي له ليلان .. أين نهاري؟ … أتكون شمسي دونما أنوارِ ؟

أبحرتُ في جسد الفصول مهاجراً … طاوي الحقولَ وليس مِن أنصارِ .

و”المقابلة” في قوله: بين احتضاري في غيابكِ/ وانبعاثي في حضوركِ/ مشنوقاً حبلُ أشيائي / محدِّقاً /بغدٍ/ مضى.

ــ وظف التناص الديني في بعض نثره لخاصيته في دفع الفكرة بقوة أكثر تأثيراً حين تلقي بظلالها على المتلقي، وقدرته على خلق التفاعل والتعالق مع نصوص مختزنة في ذاكرة الشاعر الثقافية تمتد إلى جذوره . فيأتي تداخلا تقابلاً تقاطعاً تضميناً تشبيهاً مقارنةً … على نحو مجيئه ” تضميناً ” : طلع العشق عليناً / فاخلعي ثوييك والنعل/ أو ” اقتباساً شارياً ” أهي السماء تأرضت/ أن قال الله فيها كوني؟/ أوقوله: واحاتي اعتصمت بحبل مياهها وقصائدي اعتصمت بحبل هديلها/ أو قوله : حروف لم تزل في / طور سين!. متناصة مع الأقوال: طلع البدر علينا ، إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون، واعتصموا بحبل الله ، وطور سنين. أو التماسه مساراً نظمياً لبيت الشاعر العباسي الشريف الرضي :

أبكيكِ لو نقع الغليلَ بكائي وأقول لوذهب المقال بداءِ

وأعوذ بالصبر الجميل تعزياً لو كان بالصبر الجميل عزائي.

في قوله :

عاتبت لو سمع القريب عتابي وكتبت لو قرأ البعيد كتابي.

وسألتُ لو أن الذين محضْتُهم ودِّي أضاؤوا حيرتي بجوابِ

ليس التناص تضميناً هو الأمر اللافت فحسب وإنما الحالة النفسية المتشابهة لديهما من الألم والحزن التي فرضت طغيان حرف الباء لدى كليهما، لكون استيحاء معاني الحروف من أصواتها الطبيعية، فحين استبطن مشاعر الأسى والشدة اهتدى إلى الباء الجهور الانفجاري الذي يحدثُ انفراجاً في الشفتين عند النطق به فأتى كتلبية لمشاعر مختنقة تنتظر مخرجاً.

عبر عن فكرة حسية عميقة في تكوين الإنسان الروحي في إطار من التورية جسدها بالرمز المحسوس شفت رؤياه. فالإنسان عالم صغير مستنسخ عن الكبير قوامه الماء والنار والهواء والتراب “فكيف للماء أن يشعل الحرائق في اللهب” ثم إن مقابلته الاستفهامية هذه لشيئين هما طرفا نقيض” الفجائع الفردوس” خرجت عن أغراضها المألوفة واتخذت بعداً شعورياً جمالياً مختلفاً، على اقتضابها في شطور مكثفة الدلالة، تناوب فيها الإخبار والإنشاء ثم زاد من دهشة القارئ حين نفى الألوهية عن نفسه ، نفيَ المنفي غير القابل ليكون في معرض النفي أو الإثبات “بخلاف الحلاج”.هذا وإنه يؤمن بأن روح لله تستقر في داخله لا خارجه. نص محفوف بظلال فلسفية تخيم على عالم روحي موغل في العمق.

وأنا اللهيب البارد النيرانِ

و الماء الذي أمواجه

تغوي بساتين اللذائذ بالحريقْ

أهي الطريق

إلى المزيد من الفجائع؟

أم هي الفردوس؟

لست الله

كيف إذن سيعرف ما نهايته الغريقْ

ــ غرس في نصوصه مباعث الموسيقا الداخلية والخارجية فأثمرت جرساً نغمياً عذباً، تنوعت بين التكرار و الجناس والتصريع والتوازن وتشابه المكونات النحوية وتناغم حروف الهمس والجهر و استحضار الصيغ الاشتقاقية التي تنتمي إلى جذر واحد. كقوله:

أنا المسجون والسجان

والخادع والمخدوع

في حلم فراديسي الكذوب

أوقوله :

فهي الولادة والولودة

والوليدة

وهي الشهادة يوم أُبعث

والشهيدة

أو بث إيقاع من تتالي الصيغ الاشتقاقية المتناغمة” :

أيتها الرشيقة كرمح أنكيدو

الفرعاء كنخلة

المنتصبة كمئذنة

الهادئة كالنعاس

الصاخة كشغفي

إذا لم يكتب في دفترك

فما فائدته قلمي؟

أو الموسيقا المنبعثة من توازن وتوافق المكونات النحوية :

الهوى من دُبرٍ قدَّ سفني/ والدجى من قُبُلٍ قدَّ شراعي/

أو الإيقاع الشعوري الذي أوقعه أسلوب التقديم والتأخير في بيان أهمية المتقدم وإعلاء شأنه ” أو دبّ التشويق ” كل ، محض ــ تأخير الخير” مع تقطيعه للجمل والمفردات في الشطر تبعاً لما تمخض عن الشعور :

النهر أنت

وكل ما خلق الإله من الحسان

بمقلتيّ

فمحض جدول

أو في تأخيرالفاعل في اعتراض الجملة له: هل كان سينمو / قبل أن نسقيه نبض اللثم / وردُ الجلنار ؟/

وماذا عن التـكـــرار في نصوصه ؟ : كان له حضور جليٌّ في كثير فيها، فهو لا يأتي اعتباطياً وإنما لغايات مختلفة يخضع للحالة النفسية التي تتطلب الاستزادة من تكرار الجملة واللفظة والحرف بما يروي ظمأ الشعور والانفعال، يعكس الرقعة النفسية قبل أي شيء ولا يقتصر على الجانب الفني الموسيقي. ومن صوره “المتوالي” :

كلٌّ يذهب في حال سبيله / النهر نحو البحر/ السنابل نحو التنور/ العصفور نحو العش/ الآفك نحو اللعنة / القلم نحو الورقة/ الصلوات نحو الله/ الوطن نحو الصيارفة/ وقلبي نحوك.

أوقوله:

السفينة غرقت؟ /لا ذنب للميناء/ إنه ذنبها / لا ذنب لها/ إنه ذنب المجاذيف/ لا ذنب للمجاذيف / إنه ذنب السواعد/ لا ذنب للسواعد / إنه ذنب الرأس ! / آه / كم مملكة عشق اندثرت/ لأن رأساً واحداً / رمى الفتيل في الغابة/ ليذيب الجليد المتجمد / في عروقه.

فقد حقق التكرار مجمل وظائفه ولم يقف عند حد المستوى الصوتي المرتبط بالبعد الإيقاعي المؤثر بالقارئ وإنما تعداه إلى خلق ترابط وتماسك في بنية النص وتوازن نفسي انفعالي شعوري بين الجمل بالإضافة إلى توكيد المعنى بمعية حرف التوكيد “إن” أيضاً ، وأبرز الكلام في أكثر من صورة حين كرر اللفظة ذاتها في أكثر من موضع مما أضفى تلويناً جمالياً حقق للقارئ متعة القراءة فكان ضوءاً شعريا يعكس الجانب النفسي اللاشعوري للشاعر و باتت وظيفته تأكيدية بلاغية جمالية إيقاعية إمتاعية بنائية . .

أو التكرار “المتباعد” الذي كان له وقعه التأثيري المميز كما تذوقه مسمعي:

عيناي نائمتان لكن النوافذ ساهرةْ

هاجرت وحدي

حاملاً بعضي معي

وتركت بعضي في ملاذكِ لائذاً

خوفاً عليَّ

من احتمال اللارجوع

إلى ظلالكِ

فالطريق معبد بالجمر والضِّباع وأخوة “يوسف”

والذئاب الغادرةْ

أوكلت أمر سفينتي للموج

والريح الغضوب وللدجى ..

عيناي نائمتان

لكن النوافذ ساهرةْ

فخذي بأمر خطاي

هاأنذا أتيتك

رافعاً قلبي على ضلعي :

أسيفاً..

خاشعاً..

مستسلماً..

تعبتْ خيولي من حروب متاهتي ..

كل المعارك خاسرةْ

إلا انتصاري حين يقتلني هواكِ ..

فألتقيكِ ..

على سريرٍ من زهور التين والريحانِ

يوم الآخرةْ ..

تكرار العنوان مرة أخرى في متن النص كان له وقع الإمطار في فيافٍ لم تكن لتنتظره. مباغتة صوتية موفقة في ضخ دفقة انفعالية متشربة بالشجن وجرس موسيقي لم يكن القارئ يتوقعه، فأمتعه و دفعه للاستزادة من القراءة .. بالإضافة إلى الانزياح التركيبي الذي حققه من خلال الالتفات الضمائري حين عطف عن ضمير المتكلم إلى المخاطب الذي أحدث انزياحاً في مساره الصوتي تلقفه القارئ بذائقة إحساسه، مع احتساب جمالية التقطيع النظمي الشعري، يقودني تفسير هذه النقلة الشعورية المؤثرة إلى أن الشاعر كان يعيش صراعه في هدأة وحكمة، يتنقل بين الذاتي الروحي والموضوعي، بين الخارج والداخل قبل أن يشرع بالكتابة، إذ استهل النص بسرد استذكاري لحيثيات هجرته حاملاً بعضه تاركاً كله، ثم وثب إلى الخطاب” ملاذك، ظلالك”، بينما لا يزال الحديث أشبه بمونولوج داخلي لم يخرج عن داخله يجري بين طيات نفس ينهشها التمزق والفصام الروحي “حاملاً بعضي معي ، وتركتُ بعضي في ملاذك لائذاً..” ثم غير وجهته وسافر بخياله مطلاً على شرفة الوطن حيث تراءت له الرموز المظلمة فيه ” الضباع، والذئاب و أخوة يوسف” ، مر بالبحر والموج والريح الغضوب ..امتلأت نفسه وحمل في جعبة قلبه كماً كبيراً من الألم ، ثم عاد إلى ملاذه الروحي ليُقحم الجملة في المتن و يكرر : عيناي نائمتان ، لكن النوافذ ساهرة. تكراراً جاء صدى لتردد صدى صوت الشجن في داخله المضطرم، فكيف تغفو عين من يبصر النور من وطنٍ يسكنه أغمض عينيه عن مرآه مرغماً، هذا و إن انسدال الجفن لايعني النوم، ما دامت بصيرة القلب والعقل في دوار من أرقٍ وقلقٍ وتفكير. مع التماسه المدود ذات الصوت المستطيل عالياً كصدى لاستطالة الشعور المتردد في داخله مما يتيح المجال لتمدد تصاعد الانفعال وانطلاقه على صهوة ألف تمدّ حركتين أو أكثر وتاء تلفظ هاءً تتسع بخاصيتها الصوتية بمشاعر وآهات الألم والأسى ” أباطرةْ سماسرةْ خاسرةْ غادرةْ .. يعتمد شعر السماوي فكرة الكفاح والنضال والمقاومة وحب الوطن والتشبث بالأرض في كلا اتجاهيه العمودي والنثري الحداثوي اللذين أبدع فيهما. لكنه في النثري كان طائراً يعانق فضاء يتسع بذاته بأحلامه وبحريته . ونصوصه النثرية تخرج عن الأوزان العروضية المتداولة وتحشد أقصى الطاقات الشعرية التي تجعل من النص عالماً متكاملاً متماسك البنية مثقلاً بالدلالات والاختلاف الدلالي والتركيز و تخضع للزمنية فالزمن حاضر فيها يجري في حركة منتظمة لا اعتباطية ولهذا يمضي القارئ مع النص في نسق معين قلما يأخذه دوار الزمن وارتداداته في التجربة الشعرية بنقلات فجائية مرتدة بين الحاضر والماضي والمستقبل بقدر ما تأخذه رصانة الفكرة وجمالية الدلالة في حضور الزمن. من قصائده ما توجه به إليه للوطن بشكل مباشر ومنها ما مزج فيها بين الوطن والحبيبة ومنها ما احتوى الاثنين خطاباً ومضموناً متماهيين فلا فصل فيما إن كانت لذاك أو تلك، فالمرأة والوطن مندغمان متلازمان في داخله العاشق بلا فكاك، وهو القائل ” من ذكورة التراب .. وأنوثة الماء .. ينبت العشق ” .. وفي كافة الأحوال الحبيبة وطن ويبقى الحب المتجذر في طبيعة الإنسان هو منطلق حبه للأشياء كلها من حوله .. من ديوانه نقطف هذا المشهد المتشرب بالروح الرومنسية في صورة للتماهي المطلق في العشق تحت خيمةٍ وارفةِ الرمزِ المشعِّ بظلالِ الإيحاء …حين يفرَغ كل من العاشق والمعشوق من نفسه ويجدها في الآخر، و تبلغ المشاعر ذروة السمو في ماهيتها مما جعله يتخذ هذا الحب ديناً ويلبسه ثوب القدسية والنزاهة ..

أنا أنتِ .. أنتِ أنا

كتاب السر مفضوح المتونِ

أنا أنتِ .. أنتِ أنا

حروف لم تزل

في طور سينِ !

صبي جنوني

واشربيني

قبلاً معتقة الحنينِ

فلربما

حاز الثوابَ فمٌ

على عطشي معيني

فدعي الوقار المستعار

إذا سريرك

يحتويني

هل تستحي الأشجارُ من عشّ؟

وحقلٌ من غصونِ ؟

أم قد سمعت

بمرسلٍ حمل الكتاب

بدون دين؟

الاستهلال بضمير المتكلم أنا المؤكدة للذاتية و إلحاقه بالإخبار بضمير الخطاب ثم مبادلاتهما. واختزال الشطر بهما دون متتمات تركَ مساحات بيضاء أفسحت المجال لاسترخاء شعور القارئ فيتذوق الإحساس ويتشرب بمنثور الحروف النابع من خلق جملة تكتفي بضميرين لا متناهية المعاني فكلاهما المبتدأ والخبر منذ بدء الخليقة. ومن خلال التناص الديني أشار إلى أزلية هذا الحب. لم يخاطب الوطن من خلال المرأة هنا كما فعل في أشعاره الأخرى بدلالة قرائن لفظية : فالوطن لا يستعير الوقار ولا يستحي. إلا أنه جسد فكرته متكئاً على الاستعارة المكنية ، الاندغام العاطفي الروحي في أقصى درجاته. والخلاص إلى الطبيعة بالمطلق بعيداً أي قيد هو محتوى دعوة الشاعر، الدلالات شفيفة غير قابلة للتذبذب في عيني التفسير بدلالة قرائن و الفكرة مستقاة من عوالم غير مطروقة أجرى لها هندسة بنائية زراعية مهذبة بالمجاز حتى أنه لم يخدش حياء الورق ..والشاعر حالم عاشق بامتياز .أما القفلة فهي مستلهمة بطريقة متينة الإحكام ..

من جميل ما ورد من مبنى شعري متماسك النظم وتشكيل صوتي يلبي احتياج المعنى بلغة لا يكتنفها الغموض اعترافات صريحة بمحاولات له باءت بالفشل. “محاولات فاشلة”:

فقد فشل في استبدال الأرض المماهية لمضمون المرأة بسواها في خيال ابتكاري يجمع بين النور والجذر في قلبه:

جرّبتُ يوماً

أنْ أمسّد غيرَ جذعكِ ..

أنْ أمشّط غيرَ سعفك ..

أنْ أشمّ سوى رحيقك ..

فانتبهت إلى يدي حجراً

وكأسي خمرها الغسلينُ

والزّقوم في صحتي

وحقلي دون عشبِ

ورأيتُ قلبي يستحي مني ..

فيا سُبحانَ غارسِ جذرك الضوئي

في بستان قلبي!

كما فشلَ صدقه وإخلاصه بخيانة حبيبته في الخيال :

فعرفت أني / حين أجنح عن صراط هواكِ /

أبدأ بالرزيلة والخطيئة / والزوال.

و فشلت أصالته بخيانة الأصدقاء ورفاق الدرب :

فخشيت أن يعتابني شرفي / ويبرأ من جذوري/ طين بستاني الأصيل..

ومن الفشل ما فيه ارتقاء وسمو للنفس.

الرمز والأسطورة : ضمَّن نصوصه الشعرية الكثير من الإسقاطات التاريخية و الدينية “ميثولوجية الدين” و الأسطورة كسائر الشعراء المعاصرين فكان يستمد منها الأجواء الروحية العميقة في حاضر أسود يغص بالظلم والاستبداد مثقل بالمتناقضات شائك بالتعقيد، ومن خلالها ينطلق بالتجربة الشعرية الفردية إلى الكلية وإلى المستوى الإنساني بالمطلق لما لهذه التقنية الأسلوبية من دور في التكثيف والتركيز والإيحاء وتقديم الفكرة بعيداً عن المباشرة والتقريرية وتمكين الصورة المؤطرة لها، هذا وتحفز المتلقي لإعمال عقله والتفكير في دواعي استحضار هكذا رمز في النص، فأكسبت نصوصه حصانة فكرية ومنحتها فاعلية التأثير. وتعددت الرموز في ديوانه التراثية والأدبية والدينية فتفاحة آدم التي أخرجت آدم من الجنة أدخلته الجنة من أوسع أبوابها انطلاقاً من رؤياه وتصوراته الخاصة ، فحب المرأة في نصوصه فردوسه وخمرته ووطنه التي أغنته عن كل ما في الدنيا من مغريات مادية فكيف لا يرى فيها الجنة .يقول:

وأنا دخلت جنائن الفردوس

حين قطفت من تفاح حقلك..

هل أنا في العشق آدمه البتولي الجديدْ؟

ما دمتِ لي

ما حاجتي بكنوز قارون

ومخدع شهريار ومُلك هارون الرشيد؟

فالحب فردوسه الذي يأخذه يسمو إلى عالم من السحر فترتوي من طيباته روحه الظامئة .

أو تجسيده للحكم الجائر من خلال استدعاء شخصية دموية ظالمة من التاريخ” أبرهة الحبشي ” : أبرهة الجديد يستحم في الفرات / فمن خلال هذا الرمز في القسوة والدموية والطغيان استطاع أن يحتوي مجمل المعاني التي يريدها بحذر، “فالرمز خيمة حانية على الشاعر”. و أن يُلبِس الكلمة ثوبها الجديد المعاصر يشحنها بالانفعالات والدلالات القائمة في السياق بحيث صبت تأثيرها في القارئ فبعثت على الغضب و السخط .

أو ترميزه المبتكر ” صوفائيل ، عشقائيل” فأراد الشاعر أن يُكسب عاطفة الحب سمواً من خلال منحها رسولاً وملاكاً جمع اسمه من الصوفية والملاك. أو العشق والملاك :

وكدت أرميني إلى حيث القرار/ فصاح صوفائيل بي/ عدَّ النبض / نحو / ظلال نخلتك الأمينة.

أو قوله:

وينبئ الجفاف عن مسغبة/ وينبئ الأثرْ
عن خيل هولاكو..

أو قوله:

كل عصر وله “ربّ” و”هولاكو” جديد/ فلمن جيَّشت الخوذةَ أمريكا / وأرستْ سفنا

في إشارة إلى الحكم الجائر الظالم في البلاد. استحضر في نصوصه شخوصاً أسطورية ” آلهة العشق والجمال والحكمة والخلود” التي يجد فيها الشاعر عالماً شمولياً روحياً يغذي الخيال ويمتد اتساعاً ليتجاوز حدود اللفظة بعيداً عن قسوة الحياة فحضورها ليس افتعالاً لصنعة أو زخرف وإنما تمثيلاً لكونية التجربة والقيم الإنسانية، كجلجامش وأنكيدو وعشتار وسيزيف وشهرزاد وشهريار و إينانا وغيرها من الأساطير السومرية والبابلية : وشعراء الحب معمر بثينة وقيس ليلى العامرية وأورد ذكر الطيور الحمامة والهزار والعندليب والصقر واللقلق والهدهد الذي يعتبر واتخذ القائد الروحي للطيور ،. الطبيعة كانت حاضرة بكامل تجلياتها كانت مورد الشاعر في استلهام معانيه، ماؤها وهواؤها وترابها ونباتها وطيرها حتى رحلاته الروحية رمز لها بالإسراء والمعراج و الألوان كانت ذات دلالات و رمز للمرأة والحب بالفردوس والخمرة ..فالرمزية لفظ يأخذ اختلافه بانتباه القارئ يدفعه للبحث عن ثقل المعنى بين إيحاءات تطرحها المخيلة ليوجد صلات ترابط مشتركة تمكنه من القصد فيندمج في عمقه ويتذوق جمال جمع دالٍّ ومدلول متباعدين شكلاً متداخلين مضموناً، والرمز كلمة جامدة لكنها تكتسب حركية دلالتها في كيفية وحيثية غرسها في السياق وفي الوقت ذاته تحقق حصانة للشاعر.

ـــ تكرر ذكر الخمرة مراراً في نصوصه التي كانت نديمه وسميره ، لا الأشخاص. فهو على أغلب اليقين لا الظن يعتبرها رمزاً من رموز معرفة الذات الإلهية، والتماهي مع المعاني الروحية التي لا يمكنه بلوغها إلا من خلال الحرية التي يجد نفسه وذاته فيها على حقيقتها في موج كأس. الجمع بين ” خمرتي” و” جمر لهاث ” حرك الدلالات في السياق وخلقت دلالات جديدة تنامت فبات القصد يناور التأويل. إلا أنه ما لا شك فيه أن خمرته تستمطر غيم إلهامه وروحه حتى الارتواء. نذكر :/ خمرتي جمر لهاث / أنضب الحرف بزق الكلمات/ فأنقذيني من بقايا نزواتي/ وفي ركن آخر يقول: وأزفُّ للكأس الحرام / بشارة الخمر الحلال بزقّ مائدة / الذهول.

ــ حرص السماوي على بث مفرز الذات من الفكر المبتكرة بل كان ذلك بالنسبة له هاجساً في امتطاء سجية الخروج عن المألوف و المقتبس المجتر من صور الشعر القديم ، فكيف لشاعر أن يتميز وهو لا ينفك اجتراراً لصور لطالما تكررت، وفي كل تكرار تستحضر الأصل البعيد حتى ضجرتها الآذان لمجرد أنه يضعها في قوالب لغوية مختلفة صنعها بنفسه دون جديد يُنسب له ويتفرد به! من هنا نجد ديوانه يحمل الكثير من الصور الفنية البليغة المبتكرة القائمة على مفارقات قوامها التناقض والتضاد والتقابل والتضارب اللفظي الظاهري الأمر الذي يخلق ضباباً أمام عينيِّ القارئ إلى إعمال مخيلته في البحث عن الروابط التي تقبع خلف هذا الإيهام ليستجليها فتبهره بجمال حبك ورصانة وعمق الفكرة وتزجه في متاهات الدهشة :

ما أقرب السماء من عيني

وما أبعد الأرض عن قدمي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وطني مستنقعٌ

إذن سأتضرَّع الله

أنْ يجعلني

صرصاراً

ــــــــــــــــــــــــ

أيها الحزن لا تحزن ..

أدرك أنك ستشعر باليتم بعدي ..

لن أتخلى عنك ..

أنت وحدك من أخلص لي ..

فكنت ملاصقي كثيابي ..

حين تخلى عني الفر ح

في وطنٍ

يأخذ شكل التابوت !

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إنْ لم أكنْ عبدَ هواكِ

فكيف سأعرفُ أنَّني

حرٌّ

ـــــــــــــــــــــ

يا عباس

أحزانُنا كأرغفةِ فقراءِ العراق

تصغرُ يوماً بعد يوم

وأحزانُنا كأرصدةِ اللصوصِ الجُدد

تكبرُ يوماً بعد آخر.

ــــــــــــــــــــــ

جئتك

أبيعكِ عمري

لأشتريك.

ـــــــــــــــــــــــ

بعض السَّخين يكون برداً

حين يُمزج … بالسَّخين

ــــــــــــــــــــــــــــ

قلبي كالسمكة

يموتُ إن لم يغرقْ

بنهرك.

ــــــــــــــــــــــــــ

هي عاقلة حدّ الجنون

وأنا مجنون حدَّ الحكمة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أرأيتَ كلباً في الوفاء

يخونُ

أخلاق الكلاب ؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حين اتسخ علمُ الوطن

غسلناهُ بالماء …

تُرى

بماذا نغسل الماءَ

إذا اتَّسخ ؟

أنهارنا تفيضُ قيحاً وصديداً

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إذا قشرتكِ مثلَ البرتقالة

لا ترتبكي

فأنا أريدُ أن ألبسكِ فستاناً

من القبلات

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

ما دمنا قد أوقدنا نار الخصام

فليرحل كلُّ منا في حال سبيله

أنا نحوكِ

وأنتِ نحوي!

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

سأبقى خائفاً على وطني

طالماً بقي في ” قصر الخلافة”

سياسيٌّ فاسدٌ واحد..

انتهازيّ واحد ..

تاجرُ دينٍ واحد ..

إرهابيٌّ واحد ..

عميلٌ واحد ..

ولصٌّ واحد ..

هؤلاء كالطحالب

سريعو الانتشار مثل بذور الجدري.

الشاعر بطبيعته حالم في آفاق بعيدة وشاعريته هي انعكاس لأحلامه التي يجد فيها ملاذاً آمناً حين تضيق سبل الدنيا والحياة بذاته و روحه. وهو معتاد على الخيبات وخسارة الأحلام وربما بينه وبين الخيبة اتفاق و معاهدة، يبقى بموجبه مهزوماً بينما وحدها الحروف والكلمات من تنتصر و تغنم ألقها.

يقول :

حلمتُ يوماً أنني جناحْ

وحينما استيقظت

كانت السماء صهوة وسرجها الرياحْ

وكان ما بيني وبين الوطن المباحْ

مشنقة تمتد من ستارة الليل

إلى نافذة الصباحْ.

لا غرابة في أن يكون الحلم كابوساً حين يحلم بأنه جناح سيجتاز الفضاءات ليغسل وجهه بشمس الوطن ثم لا يلبث أن يصطدم حلمه بصخر الواقع .فما كان سوى المشنوق بالشوق والحنين في لحظاته تلك منذ الغروب حتى الشروق. استحضر سرده لهذا الحلم المترع بالأسى والخيبة حلم الماغوط في إطار مبطن ملغم بالسخرية والسخط قال في قصيدته اليتيم:

وحلمتُ مرةً بالبحر

وفي الصباح

كان فراشي مليئاً بالأصداف وزعانف السمك

ولكن حين حلمت بالحرية

كانت الحراب

تطوق عنقي كهالة الصباح.

كان وارداً أن يستجيب البحر لحلمه فيجده بعظمته حاضراً بأصدافه وأسماكه في غرفته ، أما الحرية فمحال. الشعراء حالمون وشاعريتهم هي انعكاس لأحلامهم وأحلام الشعب..

أو حين قال :

أنا الراعي …

لا أملك من القطيع إلا

الروث والبعر !

ومن الوطن بعض ترابه

العالق حذائي

وأملك من “مجاهديه” :

وعداً بمرحاض في الجنة!

حيث اتبع أسلوب “المدح في معرض الذم”. والقدح المباشر في تحقير الحقير فالتقى مع سخرية الماغوط المبطنة بالتورية : لا يربطني بهذه الأرض سوى الحذاء. مع اعتماده القصر القائم على الاستثناء المنفي فيما أفاد الحسر والتخصيص والتأكيد وبلاغة الإيجاز.

قراءة وتجوال سريع بين ما تسنى لي الاطلاع عليه من نتاجات هذه الموهبة الفذة التي كلما سقتكَ من كؤوس القصيدة ظمئت وطلبت المزيدَ، تترك في نفس القارئ حبلَ وصالٍ ممتدٍّ إليها بشغف العودة والإحاطة بها كاملة والاستزادة مما تدرُّ هذه القريحة الخصبة السامقة من شذر الشعر في سماء الأدب ..

شاهد أيضاً

سعد جاسم: تجليات الحب ومدارات التأويل
سمر محفوض* (ملف/26)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

“أرميكِ كبذرة وأهطلُ عليك”.. تعدد المداخل/ تعدد القراءات
حميد حسن جعفر (ملف/25)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

شكيب كاظم: عزيز السيد جاسم وتطابق المَظْهَر مع المَخْبر (ملف/16)

إشارة : رحل المفكّر الكبير والروائي والناقد “عزيز السيد جاسم” بصورة مأساوية تاركا إرثا فكريا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *