قصص “رؤيا اليقين”: بحث جميل في عوالم الشخصيات
عبد جعفر (ملف/77)

إشارة:
مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي “سلام ابراهيم” نصوصه بدم التجربة الذاتية ولهيبها. وفي اتفاق مع إشارة خطيرة للباحث الأناسي العراقي البارع د. علاء جواد كاظم الذي اعتبر روايات وقصص سلام إبراهيم من مصادر الدراسة الأنثروبولوجية الناجعة في العراق نرى أن نصوص سلام يمكن أن تكون مفاتيح لدراسة الشخصية الوطنية مثلما استُخدمت نصوص ياسانوري كاواباتا لدراسة الشخصية اليابانية ونجيب محفوظ لدراسة الشخصية المصرية مثلا. الفن السردي لسلام ابراهيم هو من عيون السرد العربي الذي يجب الاحتفاء به من خلال الدراسة الأكاديمية والنقدية العميقة. تحية للروائي المبدع سلام ابراهيم.
أسرة موقع الناقد العراقي

صدرت حديثا عن دار الكنوز الأدبية “رؤيا اليقين” المجموعة القصصية للقاص العراقي سلام إبراهيم تحتوي سبع قصص هي “المتاهة” “رؤيا اليقين” “إنها الحرب” “وداع” “لقد أسكته” “الصراط المستقيم.
تشترك هذه القصص في بحثها الجميل عن كشف مصائر الشخصيات عند تقاطعات اجتماعية حادة تشبه ملاقاة سيف مشرع نحوك، وربما يعود هذا إلى تجربة الكاتب الغنية والمريرة في الوقت نفسه، فهو قادم من جنوب العراق ـ مدينة الديوانية ـ . وجد في جبال كردستان حريته كمقاتل ـ لكن دون أهله وألفته وأصدقائه ـ، غير أن هذه الحرية يحاصرها دخان السلطة الكيمياوي، فينفيه إلى الصقيع البارد في الدانمارك بعجز في وظائف الرئتين بلغ 60% مع الربو وكل أنواع الحساسية، وهذا يعني العيش في شبه عزلة بعد أن حرم الأطباء عليه الخروج والتواجد في الأماكن الخانقة أو التعرض للبرد!.
غير أن سلام إبراهيم يجعل من شخصياته تتميز وتستقل عنه كاشفا ذلك بلغة موحية، توازي في دلالاتها الحدث، وتندغم فيه، مما يجعلنا نعرف أثار الخراب والدمار بامتداده الأفقي والعمودي وأثره في حياة شخصياته… فقصة “المتاهة” هي رصد إنساني لحالات الضعف والانكسار التي أصابت “داود” وقراره أن يسلم نفسه للسلطة، وكيف ينفرط كحبات المسبحة، ولكنه ظل مخلصاً لقناعته بأنه لا جدوى من هذا الموت المجاني، غير مكترث بما يثقل عليه الماضي وصحبه رفاق السلاح الذين أعطوه قيادهم.. وهكذا يستمر في قناعته إلى النهاية، كما يصل الجندي في “الفأس والشجرة” إلى رفض آلة النظام العسكرية، وجرائمها وهي تغتصب وتجرف أشجار الحياة.. فيخطو ” خطوة واحدة، ثم استدار وهبط مستندا على ركبة واحدة بمواجهة الضابط.. وصوب بأصابع حامدة نحو الرأس قبل أن يشعر بحرارة الرصاص تلهب جسده وتجعله يحلق في فضاء شاسع جديد” ص 24 المجموعة.
وتشترك قصة “أنها الحرب” و “لقد أسكته” في رسم فجيعة من نوع خاص، فجيعة تجعل من الضحية يسهم في اغتصاب حياة الآخرين، وبلا قصد، في معادلة صعبة الخيار، وهنا يصبح التأنيب والوجع ثقيلا كالحجر، وشوكا يوخز كلما يحاول أن يلعب معها لعبة “التناسي”.
فالنصير في كردستان في عملية ضد إحدى ربايا السلطة يسمع جنديين يخططان للهرب من أجل قضاء عطلة العيد مع أطفالهم.. فيحاول في ـ ساعة الصفرـ أسرهما.. ولكنهما ذعرا من وجود النصير.. ولجئا إلى السلاح.. ففتح النار عليهما وقتلهما.. ” دفن وجهه بين يديه غير قادر على نسيان صرخات الرعب المشوهة وجهي القتيلين والتي جمدته للحظة وهو يجردهما من سلاحيهما ” ص54 المجموعة.
أما قصة “لقد أسكته” فالمرأة الهاربة مع مجموعة، تخنق طفلها وهي لا تعلم، خوفا من سماع صراخه ثانية، فتبيد الربايا العوائل الهاربة.
” .. أسكتيه.. أسكتيه.
ارتعشت يداها المتشنجتان، سحبت طفلها غامدة وجهه بصدرها خانقة الصراخ الذي لم يعد يسمعه سواها وكأنه صادر من قعر بئر عميق.. ثم أخذ بالخفوت رويدا.. رويدا إلى أن انقطع تماما” ص65. وعند العبور لا نسمع سوى نحيب فجيعتها.. لقد أسكته..
أما في قصة “رؤيا اليقين” فتدخلنا في لغتها الشفافة الموحية إلى إشكالية من نوع جديد، وخيار صعب، ولكنها تسرق لنا لحظة التقاء توازي عالمين، لحظة لقاء المقاتل بأمه.. حيث يفترض منطق الحياة.. ومنطق الضرورة إلى افتراقهما رغم حاجة بعضهما إلى بعض.
أن قصص سلام إبراهيم سفر من نوع جديد ونتمنى عليه الخروج من دوامة تجربته المريرة إلى آفاق أرحب.. وهو قادر على ذلك.
الوفاق اللندنية العدد 102 ـ 25 ـ 2 ـ 1994

شاهد أيضاً

صباح هرمز: مسرحيات يوسف العاني بين الرمز والموروث الشعبي
2- الخرابة (ملف/24)

كتب (الخرابة) بعد مسرحية المفتاح بثلاث سنوات عام 1970، وتتكون من ثلاثين شخصية تقريبا، ويقوم …

أرميكِ كبذرة وأهطل عليكِ
سعد جاسم وهج العشق وتنوّع المعشوقة
قراءة: رسمية محيبس زاير (ملف/9)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

علوان السلمان: اكتناز الومض الشعري في (قبلة بحجم العالم) للشاعر سعد جاسم (ملف/8)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *