ناطق خلوصي: طيور الفجر

لا تدري بالضبط : أدمدمة رعد أم دوي طائرة مقاتلة اخترقت حاجز الصوت ، ذلك الذي تفجّرمزلزلاً واستلّها من بستان حلمها وألقى بها في صحراء يقظة قاحلة . هبّت على فزع وغادرت سريرها شاعرةً كأن كل عصب فيها ينتفض، واتجهت صوب النافذة .لسعتها ارتعاشة أصابع يديها ، وحين أزاحت الستارة قليلاً تبينت سماءً يخترقها شريط من سديم فأيقنت أن طائرة مقاتلة اخترقت حاجز الصوت كانت هي التي أحدثت ذلك الدوي الذي ذكّرها بالزلزال الكبير الذي كان قد خلخل كل شيء .
لبثت إلى جوار النافذة هنيهةً ، واجمةً ، ساهمةً ، شاعرة ً كأن يداً تضغط على قلبها أو تسد عليها منافذ الهواء . أهي أعراض الذبحة مرةً أخرى ؟ غيرأنها سحبت نفساً عميقاً فأحست بأنها عادت تتنفس من جديد ، وأن ثقل اليد الضاغطة انزاح عن قلبها لكن الذاكرة بدأت تركض بها إلى الوراء ، فوجدت نفسها مهرولةً عبر الشارع المحفوف بصفين من أشجار جرداء يستلقي تحت سقف عتمة داكنة تفترعها السهام النارية المنطلقة في الفضاء في تشكيلات وحشية رهيبة ، وهي تصغي باستسلام إلى عويل صفّارات الانذار ودوي القصف وهذير المقاومات الأرضية وزعيق سيارات الاسعاف ، وقد استحالت هرولتها إلى ركض مجنون كأن مساً ما أصابها ، ولا أحد من حولها سوى أشباح تتراءى لها في أكفان بيض ، تظهر أمام بصرها ثم تختفي بحركة متواترة . خيّل إليها ساعتها أن النجوم تغادر مواقعها، متساقطة ً مثل زخ المطر ، فلا تخلّف وراءها سوى ستارة من الظلام الدامس الموحش ، وكل شيء من حولها ينهار .. كل شيء .. كل شيء .
تناهى إلى سمعها دبيب أقدام في الطابق العلوي . أتراه عاد أم أن ابنه استيقظ على صوت الدوي وصار يمارس عبثه الطفولي قبل أن ينزل ؟ سحبت جسدها من جوار النافذة باتجاه الجدار ووقفت قبالته وأخذت تتأمله ملياً كما لو أنها تراه لأول مرة ، مالئاً فراغ الجدار بهالة من ضوء ابيض . تفدمت خطوةً فصار قريباً من قلبها وأحست كأنها تشم رائحته . مدّت أصابعها وصارت تتلمس وجهه : جبهته وعينيه وشاربيه المفتوحين انفتاحة جناحي نسر صغير ، وذقنه الذي بدا كأن موسى الحلاقة قد غادره تواً . مررت أصابعها على شفتيه وهي تهمس : ــ تكلم يا ولدي .
وها أن صدى صوته يملأ أذنيها : ــ لا تجزعي يا أمي . إن قلبي يستمد القوة من قلبك .
وكتمت في صدرها كلمات مثقلة بالعتب ، وهمست لنفسها وهي تكتم ابتسامة ساخرة : ” من قلبي الواهن ؟ ” وها أن صدى صوته يرن في سمعها من جديد :ــ خذيهم إلى مكان آمن في مدينة أخرى .
ذهبوا ولم تذهب :لن أترك بيتي حتى لو أني دُفنت تحت أنقاضه .
ها أن دبيب الأقدام يزداد فوق رأسها الآن . تهيأ لها أنها بدأت تسمع تنقيراً على زجاج النافذة . ركضت صوبها . رأت سرب طيور بيضاء يحوم في سماء المنزل . سمعت وقع أقدام يقترب ، وإذ التفتت رأت حفيدها يهبط درجات السلّم وهو ينشر على وجهه ابتسامة آسرة ذكّرتها بابتسامة أبيه. ركضت إليه . فتحت ذراعيها وقد انحنت مثلما اعتادت أن تفعل كل يوم ، فركض نحوها . تلقفته ورفعته إلى صدرها وضمت ذراعيها حول جسده الصغير . همست في أذنه : ــ ألم يعد أبوك ليلة البارحة ؟
هز رأسه نافياً وقد تعلقت دمعة في عينه وأشار بإصبعه النحيف إلى الصورة . سارت به نحوها قالت تخاطبه : ــ لقد بدأ يسير على قدميه . لا بد انك رايته يهبط السلّم لوحده .
أحست كأن يدين تمتدان من الجدار وأن حفيدها يكاد ينسحب منها فأرخت ذراعيها وقد تلبّسها الذهول . عادت تسمع التنقير على زجاج النافذة من جديد ولكن على نحو ٍ أعنف هذه المرة ، وخيّل إليها أنها تسمع صهيل خيول جامحة . ركضت صوب النافذة ، رأت طيوراً بيضاء حطّت على افريزها وصارت تنقر على زجاجها كأنها تريد كسره لتقتحم المكان ، وطيوراً بيضاء أخرى تحوم هنا وهناك . مدّت يدها ورفعت مزلاج النافذةوسحبت الدرفة إليها فصارت الطيور تقتحم الصالة مالئة ً المكان برفيف أجنحتها وتتجه نحو الصورة وتحوم حولها . ما لبثت أن رأته يغادر الصورة ويستحيل إلى طائر أبيض يغادر الجدار ولم تعد تميزه عن غيره من الطيور .
كادت تصرخ : أين الصغير ؟ لم تشعر كيف انزلق من صدرها نازلاً إلى أرض الصالة . انتابتها تلك اللحظة نوبة فزع مفاجىء فصرخت : ــ لا تأخذوا الصغير . لا تأخذوا الصغير . دعوه لي .
وحيث بدأت الطيور تتطاير في فضاء الصالة ، نظرت إلى الجدار فوجدت في رقعة المكان التي كان يستقر فيها قبل الآن ، بقعة حمراء متوهجة . أفاقت من ذهولها على صوت كركرة . التفتت فرأت الصغير يركض صوب السلّم وهو يكركر . وحين بدأ يصعد ركضت إليه وقد أخذت ابتسامتها تومض من خلال دموعها وصارت تصعد السلّم هي الأخرى ولكن وراءه .

شاهد أيضاً

بن يونس ماجن: ويل للمطبعين

عرب اليوم لا يشعرون بالعار وليس لهم احساس الغضب عبثا يلعبون بالروليت الروسية ويتوسدون نشارة …

عصمت شاهين دوسكي: حرق علم أم ثروة موتى ..؟

كثرت المنابر ،كثرت الكراسي ،كثر الموتى للركود سبيلا ،السراب حقيقة .. كثر الجهلة اجتمع الجهلة …

يونس علي الحمداني: عندما كنا صغارا

عِندما كُنا صِغارا كانت لنا قلوبٌ كِبار كانتْ تصغر .. تصغرْ كلما كُنا نَكبر.. عِندما …

تعليق واحد

  1. محمود سعيد

    جيدة، كثيرا ما تزعزني أصوات الطائرت فأخال نفسي في ليالي القصف الإيراني في البصرة
    يا لها من أيام!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *