الناقد والقاص اسماعيل ابراهيم عبد و “هان شر زمان” كتابة: عبد الصاحب محمد البطيحي

ان النص الأدبي هو في واقعه رسالةُ وطريقةٌ للمخاطبة تخرج من إطارها الواقعي لتصبحَ محتوياتها رموزاً لاواعية ، وعلى ضوء ذلك ، لا تُقرَأ إلا في فضائها لكونها مغلقةً على ذاتها . ومن هنا فان للمنهج التأويلي للرسالة السردية مكانةً خاصةً في طرائق العرضِ والتحليلِ عند الناقد والقاص اسماعيل ابراهيم عبد ، ذلك لما يتميز به هذا المنهج ، من بين المناهج العديدة ، من اهتمام يوليه للمغزى الذي يحدد العلاقةَ بين المعنى ومظاهر السرد، حيث تمثلُ الرسالةُ واقعاً ، تُعرَف أجزاءٌ منه ، وتظل أجزاؤه الأكثر عمقاً مخفية . .
هذه الاطلالة السريعة لمنهج الناقد تعيننا كثيراً عند الحديث عن أعماله السردية …فهو يعتمد المفردة الرصينة والمنتقاة والمنحوتة ، لغته هي لغة نخبوية ، يتجه من خلالها نحو الترميز بكثافة .. غالباً، يعبر عن افكاره من خلال الكائنات غير الناطقة حيث تؤنسن الأشياء ، يهبها حركةً وسلوكاً ، شخوصه الحكائية أبطال حيوانات ، وأبطال أسطورية ، توحي بأفكار فلسفية ، من خلالها يبث اللواعج البشرية ، ويترك للقارئ حرية التأويل
نجد كل هذا ، وعلى نحو جلي ، في كتابه السردي الموسوم ب (هان شر زمان / فوتو- قص ) الصادر عن مؤسسة العصامي / بغداد – عام 2020 . حيث جاء في 201 صفحة واحتوى (66 ) قصة قصيرة بعضها لا يتجاوز بضعة أسطر . قبل الولوج في قراءة النصوص وسبر مضامينها ، وكشف ما يستتر خلف ظواهرها ، لنمعن النظر في العنونة . لكل كتاب عنوان يوحي بما سيسرده الكاتب في كتابه . الفعل “هان ” بمعنى ضعف أو أُستُضعِف أمرُه ، ولم يعد عصياً . وبهذا فالسارد يبتغي إيصال فكرة أن شر الزمن لم يعد عائقاً أمام طموح الأنسان ،الذي يتمثلُ جهدُه بإدامة المثابرةِ في خلق بيئةٍ صالحةٍ تحقق أنبلَ اهدافِه .
نموذج ( صفحة 33 ) : حياة غضة وفظة
” كل ما فيها يترتب على تكافل الآكل بالمأكول ، عناصر الوجود لا تتمثل بغير وظيفتها ، وظيفتها تمتثل للحاجة ، وما ينتج منها من عدم .”
يتكون العنوان من ثلاث كلمات : اسم تعقبه صفتان ، اللافت للنظر أن الصفتين متناقضتان .الصفة الأولى تعني النضارة والريعان والسهولة ، بينما تعني الصفة الثانية الخشونة والوعورة والجفاف . البعض يذهب الى ان النص يكتفي بظاهره ، غير ان المنهج التأويلي يذهب الى تعدد الدلالات المنفتحة ، والتي يمكن أن يستدل منها عبر ذلك النص . فالمعنى الظاهري للعنوان هنا هو ان هناك حياةً مستطابةً وأخرى يسودها النكدُ ، غير اننا نستطيع أن نتوصل الى المعنى المستتر الذي يتمثل برسالةٍ الى القاريء مؤداها ان علينا ان نتقبل مصائرنا على نحوٍ ليس فيه افراط في الأمل حتى درجة الاسترخاء ، وليس فيه انحدار نحو اليأس حتى درجة الانكفاء ، ثم يأتي المتن الذي يبدو متمماً لمقولة العنوان ، فيفرز لنا نظرة فلسفية تشير الى ان الكونَ يسير ضمن حركةٍ غير عشوائية ، كل عنصر في هذا الوجود له وظيفته المرسومة التي تخضع لمتطلبات ديمومته ، وكل عمل يخرج عن هذا السياق المتسق يفقد مشروعيته ، لذا على الانسان ان يتحمل مسؤولية عمله بحذر من أجل المحافظة على انسياب حركة وجوده ومن المتن نعرج الى قراءة ثلاث نصوص قصيرة .
الشيء ( صفحة 55 )
النص : “انها رائحة ل (شيء ) ما ، تحرك فيها طاقة الجوع والتشهي الى الحد الذي يجعلها تسترخي لامتداد ارجلها وملامسته دون ارادتها . تستدير بفكها نحوه ، بقضمة واحدة صار ببطنها .. صار ببطنها .. اعتصرته .. هرسته .. انه (شيء ) يستجيب بسرعة لسوائل التحليل .. انه يوزع اثره في جسمها ، لعله مخدر .
ها هي تنتشي وتتمدد ،
تنسى الجوع والشهوة ،
تسمع هسهسات اصطدام ارجلها ببعضها
ها هو دماغها يسترخي ثم يتوقف عن النشاط ،
ها هو ” الشيء ” يوقف جسمها عن أي حركة …
ها هي عيناها تبحلقان في لا شيء الوجود !
أخريات من الفئران رأينها ولم يفهمن سر هذه النشوة المميتة ، فائقة الدهشة ! ”
العنونة : في هذا النص يتألف العنوان” شيء ” من كلمة واحدة ، هي في ظاهرها ومغزاها تشير الى مفردة كل موجود ، سواء كان اسم مادة ملموسة أو اسم معنوي يحسه الوجدان ، قريب منا أو تتشربه دواخلنا ، ليس لنا الا ان نواجهه في كل لحظة ، ويقتضي الأمر منا اتخاذ موقف صائب ، هو في حقيقة الأمر خلاصة تجاربنا في الحياة . هنا يتحقق التعميم لينطلق السرد بعد ذلك الى المتن ، حيث يكون هذا اطاراً يحتوي الفكرة .
المتن : الظاهر من المتن هو فأرة جائعة ، تغريها رائحة غذاء ما ، تنجذب الى مكانه ، يتضح ان فيه مادة سامة مخدرة حالما تقضمه ، ينتهي الأمر بها الى الموت . أُستخدم الحيوانُ وحركتهُ هنا للإشارة الى معنى ضمني ينسحب على الإنسان وحركتِه ، في عملية إيهام ،تندرج ضمن جماليات النص، تبتعد عن الغموض الذي يفقد النص كثيراً من تعاطف القاريء ،ولا يصلح الا في النص البوليسي . فبرزت صورة متحركة لفأرة بعينها ، خضعت حركتها لعامل الجوع وما نتج عنه لاحقا من نشوة وتمدد أعقبه استرخاء ، ظهر ، بعدئذ ، انها خضعت لمصيدة . رسالة النص هنا هي أن الحاجة لشيء ما تمنح الإنسان قوة دافعة ومُلحّة للحصول على ذلك الشيء ، ربما يندفع نحو تحقيقها في غياب الرؤية الواضحة لما ينتج عنها ، خاصة اذا ظهرت أمامه سهلة المنال ، لكنها تضمر في طياتها مغريات يصعب ادراكها .. هي حصيلة تدبير خبيث . وما يزيد الأمر سوءاً هو غياب القدرة على استيعاب التجربة واكتساب الخبرة المناسبة لتجنب المخاطر .
حرب ( صفحة 70 ) النص : ” حمامتان متقاربتان .. عشاهما في ابطن النخلة ذاتها .. انسابت الحية الى قمة النخلة فأكلت بيضة من العش الأول وبيضة من العش الثاني دون ان تخلف أي أثر أو دلالة ،حتى لو كانت رائحة . حينما عادت الحمامتان فوجئتا بنقص البيض .. ظنتا السوء بكل منهما .. تقاتلتا حتى الموت . حين عاد الذكران وجدا بيضتين مكسورتين وحمامتين قتيلتين .. لم يستطيبا رائحة العشين فطارا الى نخلة اخرى ، سلام آخر ”
العنونة : هي كلمة واحدة ، غير انها ذات معنى شامل لا يختصر حركة البشرية منذ الأزل حسب، انما يتضمن ما يمكن أن تفعله الموجودات الحية على اختلاف انواعها . ل “الحرب ” وسيلة عدائية ، ووطأة شديدة ، ونتائج مدمرة ،ربما هي حركة عبثية ، غير انها سلطوية ، تختلف عن “الصراع ” ، الذي يمكن ان تتعدد مظاهره ،وليس بالضرورة أن ينتهي بالحرب . ومن هنا ينطلق النص منسجماً مع فكرة العنوان . ظاهر النص : حية تأكل بيضتين تعود كل واحدة منهما الى حمامة ، تقاتلت الحمامتان حتى الموت نتيجة سو الظن ، أما الذكران فقد غادرا المكان الى مكان آخر .ينسحب المعنى الى سلوك بشري لا اخلاقي ، يتوسل به صاحبه في سبيل تحقيق مآربه الى وسائل ضارة ، خبيثة ،وملتوية ، من بينها اثارة الخصام عن طريق تهيئة مناخه ، مما يخلق بيئة مفككة ،واهنة ، يسهل النفوذ من خلالها الى مواطن الضعف عند الخصم .وهذا ما نراه عندما اكلت الحية ، رمز الروح الشريرة و الحركة غير الملحوظة ،بيضة واحدة من بيوض كل حمامة بقصد اثارة الفتنة ،والإيقاع بالخصم ،عن طريق انتزاع قدراته الفعلية والذهنية . وقد نجحت في ذلك أيما نجاح . .
ما الذي يعنيه موقف الذكرين ؟ لقد كشف النص في انسحابهما عن المشهد عن اللامبالاة، وعدم الرغبة في التصدي الى الخطر ، والركون الى السلامة ،على الرغم مما توحي به الذكورية من شجاعة وشهامة .

شاهد أيضاً

نــجــيب طــلال: مهرجان مَــسرح الهــواة : تأجيل أم إلــغاء ؟؟

الــــــــــــواو: إنه فاتحة ((وباء)) أو بالتأكيد تلك جائحة كورونية ؛ لاتهم التسمية ؛ مادام المرء …

شوقي كريم حسن: نزار الفدعم…. سردية اللقطة السينمائية.

*السينما، كما اعرفها ، مثول جمالي بين يدي الخرافة، ومحاولة توثيق سريات الوجود السردية، التي …

دور أدباء المنفى في صناعة مسوغات مجتمعاتهم الأصلية
رواية (رياح القدر) لمولود بن زادي أنموذجاً
أبو يونس معروفي عمر الطيب

لا يمكن تصنيف المثقفين بصفة عامة بما في ذلك المنفيين كطبقة واحدة أو وفقا لأسباب …

تعليق واحد

  1. اسماعيل ابراهيم عبد

    المترجم الناقد عبد الصاحب البطيحي قدم كشفا مهما في تقصي ثيم متقنيات فوتو قص (هان شرزمان) , مبينا التناصات المتضمنة ذلك الخيط الرابط بين الرمز المعنوي والاستعارة السردية وما يقابلهما من احداث ومشاهد تحيل الى وحدة الكائن الارضي من جانب البيئة الاجتماعية والطبيعة .. معللا التقارب بين العنوان في جانبه الانساني والسياسي والبيئي.. اشد على ازره ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *