أَوس عبد علي حسن: ثلاث قصص قصيرة جدا

سيرفيدية
عِندَ صِيَاحِ الدِّيكِ صَبَاحًا يتقلَّصُ وَجهُهُ ، ويُطَأْطِئُ إصبَعَهُ المَثقُوبُ ، بَعدَ أَنْ بُتِرَتْ مُقَدِّمَتُهُ بِدَقَائِقِ اللَّيْلِ الحَالكِ، ويَتَشَرنَقُ مَعَ أَصابِعِ يَدِهِ الثَّلاثَةِ ، يَلوكُهُ الأَلَمُ، وهوَ يُسَربِلُ ظِلَّهُ مُتَّجِهًا إِلى نَافِذَةِ غُرفَتهِ الكائِدَةِ، يَتَمَركَزُ في وَسَطِهَا، وَالشَّمسُ تَفقُسُ للتَّوِّ ، وتَلفَعُ ضَوءَ الظُّلْمَةِ؛ مِمَّا يُظْهِرُ الشَّارِعَ أَمَامَهُ شَاحِبًا ، وَحدَهَا الكلابُ تَعوي لَاهِثَةً ، تَتَرَقَّبُ مُرُورَ مَنْ تَعضُّ سَاقَهُ ، أو تَأخُذُ كِيسًا مِن قُمَامَةِ بَيتِهِ، صَرَخَ عليها:
أُترُكي قُمَامَةَ البَيتِ!
وَجهُهُ مُتَكَدِّرٌ بِالنُّعَاسِ، يَلُوحُ بِيَدِهِ:
ابتَعِدي: أَلا تَسْمَعِيني؟ ابتَعدي عَن وَجهي
وَظَلَّ يَصرخُ دُونَ جَدوى ، حَتَّى صَارَ صَوتُهُ خَشِنًا مُتَقَطِّعًا ، ظَنَّتُ الكِلابُ أَنَّهُ يُخَاطِبُهَا، تَجَمَّعَتْ تَحتَ نَافِذَتِهِ وَهِيَ تَعوي ، وَهوَ يَصرَخُ ، يَتَنَاوَبُونَ على الصُّرَاخِ حَتَّى صَمَتَ الجَمِيعُ؛ بَعدَهَا بِيَومٍ سَكَنَتِ الكِلابُ بَيتًا جَديدًا مَعَ إِصبِعِ يَدِهِ الرَّابِعِ.
_________
تَشَرنُقٌ
يَقتَاتُ صُرَاخُهُ المُتَرَبِّعُ على فِرَاشِهِ المُتَّسِخِ المَلِيءِ بِأَنَابِيبِ أَطفَالٍ تَلَاشَوا في لُجَّةِ الانتظَارِ؛ مَاسِكًا أَنفَاسَهُ كَجَرَادٍ جَائِعٍ يُحَاوِلُ الزَّحْفَ مُنْسَّلا بِكَرْشِهِ المُنْتَفِخِ إلى غُرفَةِ أَبنَائِهِ المُكتَضَّةِ بِسَيَلَانِ الشَّمْسِ، وَهُمْ يَذرونَ بِصُرَاخِهِم المُلتَوي رَائِحَةَ طُفُولَتِهِم على جُيُوبِهِ لِتَزدَادَ حُمُوضَةً ، يَتَّكِئُ على حَافَّةِ الخَشَبِ (الطاولة) ، يُحَاوِلُ النُّهُوضَ مُنتَعِلًا الخَوفَ ، يَصِيخُ السَّمْعَ مَرَّةً أُخرَى لَعَلَّهُ يَسمَع صَوتَهم وَهُوَ يُكَرِّرُ، ألعَابهم، ملابسهم، كُرَاتهم….. أَخَذَ صَوتُهُ يَدخُلُ بَرزَخًا مَعقُوفًا وَحُضنَهُ بِالتَّمَاهي، جَالِسًا في زَاويَةٍ الغُرفَةِ حتَّى أَصَابَتْ رَأسَهُ لُعبَةٌ خشبيةٌ لِتَسقُطَ صُورَتُهُ المُعلَّقَةُ على الحَائِطِ مُصَاحِبَةً قَهْقَة أطفالٍ يَلعَبُونَ.
__________

تَنَكُّرٌ
يُطَأطِئُ جَسَدَهُ المُنسَلِخُ بِالعودَةِ إلى بَلَدِهِ، وَيُتَابِعُ مَسِيرَهُ الذي يَحزُّهُ الجُوعُ خَلفَ الآخَرين إلى شُبَّاكِ التَّذَاكرِ، يَفتلُ جَوَازَهُ تارَةً وَيَغمسُهُ في الحَقيبَةِ تارةً أُخرَى ، وَاضِعًا وَاقِيًا على أنفِهِ وَيتنفَّسُ بِصُعُوبَةٍ مِن كَثرَةِ الجُثَثَ التي تَملَأُ المَكَانِ، يَئِنُّ فَمَهُ مِن تَرَاتِيلِ الكلماتِ ؛ خَوفًا أَلَّا يَصِلَ إِلى وَطَنِهِ وَهُوَ جُثَّةٌ ، ظلَّ يئنُّ حتَّى وَصَلَ شُبَّاكَ التَّذَاكِرِ ، حَدَّقَ بِهِ الرَّجُلُ مُنتَظِرًا أَنْ يُبرِزَ جَوَازَ سَفَرِهِ، أَخَذَ يبحثُ عنهُ بَينَ بَقَايَا ذَاكِرَتِهِ ، يَصرَخُ بِهِ : أَينَ جَوَازُ سَفَرِكَ ؟ يَجِفُّ حَلقُهُ ، والكلمَاتُ تَهربُ مِنهُ . أومَئَ للرَّجُلِ أَنَّهُ مُجَرَّدُ جُثَّةِ وبين هذا الهذيانِ تَغزُوهُ رَائِحَةُ الجُثَثِ وتَعتقِلُهُ نَوبَةٌ صَغِيرَةٌ تَجعَلُهُ جَوَازًا مَفقُودُا بِلَا وَطَنٍ.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. ميسون حنا : الربان .

يتمايل القارب على سطح الماء، اعتاد الربان أن يصطحب حبيبته في جولة على متنه كل …

| شروق حمود : “عن المعاناة” للشاعر: شو جيانغانغ.

المعاناة شاعر يمشي على الطريق الشائك متلفحآ بصليب المعاناة صلاة الشاعر اليومية قبل العشاء شكرآ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *