شكيب كاظم: أحمد زكي الخياط.. قبس من أخلاقه ونزاهته

وأنا أقرأ في كتاب (خواطر وأحاديث في التاريخ) الصادر سنة 1983 للدبلوماسي المؤرخ نجدة فتحي صفوة، الذي قرأت منذ سنوات بعيدات كتابه الجميل (العراق. في مذكرات الدبلوماسيين الأجانب) الصادر عام 1969 وكتبت عنه حديثاً نقدياً، نشرته مجلة (الثقافة) عدد مايس 1972 التي كان يصدرها أستاذي الدكتور صلاح خالص، الكتاب الذي احتوى على المقالات التي نشرتها مجلة (الف باء) الأسبوعية العراقية تحت العنوان ذاته، بدءاً من شهر نيسان عام 1982 كنت قرأت اكثر هذه الموضوعات حين نشرها، ولقد أحسن الأديب الأنيق نجدة فتحي صفوة صنعاً، إذ جمع هذه المقالات التي تحدثت عن التأريخ العراقي المعاصر، ونشرها على حسابه الخاص، في كتاب كي يسهل الرجوع إليها.
وأنا أقرأ أو أعيد قراءة هذه المقالات، وقفت طويلاً عند حادثة، ذكرها الأستاذ نجدة، جديرة بالتدبر وأنعام النظر، مشيرة الى علو أخلاق الرجال الذين بنوا العراق، بدايات تأسيس العهد الملكي والدولة العراقية، ونكران الذات التي تحلى بها ذلك الرعيل، مما يستدعيني، إعادة تدوينها ووضعها بين أيدي الجيل الحالي، كي يتعرفوا على أخلاق ذلك الرعيل، الذي جعل المصلحة العامة، هي الأساس في عمله، في وقت نرى تهافت الجيل الحالي على المصلحة الذاتية، وليكن من بعدي الطوفان، الأمر يشير وبأسف الى انهيار منظومة القيم الأخلاقية، بسبب سلسلة الحروب الكافرة والحصار المدمر.
الدبلوماسي المؤرخ نجدة فتحي صفوة، ينقل لنا عفو الخاطر، هذه الحكاية، إذ يذكر في حديث خص به الدكتور مصطفى جواد – رحمه الله- أن عُيَّنَ سنة 1943 الأستاذ أحمد زكي الخياط- رحمه الله- مديراً عاماً للدعاية، وتعني في مفاهيم هذا الزمان، وزارة الإعلام أو الإعلان، وكان الخياط رجلاً فاضلاً نابهاً يحب العلم والعلماء والقراءة والثقافة، فشاء رفع مستوى الإذاعة من خلال تكليف عدد من كتاب ذلك الزمان، لإلقاء أحاديث ثقافية وتاريخية وعلمية و…و من خلال أثير إذاعة بغداد اللاسلكية،

dav

فألف لجنة تتولى قراءة هذه الاحاديث والمقالات، وإجازة الصالح منها، ألفت اللجنة برئاسة الأستاذ الخياط بوصفه مدير الدعاية العام والمشرف على الإذاعة وعضوية العلامة طه الراوي، الأستاذ في دار المعلمين العالية، والدكتور مصطفى جواد والصحفي الرائد روفائيل بطي، صاحب ومؤسس الجريدة الرائعة (البلاد) وتولى سكرتارية اللجنة الأستاذ نجدة فتحي صفوة.
لكن اللجنة رأت أنها خلوٌ من الاختصاص العلمي، لأن أعضاءها مؤرخون ولغويون وصحفيون، فاقترحت إضافة الأستاذ جعفر الخياط، الذي كان حاصلاً على شهادة من إحدى الجامعات الأمريكية في الزراعة والعلوم الطبيعية، لكن الأستاذ أحمد زكي الخياط، لم يوافق على إضافة أخيه الى عضوية اللجنة، حفاظاً على سمعته، ودرءاً لتقولات المتقولين، في وقت كان الناس حريصين على سمعتهم ونظافة أياديهم، لكن الأعضاء ألحوا عليه، بضرورة القبول لا لكونه شقيقاً له ولكن لاختصاصه العلمي الذي هم بحاجة إليه، فوافق رحمه الله على مضض!!
وما دمنا بصدد ذكر الأستاذ جعفر الخياط، فقد تقدم في الهرم الوظيفي، حتى صار مديراً عاماً للتعليم المهني، في وقت كان العراق يسير بالتدرج الوظيفي، واضعاً نصب عينيه الكفاءة والنزاهة وصولاً الى بناء المجتمع المتقدم المتحضر، قبل ذلك اليوم الدموي التموزي، كما أنه عمل في الترجمة، وكان من أرقى الأعمال التي تولى الأستاذ جعفر الخياط ترجمتها، الكتاب الذي ألفه ستيفن همسلي لونكريك أحد ضباط البعثة البريطانية أيام الانتداب على العراق، بعد الحرب العالمية الأولى 1914- 1918 والموسوم بـ (أربعة قرون من تأريخ العراق الحديث) ويعني بذلك دخول العثمانيين العراق عام 1534 وحتى خروجهم منه عام 1917، ولقد قلت مرة وأنا أتحدث عن هذا الكتاب أنه من واجب كل عراقي وضعه تحت مخدته، كناية عن ضرورة مداومة القراءة فيه، إذ غاص هذا الضابط البريطاني في وثائق ومخلفات الحكم العثماني، ودرسها ومَحّصَها ليخرج لنا بهذا الكتاب الثر.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| عامر هشام الصفّار : رواية “حين تتشابك الحكايا”..وتشابك القلوب والرؤى .

أصدرت الكاتبة الفلسطينية المولد العراقية النشأة سلوى جرّاح روايتها السابعة والمعنونة “حين تتشابك الحكايا” في …

| سعد جاسم : لماذا يَشْتَمونَ سعدي يوسف ؟ .

لم يتعرض شاعر وأَديب ومناضل عراقي أو عربي أو حتى أَجنبي ، للإساءات والشتائم والقدح …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *