محمد عبد حسن: ذاكرة من زجاج (ملف/38)

إشارة:
جماعة “البصرة أواخر القرن العشرين” جماعة فريدة ليس في تاريخ السرد العراقي فحسب بل في تاريخ الأدب العراقي عموما. فهي لم تكن “الجماعة القصصية” الأولى في تاريخ العراق فقط بل كانت مشروعاً تثويرياً في النظرة إلى دور السرد خصوصا في واحدة من أخطر المراحل التي عاشها العراق بانعكاساتها الهائلة على رؤية الأديب ورؤاه. اقتنصت هذه الجماعة الإمكانية العظيمة لفعل الكلمة المقاوم حبن ترتدي أثواب الفن الباهرة فيمكنها أن تكون ماسة تلمع وتقطع في الوقت نفسه. وإذ تنشر أسرة موقع الناقد العراقي تراث هذه الجماعة وما كُتب عنها فلأنها “ظاهرة” تستحق الدراسة لاستنباط دروسها. تحية لجماعة البصرة أواخر القرن العشرين. ويهم أسرة الموقع أن تتوجّه بفائق الشكر والامتنان إلى الأديب الأستاذ “محمد عبد حسن” مؤرّخ هذه المجموعة وواحد من المساهمين المهمين فيها لأنّه زوّد الموقع بأغلب نصوص هذا الملف.
أسرة موقع الناقد العراقي

صباح ليس كالصباحات الأخرى. يوم له رائحته. أجلس وحيدًا في الغرفة الصغيرة الملاصقة للبوابة الكبيرة عند المدخل الرئيس. أمامي تمتد العارضة الحديدية مجتازة الطريق ليستقر رأسها عند الأخرى المضطجعة فوق الطريق القادم من الجهة المقابلة. الغرفة أمامي فارغة. على جانبي الشارع، الممتد إلى الداخل، صفّان من أشجار عالية تغيّب كل شيء في الداخل. كنتُ وحدي. عيوني تلتصق بالواجهة الزجاجية المضببة. في الخارج.. كلّ شيء ساكن سكون الموتى،/أعلم بما حصل هناك.. في المدن البعيدة، تسللتْ الأنباء إلى أذني، تنقّلتْ بحذر بين أروقة المباني الضخمة. غابتْ بعض الوجوه، أصبحنا نراها لحظات خاطفة.. قلقة. وعندما عدت ذات ليلة لم أجد المذياع الصغير الذي كنت أحتفظ به تحت وسادتي/، أفتقدُ زقزقة العصافير في مثل هذا الوقت من الصباح. فتحت النافذة. أنعشني الهواء الداخل. بقايا رطوبة الليلة الماضية تتلامع على إسفلت الشارع. كنت وحدي. وكان كل شيء في الخارج ساكنًا.. سكون الموتى.
* * *
لستُ منسلخًا من عالم آخر. لستُ هجينُا. ما زالت الطقوس محفورة بذاكرتي. سأحدثك كي تُصدّق، أريك الأشياء التي أحتفظ بها في الغرفة العليا: “المشامر” الخضر، أعمدة الخيام، القدور النحاسيّة المسودّة، “الصنوج”، السيوف.. بقي منها سيف واحد.. صدىء . كانت أشياءَ ورثتها عن أبي، أوصاني بها. عندما مات، بعتُ الخيل كي أتمكن من دفنه وأوفي ما بقي من ديونه. نقلت أشياءه الى الغرفة العليا، أعدتها الى صناديقها بعد أن زهد بها كل من تفحّصها. فقط بعت السيوف، قماش الخيام، وذاكرتي.. بعتها، نسيتها، بصراحة أقول لك: خبأتها تحت المنبر، ما زال قائمًا في غرفتها، تُلبسه السواد في اليوم العاشر. لم يشترِه أحد. خافوا. قال لي شيخ لا أعرفه.. أو ربّما كنت أعرفه.. قال لي: إتق الله يا رجل، احفظه في بيتك للبركة. عدت به مع بعض الأشياء الأخرى. أردت تهشيمه، تحويله إلى منضدة.. سرير يصدّ عني رطوبة الأرض الطينية التي تلتهم ظهري ليلاً. كان الشتاء يقترب. أتذكر البيت الطيني.. الأماكن التي ترشح بمجرد أن يبول قطّ على السطح. اشتريت تراباً وتبناً. “خمرته”. “لطشت” السطح. رصفت البيت بطابوق “فرشي”. وكانت تراقبني صامتة. تنقل المنبر من ركن لآخر. استقر أخيراً في غرفتها. رفضتْ أن أحوله الى سرير، فتركته لها.. وتركت ذاكرتي تحته.
* * *
(شاهت الوجوه)، قال لي.. ثم حوَّل بصره عني. أدار لي ظهره. تحوّلت لأجثم أمامه. سيدي. كان مطرقًا. تخفي استدارة عمامته السوداء وجهه. مولاي. رفع رأسه إلي. كان وجهه مضيئًا. خلف نظارته.. لمحتُ عيونه تترقرق. (ماذا تريدني أن أقول لك)؟ جسر النظارة الممتد فوق أنفه أصبح مبتلاً. تسربتْ قطرات من تحته، سالتْ على خديه. رفع نظارته. جفف وجنتيه بكفه. (ماذا كنتَ تنتظر)؟! /أنتظر المطر. كنت أقف عاريًا. السماء مثقلة بالغيوم. كانت تهبط. وكنت أرقبها.. عارياً. ستموت.. تتجمد. تظنني مجنوناً. أريد أن أغتسل، قلت لها. القذارة تغلّفني. السماء، وحدها، قادرة على تطهيري.. رفع قذارتي. كانت تحدثني دون أن تنظر إلي، فهي لم ترني عارياً منذ أن فصلتُ فراشي عن فراشها. أنتظر المطر. انتظرت. ولكنه لم يسقط. سأبقى قذرًا. ارتديت ثيابي وخرجت. وسمعتها خلفي تتمتم بشيء ما قبل أن ترشق “طاسة” مائها المعتادة لتضمن عودتي/./ عدتُ حاملا ما تبقى من ماضٍ. كنت أريد محوه لأنطلق. ألقيته وسط الدار. أفرغت محتويات الكيس. لم يكن كيساً واحداً. ظهرت القدور النحاسية السود، قطع قماش خضراء.. حمراء.. بيضاء متسخة. تفحصتها. كانت جالسة على درجة المنبر السفلى تنظر إليّ.. صامتة كعادتها. صمتها يأكلني. تريدني أن أكمل طريقه، أسير على هداه. وكنت أبحث عن بداية أخرى.. هناك، في مدن لا يخفي “السواد” حيطانها. أي هاجس كنت تعيشه؟! عن أي انطلاق تبحث!؟ (انطلق.. إنطلق إذا أحببت. يمكنك أن تبتعد. ولكن ذاكرتك ستبقى.. ستبقى تتذكر). أتذكر التفاصيل. أراه واقفًا بقامته المديدة رافعاً طرف “دشداشته” بحزامه، طاويًا سرواله تحت ركبتيه.. ينضح عرقًا، يستقبل الجموع السود، الصدور التي ألهبتها الأكف. كانت تلك هي اللحظات الأولى، ولادة شرعية.. كأن تجد نفسك في حضن أمك. كنت أجد نفسي تحت المنبر، أو قريباً منه. أحمل معها “القصائد”، ترتّبها بعناية قبل أن تخرج: تفرش قطعة قماش سوداء.. أو خضراء، تفرشها على الأرض، تبدأ بوضع الكتب، الكتاب الكبير أولاً.. “الفخري”.. كانت تسميه. تصفّحته يومًا. قرأتُ بذات النغمة التي أسمعها كل ليلة، في الحقيقة لم أكن أقرأ، كنت أحفظ الخبر، أسمعه أولًا في بيتنا، ثم في أربعة مآتم أخرى.. فأحفظه. تضعه أولًا. فوقه ترتّب القصائد بعد أن تكون قد قضتْ وقتًا لتحديد ما ستقرؤه، تضع علاماتها.. قطع خضر، أعواد ثقاب، أوراق بيض، تُنهي كل شيء. تربطها ربطتين متقاطعتين. تنهض. أقفز معها حاملًا الكتب. أركض. أسبقها. أعرف الطرق، الأزقة، الأبواب الواطئة، الباحات المفروشة، وأعرف مكانها. أقصده. أضع الكتب حيث تريد وأجلس منتظرًا على درجة المنبر الأولى/.
* * *
بقايا ليل تهرب إلى الزوايا، تتشبّثُ بالأجساد الهاجعة محاولة الاختباء في الفسحات الضيقة بين الأرجل المثنية والمتداخلة بشكل يصعب ترتيبه في أفضل حالات الصحو. ذيول مسامير كثيرة تطل من الجدران منذ الأزل. يقظًا كنتُ ، كعادتي، في مثل هذا الوقت، عندما دخل القاعة. كان يطأ، بحذائه الثقيل، الأرجل المتشابكة. صرخ. كنت أول من نهض.. أول من غيّر ثيابه.. أول من ركض خارجًا.. أول شخص في الطابور.. أول من حمل سلاحًا.. أول من هرول باتجاه المباني الضخمة.. وأول من وصل. أمرني رجل أبرص، جسده يسدّ مدخل الباب الكبير، أمرني أن أدخل، دخلت عبر الفسحة الصغيرة الضيقة بين جسده واطار الباب إلى ممر ثلجي مضاء يقود إلى قاعة واسعة أدهشني كل شيء فيها: بلاط برّاق.. ثريات مذهبة تتدلى من السقف.. نقوش تؤطر الجدران.. تمتد في الزوايا.. أرائك واسعة من خشب لم أر مثله.. لا أعرف نوعه.. الأبواب.. بيض كبيرة تصل إلى السقف.. كرسي واحد يبدو مختلفًا عن كل ما حوله.. مسنده مرتفع، أعلى من الأرائك الأخرى. (أنت)!؟ وخزني أحدهم بعصاه. (ما بك)؟ كنت مشدوهًا.. مسحورًا بكل ما حولي. إنها المرة الأولى التي أدخل فيها هذه القاعة. كنت أقضي فترات حراستي عند البوابة الرئيسة.. على السور الجانبي المواجه للنهر.. أو هناك: حول مجموعة المباني المتلاصقة التي لم أر أحدًا يدخل اليها أو يخرج منها يومًا. (أنت)؟! رأس عصاه بين أضلعي. انتبهتُ. كان هناك خمسة آخرون يتوزعون في القاعة. أشار بعصاه إلى مكان ما: فركضت إليه.
* * *
سأحدثك، أروي لك التفاصيل، أنقل لك المشاهد كما رأيتها وأنا هناك.. في الركن الذي أشار إليه الأبرص بعصاه، واقفًا، يطوف بصري في زوايا القاعة، غائبًا.. في المدن البعيدة، ألتقط أنباءها بحذر، أعيد رسم خرائطها.. الشوارع.. الساحات.. النهر ما زال يجري كما تركته، وسيبقى، وستبقى أنت مزروعًا في رحم أخرى، لا توفر لك الدفء. مدينتك؛ كانت تضمّك.. تشدك بقوة إلى صدرها كما كانت أمك تشدّك، لقد تركتها هناك، لم ترها منذ أشهر، إنها الحرب وتوقف الإجازات.. الواجبات المستمرة ليل نهار. يقتلك القلق عليها، أين ستختبئ؟ ستطأها الأحذية الثقيلة، يمزقها الرصاص كأي جسد آخر. عرفت أن الساحات ممتلئة بالجثث، يحرسها القوّادون نهارًا.. والكلاب ليلًا. لقد انطفأ كل شيء. عادت الوجوه الحمر إلى سابق عهدها، تركت لثامها./ وتركتها أنت هناك، تبعث لها في كل شهر، مع أي شخص عابر، ما تنفقه، وكانت تدخره لك، وتنفق لا أدري من أين، سألتُها يومًا فسكتتْ، ولم ألحّ. كانت الحقيبة معلقة بكتفي، فخرجتُ/. كان الوقت عصرًا. في الخارج أنيرتْ المصابيح في وقتها المحدد، وكانت الشمس المعلقة في القاعة الكبيرة تغسل كل شيء، /إقرأ.. قال لي. كان يومي الأول. سكتُّ. بقي ينظر إليّ. إقرأ. فقرأت، ولكن …/، تسرق احمرار الوجوه، تجعلها صفرًا.. خائبة. تفحصتها، وأنا أقف في ركني محتضنًا بندقيتي، وجهًا وجهًا، إن وجهي، أنا الآخر، لا يختلف عن هذه الوجوه.. أصفر مقزز. شددت البندقية إلى جسدي. بدأت الوجوه تتكاثر، الأجساد تتبعثر في القاعة الواسعة. كان بصري مصلوبًا على البوابة الكبيرة. رأيته يدخل، يجرّ قدميه. كومة مشعة. الكتل التي تحيطه معتمة، ترفعه من إبطيه، /كنت أراه، يأتون به محمولاً، يوقفونه في مصلاه. يقف. تتركه الأيدي. يبقى واقفاً. أترقب سقوطه. أتابعه. ينحني. يسجد. ثم ينهض مرة أخرى.. وحده. أحدهم قال لي: الملائكة ترفعه/، تدفعه إليه. واقفًا كان يُحدثه. أراقب شفتيه، /إقرأ.. قال لي، فقرأت/، لا أدري بماذا كان يجيبه، جعله يغلي، يرتعد، وكان هو ساكنًا. شفتاه تتحركان. ثم …… سقطت عمامته السوداء عن رأسه. رأيتهم يتكاثرون، يلتفون حوله. كانت البندقية معي، ممتلئة، ثقيلة. خاويًا كنت.. تافهًا. أصغُر. أنكمش. أنكمش. تحوّلتُ إلى لفافة صغيرة تقبع في ركن مهمل. جاء الأبرص فركلني. تدحرجتُ إلى الخارج. أدركتُ بعدها أنني الوحيد الذي بقي. كان الجميع خارجًا. كنت أحلم. هكذا أنا.. أحلم كثيرًا. وكانت أمي توقظني. تحملني من فراشي. أنام جنبها. ألتصق بها هربًا من الكلب الأسود الذي رأيته أمس.. وطاردني اليوم.. وسأحلم به غدًا.. سأحلم به. كلب أجرب، تخفي قذارة رمادية نصفه الأسفل وقوائمه الخمس، ينهض إذ يراني، يركض إليّ على أرجله الأربعة، يشير إلي بالخامسة، أركض وهو خلفي، أركض، أترك نعليّ/أنت أضعتَ الكثير من النعل، كل أسبوع أشتري لك واحدًا جديدًا، لا أدري ماذا تفعل بها ! هل تأكلها؟!/ كنت آكلها فعلًا، أخلعه من قدمي وأعطيه للرجل الذي يدسّه فوراً في كيس قماش يحمله على أحد جنبي دراجته، ويخرج لي من الكيس الآخر كومة “حلاوة” يلفّها لي بورقة، آخذها منه راكضًا، أتلذذ بها هناك.. تحت المنبر/. /وحيدًا. أرفع طرف القماش. أمامي مجموعة كتل سود، جالسة. أمي وحدها واقفة تقرأ/. إختر لك نعالًا جديدًا. اخترته بلون رمادي، لا يشبه لون “الحلاوة” التي يعطينيها الرجل/، أمسك ذيل “دشداشتي” بأسناني. أركض. يصل إليّ. تمسكني رجله الخامسة. (أريد أن آكلك)، قال لي، (من زمان ما أكلتك). بعد أن ركلني الأبرص خرجتُ. وبقي هو في الداخل. لا أعرف ما حدث له بالضبط. لم أرَ أحدًا يضربه، ولا رأيت عمامته سقطتْ عن رأسه. أحدهم قال لي ذلك. كنت خارجًا. أحمل بندقيتي الممتلئة. أراهم بوضوح. من تحت المنبر بإمكانك رؤية كل شيء.. العالم كله، بمجرد أن ترفع طرف القماش الأسود.
سأحدثك، أروي لك التفاصيل، أنقل لك المشاهد كما رأيتها وأنا هناك.. في الركن الذي أشار إليه الأبرص بعصاه، واقفًا، يطوف بصري في زوايا القاعة، غائبًا ………….

تشرين الأول – كانون الأول / 1996
الأردن

شاهد أيضاً

صباح هرمز: مسرحيات يوسف العاني بين الرمز والموروث الشعبي
2- الخرابة (ملف/24)

كتب (الخرابة) بعد مسرحية المفتاح بثلاث سنوات عام 1970، وتتكون من ثلاثين شخصية تقريبا، ويقوم …

أرميكِ كبذرة وأهطل عليكِ
سعد جاسم وهج العشق وتنوّع المعشوقة
قراءة: رسمية محيبس زاير (ملف/9)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

علوان السلمان: اكتناز الومض الشعري في (قبلة بحجم العالم) للشاعر سعد جاسم (ملف/8)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *