صباح هرمز: مسرحيات يوسف الصائغ بين الخيانة و الانتماء
أولا: ديزدمونة وجدلية الشرق والغرب (ملف/6)

إشارة:
رحل المبدع الكبير “يوسف الصائغ” غريبا في دمشق ودُفن هناك بعد أن قتلته السياسة التي لا ترحم المبدعين واستكثر عليه رفاقه “المبدعون” تعليق لافتة ترثيه. أغنى الصائغ الإبداع العراقي والعربي شعرا ورواية ومسرحا وسيرة وفنا تشكيليا وعمودا صحفيا (افكار بصوت عال). أين اصبح الـ 2000 تخطيط التي أخبرني بها؟ وأين صار كتاب الأدب المكشوف الذي طلب مني كتابة مقدمته؟ تحتفي أسرة موقع الناقد العراقي بمنجز الصائغ الكبير وتدعو الأحبة الكتاب والقراء إلى إغنائه بما يتوفر لديهم من مقالات وصور ووثائق.

اسرة موقع الناقد العراقي

مثلما أستقى يوسف الصائغ مسرحية (الباب) عن قصص الف ليلة وليلة، واستفاد منها، ووظفها في مسرحيته هذه، كذلك فقد أتبع نفس المنحى، بالتعويل على مسرحية(عطيل) لشكسبير في مسرحية (ديزدمونة)، من حيث عصرنة أحداثها، وسحبها من القرن السابع عشرالى القرن العشرين، ورسم ابعاد شخصياتها، بما تحدو الخيانة فيها، تنتقل من شخصية واحدة الى خمس، اي بأضافة اربع شخصيات اخرى، وهى عطيل وديزدمونة واميليا وكاسيو، وهي كل شخصيات المسرحية تقريبا لتغلف بذلك الخيانة الجو العام للمسرحية ويسود مبدأها المطلق بدلا من النسبي.

+ولاشاعة هذه الحقبة مناخاتها، فقد استخدم المؤلف الوسائل الحديثة التي كانت غير متوفرة ومعروفة في القرن السابع عشر، كألة التسجيل، وصوت منبه السيارة، ورنين جرس الهاتف، والحقنة، بالاضافة الى استحداث شخصية (المحقق) بأعتباره ممثلا عن القانون.
يعتمد المؤلف على احداث المشهد الثاني من الفصل الخامس لمسرحية (عطيل) شكسبير المتكونة من فصلين والدائرة في سرير( ديزدمونة) ، ويرتئي الصائغ أن يطلق على المكان الذي تنام فيه ديزدمونة ( مخدعها )بدلا من سريرها ، كما ويؤاثر أن تضيء الشموع غرفتها بدلا من مصباح شكسبير ، وان يبدأ عطيل أول ما تبدء المسرحية بجملة (ازفت الساعة فليكن ما يكون ) بدلا من جملة ( تلك هي العلة يا نفسي ) ، وكلا الجملتين تعطيان نفس المعنى ، وهو ضعف رجوليته وهذه الجملة المعروفة تاتي على لسان ( ياكو)في ديزدمونة بعد مرور خمس صفحات على بدايتها ، ولكن ليس بنفس المعنى وإنما لإستعادة الكون انسجامه .
ولو أمعنا في الجمل التي جاءت في بداية المسرحيتين، تحديدا في الصفحتين الاولين منهما، لوجدنا تقاربا وتشابها كبيراً بينها، على سبيل المثال: ديزدمونة في (عطيل): أتذكر الموت؟ وفي ديزدمونة: وأي موت؟. ديزدمونة في (عطيل): لا..لا الان… (أي لا اريد ان أموت الان).. في ديزدمونة: لو أنتظرتني الى غد… (أي لوقتلني غدا)…
وفي كلا المسرحيتين يقبل عطيل ديزدمونة قبل خنقها ديزدمونة في عطيل: ليس من المألوف قتل المحب من اجل حبه. عطيل في ديزدمونة: فنحن بسبب المحبة ولفرط الرجولة والشجاعة.. نتعب ونحزن.. ونخاف.. فنقتل زوجاتنا…
ان جديد هذه المسرحية بقدر ماهو انقلاب على احداث وشخصيات (عطيل) شكسبير مع الاحتفاط بتسميتها الرئيسة وهى الصراع القائم بين الشرق والغرب او لنقل بين التخلف والتطور، يسعى المؤلف بمروره عبر هذا المنفذ ايجاد منافذ اكثر حداثة وعصرنة لها، وذلك من خلال اللجوء الى ترتيب اصطفاف شخصياته على أساسها الطبقي، ورسم أحداثها على ضوء ممارستها للخيانة، بتقسيم الشخصيات على فئتين، وتوزيعها وفق علاقتها مع بعضها، وبالمقابل خيانتها للاخر، وعلى هذا الاساس تضم الفئة الاولى كلا من عطيل وأميليا والفئة الثانية كلا من ديزدمونة وكاسيو وياكو وبذلك تكون ديزدمونة قد خانت عطيل مع كاسيو، وخانت أميليا ياكو مع عطيل.
قد تبدو الغرائبية في شخصية عطيل تجاه أميليا وبالعكس أميليا تجاه عطيل قياسا بمسرحية (عطيل) شكسبير، ولكن بالنسبة لمسرحيتنا هذه تتجرد العلاقة القائمة بينهما من غرائبيتها، ذلك لما تتسم به من مسوغ الاقناع، وتتلخص هذه المسوغ، بنأي ديزدمونة نفسها عن مخدع عطيل، لأهانة رجولته بهذه الطريقة الخسيسة، حيث ترتفع على طبقته، ولاتنتمي الى انحداره البدوي المغربي حتى وان كان قائدا للجيش في البندقية، وتلعب لون بشرتهما لون بشرة عطيل السوداء وبشرة كاسيو البيضاء، دورا كبيرا في هذا التمايز والتفاضل وهذا ما ينطبق على اميليا ايضا بأعتبارها وصيفة ديزدمونة وزوجة رجل شرير معروف بالدسيسة والنميمة تطمح ان تحتل موقع ديزدمونة وتتبوأ مكانتها كعشيقة عطيل سيما ينحدران بالانتماء الى نفس الطبقة .
وثمة اكثر من جملة تاتي على لسان عطيل تعبر عن انحداره من الاصول الشرقية، وتبنيه لعاداتها وتقاليدها الباليين والمتخلفين، عقلا وفعلا.
1- عطيل: لماذا يتوجب على الرجل ان يكون رجلا وعلى المراة ان تكون إمراة .
2- عطيل: ترى بماذا تحلم هذه المرأة؟ وعلام تبتسم هذه الابتسامة اللغز؟ ان ذلك لعمري يمس المرء في رجولته.
3- عطيل: ما الذي يدفع رجلا مثلي إلى قتل زوجتة؟ قد يكون بسبب الحب.. او الغضب.. او الضجر.. من يدري؟ صدقني لو كنت اعرف جوابا على سؤالك لما قتلتها…
وإقتران المنديل كعنصر اساس في حبكة المسرحية بأنجذاب أميليا الى عطيل من جهة، وديزدمونة الى كاسيو من جهة اخرى، وامتداد هذا العنصر كحلقة وصل بينهما بين الضدين، زاد من مسوغ توظيف هذا العنصر، بأتجاه السير في خطين متوازيين الى النهاية، وعدم رجحان كفة ميزان فئتي شخصياته الاربع التي اتخذت من وضعية التقابل شكلا لمعمارية بنائها المسرحي أميليا من خلال سعيها سرقة منديل ديزدمونة واكتشاف عطيل لهذه السرقة وإعطائه لها لتغدو هذه الحادثة ذريعة لاميليا للافصاح عن كرهها لــ ياكو وحبها لــ عطيل، وكاسيو عبر ايجاد عطيل منديل ديزدمونة عنده ودعوته لمراقبتها.
1- عطيل: وهل تحسبين المنديل قادرا على ان يجعلك تحبينه، أحريصة انت على ذلك؟
أميليا: أه ياسيدي.. انه لعذاب أن نعيش مع من لا نحب..
2- عطيل: ما بالك ترتعش ايها الفارس.. ايكون ما تكتمه
فظيعا الى هذا الحد؟ صدق حدسي.. قل.. اذن.. ديزدمونة أليس كذلك؟
كاسيو: (لا يجيب)
عطيل: مع من يا صديقي؟
كاسيو: اشهر سيفك واقتلني.. فذاك أهون..
ونأي ديزدمونة بنفسها عن مخدع عطيل، تحت ذريعة إصابتة بالعجزالجنسي، ونفي أميليا لهذا الأمر له دلالتان، فاذا كانت الدلالة الاولى تشير الى عجز الشرق عن التقدم والتطور والانفتاح على العالم الخارجي بسبب اغلاق الغرب للمنافذ التي تؤدي الى ذلك، فأن الدلالة الثانية، وأن كانت بهذا القدر او ذاك تومئ الى نفس المعنى عبر كشف أميليا علاقتها الجنسية بعطيل، الا أنها في الوقت نفسه تمنح معنى مغايرا للمعنى الاول، وهو عدم عجز الشرق اللحاق بالغرب واختراقه فيما لو توفرت الظروف المتاحة والفرص السانحة له .
ان المؤلف يضخ مسرحيته بالرموز القابلة للتأويل بهدف تكوين تشكيلات جمالية من جهة كما في ميزانسين تقابل فئتيه، ومن جهة اخرى لازالة بعض الغموض والضبابية القائمين في (عطيل) شكسبير، وخاصة في حوارات (ياكو) بعدم التميز بين الحوارات الجادة وغير الجادة، أو التي تنطوي على الاكاذيب، كما جاء مثلا في المشهد الأول منها تصريحه الكاذب بعدم معرفة (كاسيو) شيئا عمليا بالمرة عن الحرب .
أقول لازالة هذا الالتباس، استعان بشخصية (المحقق) الرامز الى العصر الراهن والتكنولوجيا المتطورة، للتحري عن جريمة قتل (ديزدمونة) والعلاقة القائمة بين الشخصيات مضافا جعل هذه الشخصيات بألا تبقى على وعيها، أما عن طريق زرقها بالحقن كعطيل، او تخديرها بالكحول كياكو، لترجع الى واقعها وتصبح اكثر جرأة في قول الحقيقة، كما حصل لياكو في أول لقاء له مع المحقق، حيث أعترف حالا بتحريض عطيل على قتل ديزدمونة، أما في اللقاء الثاني فقد حاول التراجع عن اعترافه الاول بدعوى النعاس، الا ان المحقق كان اكثر ذكاء منه عندما استعان بصوت اميليا لتنهار معنوياته ويرضخ للامر الواقع. أما عطيل فبعد محاولة خنق ديزدمونة الفاشلة يفقد عقله حيث يقول بذهول: هش.. لااسئلة.. كل سؤال هو جريمة جديدة داعيا اميليا الى السرير وطالبا منها أن تعطيه يدها والا تخاف منه، ذلك ماتلبث يدها أن تدفأ بين كفيه وهو يجلسها على السرير الى جانبه، وهذا ما كاد ينطبق على تردد أميليا وكاسيو بعلاقة الاولى بعطيل، والثاني بديزدمونة، الا انهما تحت ضغط المحقق وذكائه يستدرجهما الى الكشف عن هذه العلاقة.
1-المحقق: لا تغالي يا صاحبي أنني لأتحسس تحت لسانك قلبا ينبض لاسئلتي؟
كاسيو: فأكتف اذن.. وصدقني.. خائنة.. ها أنا اقولها للمرة الاخيرة.
2-المحقق: وسرقته..؟
أميليا: .. اجل في احد الايام التي جمعت شجاعتي واخذت المنديل، وفي اللحظة التي أوشكت فيها أن اخفيه بين ملابسي دخل سيدي المخدع.. ورأني..
تهدف إعادة كتابة الصائغ عطيل برؤية جديدة إلى أمرين أثنين، أولهما إن عنونة مسرحيته باسم شخصية أخرى تبزعطيل وهي ديزدمونة، تنم انه كتبها كرد إعتبار لديزدمونة التي همشها شكسبير، ولم يعنون المسرحية باسمها، ظنا منه ان شخصيتها لا تقل شأنا عن شخصية عطيل، إن لم تكن تضاهيها، مبرهنا على انها هي الشخصية الرئيسة وليس عطيل، وثاني الامرين هو انه كتبها كرد اعتبار لعطيل من حيث سرعة تصديقه بدسيسة ياكو في ايجاد منديل ديزدمونة عند كاسيو، ونعت عطيل على اساس هذا التصديق السريع بالمغفل، فلجأ المؤلف الى قلب هذه المعادلة عبر تظاهر عطيل بتصديق ياكو، مستفيداً من هذه الكذبة لقتل زوجته، مدركا ان الكذبة لن تلبث إن تفضح، وبذلك تقلب الادوار فيصبح ياكو هو المغفل الأكبر.
وان دل هذا الإخفاق والعجز من جهة، والقدرة على الإخصاب من جهة ثانية، وبالمقابل الانقلاب على ياكو من جهة ثالثة، إن دل كل هذا على شيء، فإنما يدل على أن شخصية عطيل مركبة، لتحليها في اكثر من صفة، والشخصية المركبة غالبا ماتكون قوية، الا ان خيانة ديزدمونة له أضعفته، ليبدو أقل شأنا منها، وتتفوق عليه، وهي تموت وتعود الى الحياة، وتنتحر، ويصرخ بأسمها بعد انتحارها بوحشية معترفا بهزيمته أمامها بعدم قدرته على إماتتها وهو يقول الى كاسيو: صمتاً ياغراب النميمة.. وأعد سيفك الى غمده.. وسأكسر أنا سيفي.. اجل.. اناما استطعت ولن استطيع. (أي لا يستطيع قتلها).
كما إن شخصية ديزدمونة بتركيبتها الجامعة بين صفتين، وهما الانجذاب لعطيل،أو هذا ما تبدو عليه، وخيانتها، تميل أن تكون مركبة، ولكن تحليها بالصفة الأولى تجاه عطيل وقتية، إذ سرعان ماتزول لان كان ذلك قبل الزواج، قبل ان تستحثه، فأختطفها ذات ليلة.. وعند ذلك أمتلأت شماتة…
أما شخصية ياكو فهي واضحة، وما يقلقه هو انتهاك القوانين، ولا يرجع قلقه هذا الى حالته الطبيعية، الا بأستعادة الكون انسجامه، وتلك هي علته، وذلك هو إحساسه بالظلم، علته هي الجمع بين القرد والحمامة، أي بين عطيل وديزدمونة، بين البشرة السوداء والبشرة البيضاء بين الشرق والغرب.
ياكو: برهان انه من الممكن أن ينبت للقرد قرنان.. وضعت المنديل تحت أنفه وقلت له.. شم أيها المغربي هذا منديل تعرفه جيداً.. وجدته عند ملازمك كاسيو…
بينما أتسمت شخصية (كاسيو) بالجمع بين حبه وإحترامه لعطيل بشكل غير مألوف وجنوني من ناحية، وترقيته من قبل عطيل مساعداً له من ناحية ثانية، وبين خيانته له مع ديزدمونة من الناحية الأخرى، بافتقاره، افتقار هذا التناقض المبني على الحب والاحترام والمنفعة، مقابل الخيانة الى مسوغات الاقناع. واغلب الظن ان علاقة كاسيو بديزدمونه قد جاءت من منطلق إنسلاخ ديزدمونة من طبقة عطيل، وتبنيها لطبقتها من جديد عبر كاسيو، وبعبارة اخرى ان ديزدمونة هي التي أغوت كاسيو نحو الخيانة، خيانة الاثنين لعطيل، هي كزوجة، وهو كصديق أمين ومساعداً له لذلك بدت شخصيته باهتة، تسعى اللهاث خلف الشخصيات الاخرى للمسرحية، علها تلحق بها، ولكن دون جدوى.
من الملفت للنظر إن الجملة التي تومئ الى غيرة الرجل الشرقي على زوجته، وعدم توانيه إماتتها بفعل أبسط هفوة صادرة عنها، تتكرر على لسان عطيل أكثر من سبع مرات، وفي كل مرة بصيغة تختلف عن الأخرى. في المرة الأولى في جملة: فنحن بسبب المحبة ولفرط الرجولة والشجاعة.. نتعب ونحزن.. ونخاف.. فنقتل زوجاتنا.. أو نقتل أنفسنا…
وفي المرة الثانية وكأنه يتحدث لنفسه: شيء عجيب لماذا يتوجب على الرجل ان يكون رجلا.. وعلى المرأة أن تكون امرأة..
والمرة الثالثة: … بماذا تحلم هذه المرأة؟ وعلام تبتسم هذه الابتسامة اللغز؟ ان ذلك لعمري يمس المرء في رجولته.. الرابعة: قل لي ايها الغريب.. ما الذي يتوجب على المرء ان يفعله ليظل رجلا.. فإذا لم يستطع فبأيما وسيلة يمكنه إن يستعيد رجولته؟
الخامسة: ما الذي يدفع رجلا مثلي الى قتل زوجته؟ قد يكون بسبب الحب او الغضب او الفخر، من يدري؟ صدقني لو كنت اعرف جوابا على سؤالك لما قتلتها..
السادسة: انت على حق لشد ما تتشابه النساء ….. ألم يقتلك ياكو حتى الآن ايتها الوصيفة؟
السابعة:(مرة أخرى) ما الذي يدفع رجلا مثلي
الثامنة:(مرة أخر ى) قد يكون بسبب المحبة أو الغضب
التاسعة: يالها من مهنة اسمها الزواج.. ان تحب امرأة لكي تقتلها.. مدركا.. انك دون ذلك تفقد حقك في ان تكون وفيا….
العاشرة:(مرة ثالثة) فنحن بسبب المحبة…
واذا كانت كل هذه الجمل تفضي الى مغزى واحد، وهو تخلف العقل الشرقي، فأن تكرار جملة (اسألوا ياكو يعرف كل شيء) على لسان عطيل لثلاث مرات تقف في مواجهة التخلف، بما تعنيه، من أن سبب هذا التخلف هو مؤامرات الغرب، متمثلا بياكو، وكذلك تتكرر جملة (الإعداء كثيرين) على لسان عطيل اكثر من مرة، لتمنح ذات المعنى.
عمد المؤلف الى ادخال عنصر ثالث في الحوارات الدائرة بين الشخصيات وهي اصواتها، مستخدما إياها في ثلاث حالات، وهي حالة نوم الشخصية او تخديرها، كما في حالة عطيل، او حجبها واخفائها عن الشخصيات المتحاورة كمافي ديزدمونة، وفي الحالة الثالثة عن طريق الفلاش باك، كما في اميليا، والهدف من هذه الاصوات غير المرئية او المباغتة للشخصيات المتحاورة، هو الكشف عن ابعاد الشخصية والوقوف على حقيقة حوارات الشخصيات الاخرى بشكل أفضل كما في اصوات عطيل من جهة، ومن جهة ثانية، لتقديم الشخصية مبررات تصرفها كمافي اميليا، ومن جهة ثالثة، لتنبيه الشخصية المتحاورة والكشف الاكثر عن حقيقة صاحب الصوت، كما في ديزدمونة، وقد جاء توظيف صوت عطيل واحد (21) مرة، وديزدمونة (8) مرات، أما أميليا (3) مرات فقط.
إن معظم الاصوات التي جاءت على لسان عطيل عبرت عن شخصيته الشرقية، وارتيابه بالمرأة، وسبل إماتتها، نتيجة غدرها وخيانتها، ماعدا همهمتين تصدران عنه رداً على أميليا، في المرة الأولى تأكيداً على قتل ديزدمونة من قبل ياكو من خلال تحريضه عطيل، والثالثة أيضا للتأكيد على شماتة ديزدمونة منه بعد الزواج. ويأتي ثلاث مرات على كلمة (كذابون) رداً على حوارات كاسيو مع المحقق، ومهدداً وواعداُ مرتين.
إما أصوات ديزدمونة الثمانية، فأن الستة الاخيرة منها، كشفت العلاقة التي تربطها بـ كاسيو بصورة اوضح من خلال وصفها له بالمنافق والشهم، وتحذيره، ومحاولتها ان ينفي كلامه، وقولها وافضيحتاه، ودعوتها لتلعنه السماء.
بينما اكتشفت أصوات اميليا الثلاثة الدفاع عن نفسها حيال علاقتها بعطيل، وسرقتها للمنديل.
1- صوت اميليا: توهمني زوجته.. فجمدت في مكاني- وانتابني إحساس عجيب بأنني زوجته حقا.. وهفا له عقلي وقلبي..
2- صوت اميليا: فلتقطع يداي ان انا سرقت اي منديل
3- صوت اميليا: أعطاه لي مولاي..
وأخيرا هل استطاع الصائغ إيصال شفرة الخيانة للمتلقي، وبالاضافة الى ذلك، هل أفلح بالانتقام من شكسبير في قلب معادلة تبادل الادوار بين عطيل وياكو، وبالتالي الصراع القائم بين الغرب والشرق؟ …
لعل هذه الاسئلة وغيرها من الاسئلة تظل عالقة في ذهن المتلقي، وهو يأتي على تلاوة أخر سطر من سطور مسرحية ديزدمونة، هذه القطعة الفنية الرائعة الفريدة من نوعها بين النصوص العالمية…

شاهد أيضاً

ثلاثة جياد بين الروائي أري دي لوكا والقاص محمود عبد الوهاب والشاعر بلند الحيدري
مقداد مسعود

إلى .. أخي وصديقي ولدي الغالي مسعود 1- 2 حين اشتريت نسخة ً من رواية …

من أقوال الروائية “إيزابيل أللندي”

# الأم والوطن لا يمكن المزاح فيهما: إنهما مقدسان # حيث توجد النساء، توجد الحضارة …

شكيب كاظم: ناقدٌ ومحللٌ ادبى كفأ
عبد الهادى الزعر

كم أكن سعيدا حين أقرأ شيئا لشكيب كاظم – – ثقافة موسوعية مزادنة بالغنى والعمق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *