روشيرو لحسين رشيد
الناقد: عبد الهادى الزعر

حين حلت – ق- ق- ج – جنساً أدبياً معتبراً تميزت بتقنيات هائلة مصحوبةٍ بإشكاليات جمة ؟ راح على إثرها كتاب كثر قاصون وغير قاصين كل يدلى بدلوه فالقصة القصيرة جداً ماهيه إلا — حدث وحكاية —
تتميز بالتكثيف والنمو والتشويق –

من خلال قراءاتى لهذا الجنس الادبى الوليد فأن السير الحر اللامقيد بميثاق بين المرسل والمرسل اليه يخضع لسلطة – الأنا – الكاتبه ويميل تدريجياً لسلطة الزمن الحاكم وما يدور فيه ولهذا إنزاحت معظم نصوص – روشيرو- الى مايعرف – بالخلخلة والرج – غايتها الهدم من أجل البناء المتجدد حيث تجرى المشاكسة فيما بينها على ثلاثة حقول هى :
الفنتازى والسحرى والتجريبى –
فالفنتازيا مدخل للواقع على رأى – تى اّى اّرتر- وهى بإختصار خرق للقوانين الطبيعية ومنطقها :
حفلة ص23 ( نص )
——————–
(رأسه كرأس حيوان بأسنان أمامية كبيرة وحاجبين كبيرين شريرين وشفاه متهدلة وأنف كبير مدور جمعنا أجزائه وقمنا بحرقها ألا ان النار رفضت أن ترمى بها وقالت الأرض لاتلومونى وأمتنعت من أن يدفن فيها )

فى عالم الفنتازيا الفسيح يتذكر أرباب الادب شخصيتان إختصتا بهذا الميدان وهما الروسى فلادمير نابوكوف فى ( فنتازيا النظام – – الرباعيات ) وكافكا فى قصتيه (الصرصار والمحاكمة )
نص
——
( الخليقة ) ص 25
(الاطباء والعلماء يخضعون المرأة لجملة من الفحوصات والتحاليل المختبرية بغية معرفة اسباب الحمل فى الوقت ذاته أخذ عدد المتبقين من البشر يتناقض ويتناقص وما أن بدت علامات الطلق على المرأة السابق لأوانها – – مات الطبيب وبقيت المرأة تعانى لوحدها ثم دفنت المرأة تحت شجرة تفاح )

***********
ربما تم دفنها تحت شجرة التفاح بمثابة العودة الى مسار الخطيئة والتطهير من عالم العهر المحيط بنا فى الجهات الأربع ثم أن التفاحة دخلت عنوةً فى أدبياتنا من خلال خطيئة اّدم وجاذبية نيوتن ؟
تعودنا فى الروايات والقصص أننا نتابع السرد من المدخل حتى الحل مروراً بالعقده ناهيك عن مايستجد فيهما من إضافات هى بالحقيقة تنمى القص وتبث فيه روحاً ودفئاً أما فى هذا الجنس الأدبى الوليد فأن النصوص مسرعة لاهثة نحو نهاياتها وأما زمنها فمحصور بين اللحظة الاّنية أو الساعة واليوم فى أغلب الأوقات
فما خلقت إلا كردة فعل مكمل لعصر السرعة لكونها تعتمد التركيز والإيحاء وترصد الحدث حتى لوكان مترامياً عن النظر ؟ ففى أغلب النصوص تعالج العتبات النصية درامياتها بإستباقية و بطريقة أجتراحية مستحدثة –
نص
——
( أين ) ص 28
(الاصوات والصيحات ترتفع وترتفع ؛ الأطواق تشّيد والمقابر تتسع والمنابر ترتفع والماّذن تشتبك فى السماء والجثث المضرجة بدماء كلون الشمس فى شروقها ومغيبها – – – القطط أخذت حجم الكلاب والكلاب أخذت حجم النمور وأكثر أسود السيرك دلالاً كان يحلم بوجبات اللحم المجانى والتى كانت تقدم يومياً للكلاب كل تلك الجثث تردد أين هو؟ وربما بعضهم خاطبه أين أنت ؟ وظل سؤالهم هذا يجول ويضرب أطنابه فى فضاء التيه الأبدى والصنبور الذى فتح تحت موقف باص المصلحة عند نهاية خط أربعة شوارع سيظل يغسل أرواحنا بدماء التاريخ )
************************************8***********

الأوربيون ذاقوا الويلات من جراء الحرب الكونية الثانية فظهرت مدرسة العبث وهى أستجابة منطقية لما جرى من دمار شامل عم الأوربيتين الشرقية والغربية فظهرت أسماء تحاكى ذالك الخراب بمنطق معاكس ترأس هذا التيار كل من صومئيل بيكت فى ( أنتظار غودو ) جان أنوى فى (مناظر من وادى البؤس ) يوجين أونيل فى (أصوات من قاع الهاوية ) وربما تلتحق بهم ( الساعة الخامسة والعشرون ) كواقع مؤلم –

وبما أننا فى العراق أكتوينا بحرب غير متكافئة بين زمرة سياسية سليطة اللسان باطشة اليد على شعبها لذا أجتاحنا التسونامى الاهوج فى 2003 فأحالنا الى عصف مأكول قرابة العقدين نال منا مانال فأمسينا نندب غودو لعله يمزق شرنقته ويخرج لأنقاذنا ولكنه مع الاسف لم يستجب لندائاتنا ولم يحرك ساكناً حتى بحت أصواتنا فأمست كفحبيح الافاعى ومن يومها لم نزداد إلا تشككاً ؟
فهذه أنكلترا بعد 1945وهى بلد التقاليد العريقة والأعراف تنهض من كبوتها بعدما أحست نفسها عارية بسب فوادح الخطوب ولكنها أعادت حياتها تدريجياً فما بالك بنا وقد بلينا بشراذم لاهم لها سوى الاستحواذ بطرق يعجز عنها الشياطين والأبالسة ؟!

(نص )
شطرنج ص 33
————-
توقعت الرائى حسين رشيد سيحاكى شطرنج ستيفان زفايج ولكنه سرى بها مسرى غرائيباً ولو أن بعض خطوطها قريبة من واقع علقمى مر عشناه قبل عقدين من الزمن الأغبر –
( يوم كانت المدينة غارقة بالقتل والدمار والخوف والتهجير دفع له 50 دولاراً لخطف حلم الطفلة منى أبنة الاستاذ كريم حيث كان العيد على مقربة وهى تنظر فرحة الثوب الجديد والحذاء واللعبة أنتهى اليوم الثانى للعزاء وظلت صورة إدغار ألن بو شاخصة فى ذهنى يوم وقف فى وسط الشارع يبصق على القوات الامريكية ويلوح لها بيده شاتماً ) أدغار ص 83
*********
يعتبر أدغار ألن بو شخصية شائكة ومتمردة عد من أوائل من أسس ودعم القصة القصيرة تذكرت الموسوعة العلمية يوم أرخت لوفاته فى كراسها المطبوع فى سبعينيات القرن الماضى حينها خرج د\ على جواد الطاهر من صمته يرحمه الله صائحاً لم يمت ميتة طبيعية بل بسبب تناوله الخمرة بإفراط
المهم أن العراق بعد التغيير منح القاتلين المأجورين فرصاً ذهبية فأجهزوا على الرموز الادبية والثقافية فى البلد ذوات التوجه اليسارى والليبرالى لأخلائه من المتنورين أمثال على عجام وكامل شياع وعشرات غيرهم –
فى القسم الأخير من روشيرو حسين رشيد يؤوب لمنطق اّخر وهو الواقع الموشى بغلالة الغرائب الممزوجة بلمسات المقدس وما :
موت – جنازة – عزاء – مقبرة – زيارة – نفاق – على – فضيحة – وسن – صدفة – أطرها بعنوان ” أخروية ” ربما تكون تكفيراً عن شططٍ أعتراه كما أعترى غيره

أحياناً تتحول الفنطازيا التى يرسمها المنشأ الى شبه حقائق بالأخص فى الزمن اللامستقر لكونها تتقصى تكافىء الأضداد وهذا يحيلنى الى رواية وليم غولدنك – وهى بمثابة هلوسة قائمة على رغبة حسب تحليل فرويد النفسى –
القصة القصيرة جداً أهى قصيدة نثر أم ومضة :
الخيال وقوة الاسلوب والأستعمال الإيحائى للكلمات حين تجود بها اللغة فى أقصى طاقاتها التعبيرية والحركة البؤرية المرسومة بإحكام بين الدال والمدلول جميعها ساعدت على أنجاح روشيرو وأغنت سردياتها –
وقبل الختام لابد من ألقاء الضوء عن السحرية الواقعية وماهياتها :
————————————————————-
الواقعية السحرية أول من أبتدعها هو الروائى الكوبى أليخو كاربنتر عام 1949وهى بإختصارمزج الخيال بالواقع ومن قبله تحدث النقاد الألمان عن روايات مابعد الحرب الثانية كرواية كونتر كراس — طبل الصفيح — 1925وقد أمست السحرية مدعاة لرواية اليوم ونجاحها ومن الاعمال التى قرأناها مئة عام من العزلة لماركيز وهى بالمجمل مغامرات غير قابلة للتصديق حيث يخلط السحرى الخيالى بالعادى حتى يمسى واقعياً طبعاً فى الزمن السابق أنتهجها غوغول وموباسان وديكينز وكافكا كل منهم بطريقته الخاصة –
الخاتمة
——–
أجتاحت التقانات الوافده مجمل قصص المجموعة وأنصبت بشكل لافت بين السحرى ( اللاتينى ) ممهوراً بخطوط ماركيز ومدرسته الغنية أضافةً للفنتازى المراوغ كما للأفتراض بعض مديات مبثوثةٍ هنا وهناك وهو ليس تشكيك أو منقصة للمؤلف فالمدرسة الواقعية وتباريحها التى شغفنا بها أعتبرت من كلاسيكيات القرن العشرين فلا مجال لواقعية أشتراكية أو واقعية أجتماعية ! فلسنا نحيا زمن غائب طعمة فرمان ولا فؤاد التكرلى ولا جيخوف ولا معطف غوغول فسرد اليوم أخذ من كل شىء سمة وعلامة ولهذا أمسى بهذا العمق والجدارة –
ابرز السمات فيها مواشجة الثيمات مع الشكل وتناسبها مع المضمون –
فى رأيى المتواضع أن الخطاب المعاصر للمجموعة ماهو إلا نصوص متعددة التأويلات من حيث تكويناتها ودلالاتها المرمزة ولها القابلية على المزيد من التفسيرات المتباينة ولا يمكن تفسيرها أحادياً فهى ككل تشكل رؤى وموقف –

شكراً حسين رشيد أتمنى لك التوفيق –

*طباعة دار شهريار – 2017

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| زياد جيوسي : دوامة “منّ السَما”.

“منّ السَما” هي الرواية الثانية للكاتبة غصون رحال التي يتاح لي قراءتها بعد روايتها “في …

| احمد عواد الخزاعي : الاسطورة والدين والتراث .. في رواية (فقيه الطين) .

لغة سردية هجينة، غريبة على طبيعة السرد الروائي، تتأرجح بين الشعر والنثر، تنتج عن سارد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *