من رسائل القرّاء والكتّاب الموجّهة إلى الروائي سلام ابراهيم (18) (ملف/78)

إشارة :
تجربة رائعة يقوم بها الروائي المبدع “سلام ابراهيم” وهو يؤرشف رسائل قرّائه الكرام وزملائه الكتّاب التي وصلته عبر سني إبداعه الطويلة وتتصل بمنجزه السردي الباهر وبحيادية المرافب. ننقل هذه الرسائل ضمن حلقات ملف الموقع عنه لما تتضمنه هذه التجربة من دروس إنسانية وإبداعية وتربوية وتوثيقية.

من الرسائل -107-
من رسائلي إلى الشاعر علي الشباني 1946-2011
1-5-1983 الديوانية
– 1 –
صديقي الحبيب
أي حزن هو حزن الديك الأخرس!.
لوعتنا.. لوعة ذاك الديك المهضوم الذي يتلوى فجراً، لوعة تتفجر في أعماقنا صياحاً مخنوقاً يشق جدار الروح!.
لمن نبوح؟!. لمن؟!.
روحك المعذبة الدائرة في أفلاكها النار!.
روحك.. وجه طفلٍ هلع تنوء بهمومها الثقال!.
روحك كالفضة، التي تتسلل من كوة صغيرة ثقبت جدار المستطيل الذي أسكنه لصق السقف الخشبي العتيق، باهتة، ناحلة، شفافة، نقية..
هكذا، دون أن ندري!، وجدنا أنفسنا على حافة هرمٍ عالٍ، والأحداق نحونا..
ومن العار علينا أن نون ونشتكي لمن تبقى!.
فلو فعلنا ذلك!. ما ستؤول إليه أمورهم، وأي جريمة لا تغتفر كنا اقترفناها!.
– 2 ـ
الصديق
قُذفنا إلى العالم عراة دون اختيار، الشهوة التي تغلي وتشتعل في دم آبائنا في لحظتها يلفون أجساد أمهاتنا محمري العيون بشغف عطشٍ لا رواء منه، يلفونهنَّ قسراً، أو بملء أرادتهنَّ
هكذا جئنا عنوة!.
فمن الأفضل يا صديقي أن نغادرها عنوةَ ولكن باختيارنا هذه المرة!.
ـ 3 ـ
حياتنا.. يطيب لي أن أطلق عليها: ( سفرٌ حالمٌ )
مَثَلُنا كسائحٍ حُكِمَ عليه المرور بكل مدينة مرة واحدة فقط، وفي المدينة القصية يموت!.
كلما قلبتُ بذاكرتي دفق الأيام التي انزلقت من بين أصابعنا بهدوء وعنوة دون أن نتمكن من التمسك بها، وجوه أصدقاء اختفت، وجوه ستختفي، وجوه جديد تبزغ، حواس اليوم، البارحة، اللحظة هذه، واللحظة الماضية، هذه السنة وسنوات أكلتْ أيامها.. وجدتُ أننا ذلك السائح المحكوم عليه أن لا يرى مدينة ما سوى مرة واحدة، وتبقى مدنه العذبة التي خلفها وراءه تؤرقه أبداً ساكنة أحلام يقظته ونومه، فنظل نلهث راكضين وراء أطياف الأحبة والأمكنة المستحيلة.
بالرغم من الملل والتكرار والرتابة التي تغلف يومنا ظاهرياً، فالأمر غير ذلك يا صديقي.
مسافرٌ حالمٌ!.
هذه الفكرة أو وهمها كانت البوصلة التي قادتني من أطراف حواسي منذ الطفولة وحتى تبلورها بحيث أستطيع أن أكتب لك عنها الآن.. المدينة مرة واحدة، واليوم الذي لا يشبه آخر أبدا.. كنت أحب بجنون، فأتعلق بصبية بكل حواسي وعندما تهجرني.. أبكي بحرقة طفلٍ لا على فراقها، بل لأن نجمة مضيئة انطفأت في سماء روحي، فما الذي يبعث على البكاء أشدَّ من نجومنا التي تأفل وتضيع، وظللتُ أفقد الصبية تلو الصبية، النجمة تلو النجمة إلى أن تمسكت بنجمتي الأخيرة المتفردة – ناهدة القزمرية – التي غمرتني بضوئها الساطع، وصار لي طفل أيضا، وهاأنذا مسافر لمرة واحدة فقط وهذه المرة في عالم سفلي مختفياً لا أستطيع حتى رؤيتك، لست نادماً على شيء، بل ثمة صغائر غير مرئية تعذبني وتنتثر في خفايا الروح ذنوباً وسأحاول لقط واحدة منها.
– 4 –
أيها الصديق
– هاشم لفتة – صديقنا الذي فقدناه في ميتةٍ مفاجأة كان هو هاجسا بها. حاول تفاديها بشتى الطرق لكن دون جدوى وهذا قدر الإنسان!.
هاشم بوجنتيه المكورتين الحمراوين كتفاحتين، والبسمة التي لا تغادر شفتيه، والحيوية الدافقة من جسده القوي الفتي، وشدة انغماره في عالم النساء والنهل من اللذة بلهفة من سيموت في اللحظة القادمة، مما كان يشكل جداراً فاصلا بين عالمينا.
( يجب أن تعرف يا صديقي أني لم أفقد صديقاً عاشرته كل هذه المدة، ورأيته يترعرع ويشب مذ كان طفلاً إلى أن قتل في جبهة الحرب، لقد فقدت العديد من الأصدقاء، اختفوا هكذا فجأة، تبخروا، انتشروا تحت سماء الرب، فبقيت أتسقط أخبارهم، أسلو نفسي بها، أما أن يلقونه حيث الفجوة الصغيرة، إلى حيث لا أراه أبداً، هذا لم يحدث لي سوى مع هاشم).
كان يَعْني بيّ إلى حد أتضايق منه، ففي تلك الشقة الغريبة العوالم كان يغسل ملابسي، وعندما أعود تعباً من طوال تسكعٍ مع حبيبة قديمة انطفأت مثل نجومي الضائعة، كان يدّلك ساقيَّ، يخفف من حزني وألمي، وكنت أقابل ذلك بشعور ضيق يبدو على ملامحي، فيحس بذلك لكنه كان خفيفا مثل روح يختفي حينما يشعر بأني أريد أن أكون وحيداً.
وافترقنا.. رجعت إلى المدينة وبقى هو في الشقة بالعاصمة وعندما يأتي المدينة يظل يبحث عني وكنت أتهرب منه، حتى كنت أطلب من أهلي عندما يدق الباب أخباره بأني غير موجود، فيتربص لي ويمسك بي ويأخذني جراً إلى غرفته في بيتهم (- بيت أخيه مختار – حي العصري (فرهود) زوج أختك الكبير)، المجاور لبيت أهلك خلف شارعنا العام بشارع – يجلب عرقاً ويبدأ بالعزف على العود، ثم ينتقل إلى غناء غجري يعرف أني أحبه لـ – سورية حسين – يؤديه بطريقة وحشية فأنفجر باكياً.. آه يا صديقي.. كم كنتُ قاسياً معه؟!. وأية حماقة ارتكبتُ بحقه، حماقة لا أغفرها لنفسي أبداً.. وهاأنذا أنوء بذنوبِ قسوتي.. أنوء بعذاب يثقل روحي وطيفه الضاحك لا يفارق مخيلتي.. أكاد أختنق!.
هذا الذنب لابدَّ أن أسر به لك حتى أستريح ولو قليلا!.
سيظل هاشم ندبة صغيرة في قلبي توجعني كلما عَنَّ خاطره على ذاكرتي!.
مثل هذه الصغائر يا صديقي.. جلَّ ما يعذبني.. أما غيرها فلا!.

الراحل الكبير علي السيباني (من أرشيف الروائي سلام ابراهيم فشكرا له)

– 5 –
حمامتي التعبة
يا شجني
أيها الأعز
أحياناً.. أجرد كل الأشياء. يحدث ذلك حينما أُحاصر في سفري الآن!.
وفي فورة غضبي أجد الناس أضأل من دود الأرض، فهم يخشون حتى صدى كلمةٍ طيبة يهمسون بها سراً مع أنفسهم.. ويبدأ السفر بهذا الضيق الشاسع، هذا التشوه فالمدينة تتسع وتترامى لكن الحصار يستفحل حد لا أجد أمتاراً بقد قامتي تضمني ولو إلى حين، وحينما أعثر على تلك الأمتار تكفهر وجوه أقرب الناس إليك..
– أي زمن موحش هذا؟!.
– أي خرافة عنكبتْ عقول أبناء جلدتنا وكبلتها؟!
– كيف تمكنوا من ذلك؟!.
هذه الجموع التي كنا ننعتها بالجهل والغباء كيف استطاعوا دفن أي بذرة طيبة يخافونها عميقاً في باطن الأرض حيث تختنق وتموت!.
أجرد الأشياء، وأجول متنقلاً بين غرف ضيقة، دور أنيقة، قاعات، أقبية، سراديب، غرف، غرف، غرف بلا استقرار. في سفر دائم أنا، داخل نفسي وأماني أليمة ولذيذة أتوق لها بكل كياني.
.. لابد من التحمل.. لابدَّ من ذلك أقول مع نفسي بصمت.. لابدَّ أن أغض النظر، وأفتعل البلاهة أحياناً وأنا أتلوى عذاباً من شكل سحنةٍ كالحةٍ، أو حنوٍ كاذبٍ لا يدوم سوى لحظات اللقاء الأولى إذ سَيُلَمٍحْ بإشارات مبهمة وجمل مرتبكة مبتورة تستهجن وتسخف جدوى ما أقوم به.. وكل ذلك من أجل أن يدفع وجودي ويجعلني أبحث عن ملجأ جديد، في تلك اللحظة تنتابني رغبة في عبّ ألف قنينة خمر كي أغيب إلى الأبد.
هذا العذاب مختلف.. يومض في الروح نقاط ضوء ويغيب
عذاب جديد لا كعذابنا السالف، بكاءٌ، خمرٌ، امرأة، حيرة، تلبد، وغناء شعبي يكوي الروح بحزنه.
عذابٌ ألقٌ ينأى بعيدا في غور السماء قمراً يلقي عليّ وشاحه الشفاف ولونه الفضي.
أنا يا صديقي أتلمس لذةً جديدة، مختلفة، تفوق لذة مراهقٍ فزّ جسده توا من سبات الطفولة.
– 6 –
صديقي
مثل صفصافة حزينة في ريح هوجاء أهتّز حينما أفكر في نفسي في وضع غير الوضع الذي أنا فيه!. أتجمد رعباً، أفني روحي.. ندفا تتساقط لتتلاشى بدفق مجرى نبع يهبط من قمة جبلٍ!.
جلَّ ما يعذّبني هي نفسي. أن أبقيها هكذا ناصعة، فتندفع مرة واحدةً إلى ساعة الخلاص سواء بموتي أو بالعبور إلى الضفة الجديدة والمشرقة!.

سلام إبراهيم وعلي السيباني- ١٩٧٧ بغداد بار سرجون أبو نؤاس

– 7 –
الفراتي الخصب.. يا صديقي
لما فقدنا حماستنا الأولى.. آلت بنا الأمور إلى هذا الصراط الواهن الذي نتأرجح على خيطه الهش.، فصرنا نرتعب عند أي ميلٍ أو انحناء نحو هاوية مفتوحة في أنفسنا.
لقد فقدَ الناس حماستهم، مما سهل مهمة الأعداء.
ظللنا ننكمش ونفلسف ذلك الانكماش، نقنع أنفسنا ونعالج الداء بداءٍ أسقم إلى أن أفضى بنا الأمر إلى جادة الشكوى والخمر والبكاء والندب!.
كم يحتاج الإنسان إلى كلمة تشجيع تبثُ به الحماسة، وتذلل أمام نفسه الصعاب.. فلكلمة الدعم فعل السحر!. لا أن ننصب ( رغم صعوبة هذا الزمن السافل ) في طريقه فزاعات خرافية ونسقط على الموت كل أرثه النفسي الإنساني عند ذاك نقتل بذرة الشجاعة في نفس الآخر ويتحول ذلك الشبوب إلى حزن وضياع ونكون قد صنعنا من الأسد فأرة.
أشدد كلمة تشجيع، فالخوف مرض عملوا المستحيل؛ حصار نفسي، تهديد دائم، مراقبة، ملاحقة، اعتقالات قصيرة، كل شيء من أجل غرسه في نفوسنا حتى عدنا نتصور أنفسنا بلا حول ولا قوة وكدنا نستسلم!.
كلمة تحذير تستند على كلمة تشجيع، هذا ما يحتاج إليه الإنسان وهو يخوض غمار المقاومة ليموت سعيداً.
يا صديقي
أليس الموت هو في أخر المطاف قدر الإنسان الأبدي منذ بدأ الصيرورة؟!.
أليس هو ما يساق العراقيين إليه بالعشرات يومياً، وبهذه المجانية والعهر؟!.
إذن يا صديقي، أي أنفاق موهومة أدخلوا رؤوسنا فيها، من نفقٍ إلى نفقٍ إلى نفقٍ حتى خرج العراقيون من ثقبٍ إلى فضاء انقلبت فيه المعادلات والمفاهيم حيث الخوف من الموت يدفعهم إلى موتٍ جماعيٍ مجاني لا يريدونه
والمساكين الذين قتلوا ويقتلون في الحرب ألم يحسوا بالخجل والأسف في اللحظة الأخيرة؟!.

سلام ابراهيم ورفيق دربه وشاعر مدينته الكبير لراحل علي الشيباني- مقهى الراية ٢٠٠٩ (من أرشيف الروائي سلام ابراهيم فشكرا له)

– 8 –
الحبيب
جميل أن نقتحم الحياة هكذا دفقاً واحداً، ثم لتبتلعنا شقوق الأرض مرة واحدة بكل عنفواننا!.
نقتحم هكذا سواء بسواء؛ الخير والشر!.
دون توقف
دون نضوب
هذا ما أذوب حباً لأجله
هذا ما يذري روحي إلى سماوات حلمت بها منذُ الطفولة.
فليبارك ( ربكَ العذاب ) خطونا
لنسقي ( عودك ) في قصيدتك الأخيرة.
نسقي وننطفئ بعد أن نضيء في غابة شموعك.
نركض.. نركض حتى النفس الأخير، لنصعد في غور السماء نجمة جديدة
وننبت نخلة في المستقبل البعيد.
لنمسك القرار ولا نقف في نقطة ما بين البين اللعينة
القرار وبعدها ( شمعة تنزل سايحه )
لنكن كقصيدك التي تشبه ترانيم وثنية، جليلة، ومرعبة..

تشييع علي الشيباني (من أرشيف الروائي سلام ابراهيم فشكرا له)

– 9 –
أسافر هذه الأيام مع روح – طارق ياسين – وعالمه العبق. أكاد أتم استنساخ مخطوطة ديوانه.
ملاحظاتك عن القصة، استفدت منها كثيراً، وحورت الحدث الأخير، أو بأدق ألغيته وتركتها تقترب من نفسها، وقد كانت تلك فكرتي المنفذة في المسودات الأولى، دون البعد الفكري الذي طالما يعذبني حتى أعثر عليه.
أبعث لك بكتابٍ سيدهشك، – الكتاب المقصود تاريخ ألمانيا النازية المكون من أربعة أجزاء – وما يجري الآن في عراقنا ليس سوى نسخة طبق الأصل لما جرى فيه.
أبعث لي بكتبٍ عن فلسفة هيغل، شبونهاور، كانت، أفلاطون.
قرأت جمهورية أفلاطون.. وفن الشعر لأرسطو.
عندما تسنح الظروف سوف أبعث لك لنلتقي
مشتاق لك
لنسيل سوياً في عوالمنا الغريبة التي لا تعرف الملل.
لك حبي يا فراتي الحزين
أكتب لي
فهذا ينفعنا كثيراً الآن
1 – 5 – 1983
صديقك….
لم أذكر وقتها أسمي أو أسمه بسبب ظروف الإرسي وزمن كتابة الرسالة

شاهد أيضاً

صباح هرمز: مسرحيات يوسف العاني بين الرمز والموروث الشعبي
2- الخرابة (ملف/24)

كتب (الخرابة) بعد مسرحية المفتاح بثلاث سنوات عام 1970، وتتكون من ثلاثين شخصية تقريبا، ويقوم …

أرميكِ كبذرة وأهطل عليكِ
سعد جاسم وهج العشق وتنوّع المعشوقة
قراءة: رسمية محيبس زاير (ملف/9)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

علوان السلمان: اكتناز الومض الشعري في (قبلة بحجم العالم) للشاعر سعد جاسم (ملف/8)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *