جنوننا الجمعي
فلاح حكمت*

• في أعماق الجنس البشري توق راسخ للتواصل
• الطبيعة البشرية تقوم على التعاون لاالتنافس
• إنك إن لم تقم بالعمل الذي يستهوي فؤادك ويحقق رغبتك فذلك سيفضي الى تدميرك
توم شادياك : مخرج سينمائي أمريكي
من حوارات فلمه الوثائقي ( I Am )

• الوفرة المادية تتساوى مع فكرة الجنون
خوارزمية لقبائل توصف ( بدائية )

• كسرة خبز و جرعة ماء مع قناعة خير من بيت مليان ذبائح مع غم
سفر الأمثال

• يصف الانسان المعاصر نفسه ، بكثير من التبجح ، بالانسان العاقل Homo Sapiens ؛ لكن كثيراً من الشواهد المستمدة من خبرتنا المتراكمة أكّدت أنه في الغالب ليس بانسان و ليس بعاقل
برتراند رسل : فيلسوف بريطاني من كتابه ( هل للإنسان مستقبل ؟ )

ليس اكثر استعصاء على الإحالة الى معايير اجرائية مرجعية من فكرة الجنون ونظيراتها من المفهومات التي تشكل فضاء اشتغال علم النفس السريري Psychiatry ؛ فلطالما تغيرت هذه المعايير تغيراً سريعاً معروفاً لكل من له شيء من معرفة و دراية ، أو حتى محض رغبة غير مهنية ، في متابعة مباحث علم النفس – السريري منه بخاصة – ، و يكفي أن نشير الى أن مرجعيات الامراض النفسية بعامة ، و الذهانية Psychotic بتحديد أكبر ، قد تم إحالتها الى عوامل فيزيائية تعمل على المستوى الجزيئي الدقيق Molecular Level بعد أن تم تضييق المساحة الوجدانية Affective التي كانت تضمُّ هذه الاضطرابات تحت جناحيها حتى وقت ليس ببعيد ، و من يراجع المرجع الأساسي لتوصيف و تشخيص الأمراض النفسية الذي تعتمده الجمعية الامريكية للطب النفسي السريري ( المسمى DSM وهو اختصارٌ لعبارة Diagnostic & Statistical Manual ) سيعرف بالتأكيد طبيعة هذا الميل باتجاه العمل على المسببات الفيزيائية للاضطرابات النفسية ( النواقل العصبية في مقدمتها ) .
التمظهرات الاكلينيكية للجنون طيف واسع من الاعراض و السلوكيات التي تسم كل hضطراب يوصف في مفهوم العامة بكونه ( جنوناً ) مع ان المرجعيات المعتمدة في علم النفس السريري لا تشير أبداً الى كلمة الجنون Madness أو رديفتها ذات المحمول الدرامي التاريخي الاكبر Insanity ، فتلك مفردات لا وجود لها في تلك المرجعيات التي ترى فيها غير ذات دلالة مهنية محددة في هذا المبحث الذي يعج بالامثلة التي تبعث على الذهول في مواضع عديدة ؛ فقد يكون صعباً على الفهم معرفة ان كثيراً من الامراض الجسدية تترافق مع اعراض ملازمة للكثير من الاضطرابات النفسية والعقلية ، والامثلة في هذا كثيرة ، منها – مثلا – ان امراضاً شائعة مثل الانفلونزا قد ترافقها حالة من الهذيان Delirium ، والامثلة كثيرة في هذا الميدان . ثمة جوانب اخرى ، غير الجوانب الاكلينيكية ، رافقت موضوعة ( الجنون ) منذ أزمان بعيدة على المستويات الاجتماعية والقانونية والفلسفية ، و ربما كان ( ميشيل فوكو ) أبرز فيلسوف معاصر تناول ( تأريخ الجنون ) مع إحالات كثيرة الى علاقة الجنون بالسلطة والقانون واللغة .
بعيداً عن المرجعيات الاكلينيكية والقانونية والاجتماعية ، ثمة من يرى في الجنون اختلالاً هيكلياً في صلتنا مع الرابطة الكونية التي تضم جميع الكائنات ( بشرية وغير يشرية ) كما تضم الام وليدها الرضيع ، وأن هذا الاختلال هو حاصل انعدام في الرؤية و فساد في الروح يفضيان الى ذبول بطيئ و ثابت في عوامل النشوة الداخلية التي هي اثمن مانحوزه في جعبة رأسمالنا الوجودي المحدد في هيكل فيزيائي محكوم بمحدوديات قامعة ؛ فالجسد بمثابة سجن ، والمدينة اقرب ما تكون الى معسكر أحتجاز ، ولطالما كانت الاقوام الموصوفة (بدائية ) أكثر حكمة و ابعد غوراً في استقصاء عوامل السعادة والشقاء وسبك الخبرة المتحصلة من هذا الاستقصاء في لغة مواضعاتية أخاذة لا تغفلها الضمائر الحية غير المثقلة بالأدران .
كان الجنون بالنسبة لي ، و لم يزل ، نتاج قسوة الروح وغلظة القلب وصلادة الضمير ، وأنا هنا لا أحكي عن جنون هو نتاج أمراض دماغية عضوية مشخصة ؛ بل احكي عن جنون مقترن باكتئاب غير منتج ( ثمة اكتئاب منتج وباعث على الكشف الخارق ) ترافقه ظلمة النفس وخوار الروح و فقدان العدة القتالية ( بالمعنى النبيل للمفردة ) بما يفضي الى انحسار بواعث الدهشة والتموضع على أنوية غبية تقود الى العمى الرؤيوي المطبق ؛ لكن الحفر شبه اليومي لمدى يقرب من ثلاثة عقود مثقلة بالمرارات و الخيبات مع الخبرة النزيهة غير الملوثة بالتغالب على مزيد أقتناء مادي أبانت لي أن قسوة الروح وغلظة القلب وصلادة الضمير إن هي الا اعراض لعطب جوهري أهم : ذاك هو السعي القاتل نحو مراكمة الوفرة المادية بكل الوانها . تلك خبرة ثمينة كما أحسب ، لا تمت بصلة الى أي مصادرات لاهوتية او ايديولوجية معلبة تبشر بنبل قلة ذات اليد وصلاح الناس المجودين والقناعة بالقليل اللازم لإدامة عيشنا ( في اللاهوت المسيحي حصراً ؛ إذ لطالما رأى الاسلام في المال والبنين زينة الحياة الدنيا ) ؛ لكن تلك المصادرات لا تلامس شغاف القلب و لا ترشح من نضح تجربة انسانية ولا تفتح لنا مغارة ( علي بابا ) لفهم الكثير من أسرار الحياة الحقيقية مثلما فعل الموصوفون ( بدائيين) الذين أراهم كائنات برية إستعصت على الترويض القاتل للروح الجامحة ، ويشارك البدائيين بعضٌ من الموهوبين في إمتلاك رؤية كونية يسندها ضمير مثقل بالهم الانساني اينما وجد ( توم شادياك مثالاً ) ، هؤلاء جميعاً وضعوا قوانين للسعادة في هيئة خوارزميات بسيطة لها سحر القانون الطبيعي وجمالُ صياغته الرياضياتية المبهرة .

لكن لماذا يرتبط السعي إلى مزيد وفرة مادية بشكل من أشكال الجنون الجمعي القاتل والطاغي في عصرنا هذا ؟ يبدو لي أن صناعة الجنون هذه تتخلق من تداعيات لعبة قاتلة مفتوحة النهايات Open – Ended Game تنشأ من نمط الحياة البشرية المعاصرة المصممة على أساس اعتبار الحياة البشرية لعبة صفرية النتائج Zero – Sum Game بما يفضي الى نشأة تنافسية طاغية تميل إلى تعظيم الارباح المتحصلة من هذه اللعبة القاتلة مع غض نظر متعمد عن التداعيات الخطيرة الناجمة عنها ، و في العادة يقود النموذج التنافسي ( لا التشاركي ) إلى تمركز أنوي طاغ يقود الى انتفاخ ذاتي يطفئ مكامن البهجة والاستمتاع بالقليل الذي بين أيدينا ؛ فالجسد – ومن خلفه الروح – مستنفران دوماً في حالة طوارئ ممتدة استجابة لظروف المعركة الحاسمة التي ترمي الى اقتطاع حصة أعظم من الكعكة الارضية ( النموذج التنافسي يرى الارض محض كعكة ، لا مستودعاً يعج بالاسرار و الحكايات والخبرات البدائية المعتقة ) . يقود النموذج التنافسي هذا إلى الدخول في نفق مرعب لا نهاية له ، ويفضي إلى تدمير ممنهج و بطيئ و ثابت للذات بسبب من أن الكائن البشري ( و الكائنات الاخرى أيضاً ) قد صُمَمت جينياً وفق تصميم كوني هائل الذكاء قائم على أساس المشاركة والتواصل ، وأن هذا التأهيل الجيني الذي هو نتاج عملية تطورية ممتدة لملايين السنوات قد تم سحقه والاعتداء الصارخ عليه بفعل خبيث من أخطبوط ثلاثي الأذرع : سياسي ، إقتصادي ، إجتماعي يتحرك بمشيئة واضعي نظريات لا تتعدى ربما القرنين من الزمان !!! .
يبدو النموذج التنافسي شديد الغباوة بالمقارنة مع الخبرة الخوارزمية المعتقة لأمنا الرؤوم ( الطبيعة ) وكذلك خبرة الكائنات البرية التي إعتادت التعايش المسالم معها على وفق المشاركة والتواصل الحميمين ، ولاأحسب أن العتاد التنافسي سيصمد طويلاً أمام الخبرة الجينية المتراكمة ؛ فالأشتغال بما يعاكس توقنا الطبيعي و تصميمنا الأساسي سيفضي حتماً إلى تشوهات بنيوية خطيرة ستنعكس في هيئة إعتلالات نفس- جسدية Psychosomatic ، ولعلّ الإعتلالات الخاصة الموصوفة بأمراض المناعة الذاتية Autoimmune Diseases والشائعة في المجتمع المعاصر ( ربو ، ارتفاع ضغط الدم ، سكري ، الالتهابات الرثيوية ) هي تمظهرات واضحة لهذه الاختلالات البشعة .

هنا لابد من تأشير بضع ملاحظات أساسية :-

• من الخطل الفاحش النظر إلى موضوعة الجنون الجمعي الطاغي من ثقب باب اللاهوت أو الأيديولوجيا ؛ إذ ليس المطلوب الاحالة الى العمل على وفق وصية لاهوتية او نموذج ايديولوجي ، ولا ينبغي إنصراف الذهن إلى اعتبار هذه الموضوعة على أنها تندرج في خانة تعضيد الأطروحات البائسة السائدة في نقد النموذج الرأسمالي و التبشير بقرب سقوطه الأبدي عقب أية كارثة من الكوارث المالية التي تتخذ منحى دورياً معلوماً في الإقتصاد الرأسمالي ، وكذلك اعتبار هذا النظام المسؤول الأوحد عن الاغتراب المفضي الى الجنون الجمعي في عالمنا المعاصر . إن الانصاف و العدل و المروءة تقتضي القول أن الرأسمالية ألوان شتى ، وأنها في المجمل أشبعت شعوبها ووفرت لها سبل التعليم و التطبيب المجانيين في الغالب ( مع شيء من استثناء في النموذج الامريكي ) ؛ فالموضوعة هنا لا تختص بنموذج سياسي – اقتصادي بل تتناول النزوع الفرداني في اكثر جوانبه اختصاصاً بسلوك الانسان تجاه الانسان والطبيعة لابسلوك الانسان تجاه مؤسسات قائمة مثل الحكومات والهيئات الوطنية والدولية .
• قد يحصل أن يتخذ البعض من النموذج التنافسي حجة في أنه هو المعوّل عليه في خلق بيئة تنافسية جاذبة لأرباب العمل وصانعة للحوافز المفضية الى الانجاز . هذه المواضعة دقيقة في مقايستها ؛ لكن الخطل فيها يكمن في موضعين : الأول هو أن الحوافز في النموذج التنافسي عادة ما يراد منها الدفع باتجاه انجاز يحسب نجاحه على وفق عوائده المادية حصراً ، و هنا ندخل في نفق لعبة المراكمة المادية القاتلة ، والمسألة الثانية أن غالباً مايفوت هؤلاء أن ثمة حوافز غير مادية ربما كان لها دافع أكبر باتجاه الانجاز . القضية بأكملها تعود الى وجهة نظرنا عمّا نراه و نعده ( إنجازاً ) بالمعايير المهنية . يمكن القول أن النموذج التشاركي للحياة يحمل في جعبته حزمة من الحوافز الخاصة به من النوع الذي يثري الحياة البشرية ويحافظ على سلامة التنوع البيئي ولايقود الى التدمير المنظم للانسان والبيئة .
• يملك الغربيون فضيلة التصريح بما يعانونه أو يعدونه معضلة وجودية : تلك الميزة الفائقة التي تفتقدها بيئات كثيرة ( بيئاتنا العربية والإسلامية بخاصة ) من التي تزين العاهات و تحسبها فضائل وامتيازات !!! . عرف الغربيون منذ بضعة عقود خلت أهمية أن لا يكون كل ما نفعله مأجورا Paid و ترجموا معرفتهم هذه في هيئة مؤسسات غير ربحية Non – Profit Making Institutions تعمل على الارتقاء بنوعية الحياة بعيداً عن النموذج التنافسي وقوانينه الحاكمة .

فلاح

* كاتب ومهندس عراقي

بغداد : 11 أيار 2013

 

شاهد أيضاً

ابنة الناصرة بروفيسور كلثوم عودة
نموذج يحتذى للمرأة العربية المصممة على التقدم
نبيل عودة

قصة حياة المرأة العربية من الناصرة كلثوم عودة (1892-1965) أصبحت نموذجًا يحتذى للمرأة المصممة على …

جابر خمدن: تأملات في مجموعة “أهرب من ظله” للقاصة “شيماء الوطني”

” كنا نرى في عينيه عجزه عن انقاذنا..ورغم ذلك بقينا نحكي له” ، هكذا نلج …

(سَلام صبري)..سَأَكْتُبُ عَنْكَ دَوْمًا وَلَنْ يَجِفَّ حِبْرِي.
موشي بولص موشي/ كركوك

يَسْتَقْبِلُ الْعَوَامَ وَالْأُدَبَاءَ وَيُنْجِزُ مُعَامَلَاتِ مُرَاجِعِي دَوَائِرِ الدَّوْلَةِ وَيُتَرْجِمُ الْأَبْحَاثَ فِيْ مَكْتَبَتِهِ الصَّغِيرَةِ الْمُسَمَّاةِ بِـ(الْمَكْتَبَةُ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *