قراءة في قصيدة: (تراتيلُ مطرٍ يُصَلّي) للشاعر “محمد سعيد العتيق”
د. وليد العرفي

قصيدة ذات نزوع صوفي في انجذاب متناه نحو المطلق ، وهو ما يتبدّى منذ العتبة النصية في العنوان، وما يُحيل عليه من معان ورؤى ، فعلى مستوى تشكيل البناء اللغوي للعنوان ثمة مجاوزة لنمطية التركيب في الجملة العربية التي تبدأ بفعل ثم فاعل ومتممات ، بينما نجد الشاعر يجاوز ذلك فيبدأ بجملة اسمية وتأخير للخبر الجملة الذي جاء بصيغة الحاضر ، فما الدلالات التي تحملها هذه الصيغة في العنوان ؟
تأسَّست بنية العنوان على تركيب إضافي تراتيل مطر الذي هو المبتدأ في الجملة والفعل يصلي الذي جاء خبراً ، وتراتيل تحيل على فعل قرائي في الأصل ، وهو تجويد القرآن وقراءته قراءة إنشادية ، ومنه قوله تعالى : ورتّل القرآنَ ترتيلاً ، فثمة انزياح في استخدام الشاعر للفهل الذي ينسبه إلى المطر بما يحمله الاسم مطر من دلالات حاملة معنى الخصب والنماء والتجدّد والطهر؛ فالمطر غسل الطبيعة من كل ما يشوبها ، وهو تطهير الذات من عوالق الواقع ، وإرهاصاته ، وهنا تبدو صيغة الحاضر في الفعل يُصلّي ذات دلالة عميقة جاءت لتؤكّد تكامليَّة البنية اللغوية والإيحائية للعنوان ؛ لتجعل من بنية العنوان صورة قائمة بحدّ ذاتها ، ومؤسّسة لما يندرج تحتها من إشارات نصيّة تابعة ، ومنسجمة مع العنوان وفق ارتباط عضوي جامع في إطار وحدة متكاملة يقول :
ماز لتِ في قدِّ المقامِ و في الندى في رحلةِ التكوينِ في النخلِ اليسوعِي !
يلحظ القارىء مواءمة الشاعر بين العنوان واستهلال المطلع الذي حُملت ألفاظه الدلالات ذاتها التي يشير بجلاء إلى الطهر بدال (المقام ,النخل اليسوعي ) هذا التركيب الوصفي للنخل الذي ربما لم يسبق إليه الشاعر ـــ فيما أظن ــــ ، وهي إحالة أفاد منها الشاعر من تناصية حدث اتخاذ السيدة مريم العذراء النخلة مأوى لها كما وردت القصة في القرآن الكريم
والخصب بدال (الندى )، والنماء بدال ( التكوين )
بينَ العصافيرِ التي هجرتْ عرا ……..ئــــشَها على خفقاتِ روحي و الدموعِ !
غير أن هذا الإرث الذي يُحيل على جغرافية مكان محدّد ، لا ينغلق الشاعر في محدداته المكانية ، وإنما يبدو نزوع الانعتاق منه إلى اللامكان الذي يجده في رومانسية المشهد الذي يرسم الشاعر لوحته بألةان تجمع بين الجمال الرومانسي من جهة ، والحزن الذاتي من جهة أخرى فالوجود متحقّق للشاعر بين العصافير بما تشير إليه من حرية و فضاء باعث على حالة الفرح لكن الشاعر سرعان ما يُباغتنا بهجرة هذه العصافير لعرائشها ما يعني واقع استلاب من كينونة ، وانخلاع من جذر يبدو سبباً منطقياً لحالة الأسى والحزن التي تتبدّى بالــ (خفق القلب والدموع )
ضُمّي استباحاتِ المُدَى و تقطَّعي نُدفًا و نامي بينَ أسرابِ الشموعِ !
ويبدو الأسلوب التعبيري المرمّز في لغة الشاعر العتيق قد نحا إلى تجريدة الصوفي الذي يحاول الكشف ، إذ نقرأ لغة مختلفة في صياغتها ، ودلالاتها العميقة ،كما في التركيبين استباحات المدى ، وأسراب الشموع
و أنا أوشّحُ وجهَكِ المنسيَّ بالـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ……ــماءِ المقدَّسِ و الأناملِ و الربيعِ !
يبدو الشاعر فاعلاً في الموقف ، وهو ما يبرز في ظهور الـ أنا ؛ ليكون مؤثّراً في صيرورة المخاطبة عبر أفعال يقينية دالة على السمو والتجدد بتوشيح الشاعر الوجه المنسي ومدّه بطاقة من الحيوية والسمو (الماء المقدس) وهي من صفات البعث ودب الحياة في هذا الوجه إذ النسيان في دلالته الأخيرة نوع من أنواع الموت في الحياة
تمشي تهرُّ الطينَ أنهارًا على لغة الغمامِ و تستريحُ منَ الخشوعِ
قد تحوَّل إلى حقيقة مُدركة وحياة جديدة تبدّت من خلال أفعال الحركة الحقيقية في الفعلين : (تمشي وتهر ) واللغة التي تبدو لغة مغدقة بخصوبتها وإشراقاتها المكتنزة بالحياة والجمال إنها لغة الغمام
طيرٌ يُجدِّلُ منْ تلافيفِ الحقو … لِ سنابلًا صلَّى على محرابِ جوعي !
وينغمس الشاعر في الطبيعة على غرار الرومانسيين المثاليين فها هو يرى في الطير صانعاً ماهراً يُشكّل في الطبيعة مشاهد من الجمال والبهجة والسعادة التي توازي في ذات الشاعر حالة من البؤس والفقر ، إنها صورة المفارقة الي يعيشها الشاعر ، وهي حالة الجوع المعنوي ، وليست الفقر إلى ماديات الحياة ، وهو ما يُثير التساؤل عن سبب ذلك الشعور الذي لا يُطيل الشاعر انتظار متلقيه ؛ ليكون الجواب بقوله :
قلبي يفتِّشُ عن ملامحِ طيفها عنْ وخزةِ الذكرى و عنْ طللِ الرجوعِ
إنها حالة الفقد التي يعيشها الشاعر ، وهو افتقاد معنوي أكثر منه افتقاد لمحسوس مُجسّد في شخص ، أو هيئة ، إنه توق الصوفي إلى أفق غير مرتادة ؛ فيبدو الشاعر غائباً في حالة من الانشداه بعالمه الخاص ، وانسياحاته الجمالية ، وهو رغم ما يعانيه من خيبات يأتيه الهوى مُنبّهاً وداعياً له لليقظة والاستبصار :
رغمَ انكساراتي يُفيِّقُني الهوى أصبو إلى تعويذةِ الخيطِ الرفيعِ
وتتجلّى ثنائية : الغياب / الحضور ، والذكرى/ الحاضر ، الفقد / الحياة يقول :
ما زلتِ شهقَةَ متعبٍ رسمَ التبا ………سي فوقَ جدرانِ الغيابِ على الضلوعِ !
العُشبُ يفلتُ منْ يديكِ رسائلًا تبكي و رائحةُ الصنوبرِ في الربوع
فالاستمرار (ما زلت ) يتلاقى بــ (الغياب )
العشب رمز الحياة يتفلّت في إشارة إلى الموت في مقابل انتشار رائحة الصنوبر التي تملأ الربوع ، والشجر يمتنع عن الحراسة والغناء :
وتوقَّفَ الشجرُ الأمينُ عنِ الحرا ………سةِ و الغناءِ و خَلوةِ الطفلِ الرضيعِ !
أنا مذْ عرفتُ بأنّها رحلتْ و ظِلُّ ………. حفيفِها بيني ارتعاشٌ في جميعي !
، إنها المفارقة القائمة على متناقضات الحياة التي يعيش الشاعر أوجه اختلافها في لحظة كونية واحدة ، وموقف عاطفي انفعالي ، وقد وصل إلى اكتشاف الحقيقة بالمعرفة ، وهي ما جعلت منه حالة قلق دائم يجد نفسه أسيرة انغلاق على حالة المعرفة والكشف التي وصل إليها .

شاهد أيضاً

نـجيــب طــلال: باب ما جاء في احتفالية النــضــال (02) !!

بــاب الــنـضـــال : وبناء على ما سبق قوله ؛ فالنضال أساسا وظيفة ذاتية تلقائية لا …

توظيف التراث في رواية (قرد من مراكش ) للروائي مصطفى القرنة
بقلم الناقد/ محمد رمضان الجبور/ الأردن

استطاع الروائي مصطفى القرنة أن يجعل لنفسه لوناً يميزه عن الأخرين فكتب العديد من الروايات …

رواء الجصاني: الجواهري في لبنان، وعنه: إفتتـانٌ وشعـرٌ.. ومصاهرة!

تناقل العديد من وسائل الاعلام، في الايام الثلاثة الماضية، ابياتَ شعـرٍ عن المأساة اللبنانية الاخيرة، …

تعليق واحد

  1. د . محمد سعيد العتيق

    لله درك دكتور وليد على هذه الاضاءة التحفة لك ولكل القراء و القائمين على هذا الموقع تحياتي و مودتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *