سلام إبراهيم: وجهة نظر (15) عن هَمّْ الكتابة (ملف/80)

إشارة:
مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي “سلام ابراهيم” نصوصه بدم التجربة الذاتية ولهيبها. وفي اتفاق مع إشارة خطيرة للباحث الأناسي العراقي البارع د. علاء جواد كاظم الذي اعتبر روايات وقصص سلام إبراهيم من مصادر الدراسة الأنثروبولوجية الناجعة في العراق نرى أن نصوص سلام يمكن أن تكون مفاتيح لدراسة الشخصية الوطنية مثلما استُخدمت نصوص ياسانوري كاواباتا لدراسة الشخصية اليابانية ونجيب محفوظ لدراسة الشخصية المصرية مثلا. الفن السردي لسلام ابراهيم هو من عيون السرد العربي الذي يجب الاحتفاء به من خلال الدراسة الأكاديمية والنقدية العميقة. تحية للروائي المبدع سلام ابراهيم.
أسرة موقع الناقد العراقي

الكتابة هم وجودي ومصيري بالنسبة للكاتب مهما كانت ظروف حياته، هذه الخلاصة التي سمعتها في حوارات المثقفين منذ نهاية الستينات في جلسات النقاش والندوات والشرب، والتي وجدتها في بواطن الكتب وأنا أبحث عن خلاصة المعاني وروح الكاتب تلح في داخلي وتحثني على البحث والبحث والتأمل في معنى أن يكتب الإنسان. هذه الفكرة كانت غامضة في بداياتي، ليست غامضة فحسب، بل كانت الكتابة مشروع رغم أني كنت أظن أن به ترفاً بمعنى إذا أشيع عني كوني كاتباً سيكون لشخصي قيمة اجتماعية أثقل مما للشخص العادي وهذه الفكرة تولدت من خلال نظرة الناس لأصدقائي الشعراء الذين يكبرونني بأكثر من عشرة أعوام، لكن مع احتدام التجربة العراقية على المستويين الشخصي والعام، ومع شدة الإحساس بأن الموت مصيرا هو الأقرب في عراق الدكتاتور والقمع والحرب حيث صرت نزيلاً متكرراً لأقبية مظلمة مرعبة يشعرك سجانك أنك مجرد حشرة يسحقك في اللحظة التي يشاء فيها سحقك. ثم جندياً في جبهات الحرب العراقية الإيرانية مهددا بالموت في المعارك أو في الأقبية حالما يكتشف موقفك من الحرب والسلطة.

(من صور رواية -في باطن الجحيم- 6-6-1987 وادي خلف العمادية ثاني يوم من أصابتي بقصف بالغازات السامة، تصوير الرفيق كاردوا”الفنان كفاح الأمين”)

في هذا الخضم كنتُ حائرا بروحي، بوجودي الفيزيقي كيف أحافظ عليه دون أن أخسر كرامتي التي هي إنسانيتي وعله وجودي. الكتابة صارت سرا دُفن في الروح التي حاولت البقاء. الروح بالمفهوم الحقيقي وليس الميتافيزيقي. الروح جسداً، متحققاً، حياً (جسد يحمل شكله ومحتواه سلام إبراهيم) عملت المستحيل من أجل هذا البقاء. لم أكن جباناً البتة. كنت مغامراً ليس مغامرا فحسب بل مجنوناً كي أحفظ هذا الجسد وكرامته في ظروف سلطة دكتاتورية أشعلت حروب. وكنت أحلم بالكتابة التي لا محل لها أبدا في تلك الظروف حيث الجسد مهدد بالفناء في أي لحظة، هذا الإحساس الذي شعرت به وقت الحرب الإيرانية العراقية في جبهات الحرب والذي كان يشعر به الجندي العراقي في جبهات الحرب فقط عاد هذه الأيام وعقب الاحتلال الأمريكي 2003 ينتاب العراقي وهو يجلس في بيته أو مقهى أو وهو في طريقه إلى عمله أو وهو يتسوق.
أعود إلى جوهر الموضوع عن هم الكتابة والكاتب. لم أنس قضية الكتابة في أقسى الظروف، صار مضمراً وأنا جندي في جبهات الحرب الإيرانية والموت الذي أراه في خضم المعركة أو يأتيني من استخبارات الدكتاتور المتابعة لخطوي.
أو في ظروف القصف اليومي بين الثوار في الجبل إذ كان من الممكن في أية لحظة مغادرة فسحة الحياة إلى عدمها في صدفة قذيفة تسقط جوار مخبأي أو جلستي. وحدث ذلك فعلا حينما أصبت في قصفٍ كيماوي وكاد أن يقضي نحبي. لكنني نجوت لأروي ما مرّ وما حدث لي ولمن حولي في روايتي –الإرسي – و – في باطن الجحيم- .

شاهد أيضاً

صباح هرمز: مسرحيات يوسف العاني بين الرمز والموروث الشعبي
2- الخرابة (ملف/24)

كتب (الخرابة) بعد مسرحية المفتاح بثلاث سنوات عام 1970، وتتكون من ثلاثين شخصية تقريبا، ويقوم …

أرميكِ كبذرة وأهطل عليكِ
سعد جاسم وهج العشق وتنوّع المعشوقة
قراءة: رسمية محيبس زاير (ملف/9)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

علوان السلمان: اكتناز الومض الشعري في (قبلة بحجم العالم) للشاعر سعد جاسم (ملف/8)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *