سلام إبراهيم: وجهة نظر (14) “قيثارة أجاثا كريستي” رواية العراقي إبراهيم أحمد (ملف/76)

في الفرات قبل الدخول إلى الهور – 2014

إشارة:
مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي “سلام ابراهيم” نصوصه بدم التجربة الذاتية ولهيبها. وفي اتفاق مع إشارة خطيرة للباحث الأناسي العراقي البارع د. علاء جواد كاظم الذي اعتبر روايات وقصص سلام إبراهيم من مصادر الدراسة الأنثروبولوجية الناجعة في العراق نرى أن نصوص سلام يمكن أن تكون مفاتيح لدراسة الشخصية الوطنية مثلما استُخدمت نصوص ياسانوري كاواباتا لدراسة الشخصية اليابانية ونجيب محفوظ لدراسة الشخصية المصرية مثلا. الفن السردي لسلام ابراهيم هو من عيون السرد العربي الذي يجب الاحتفاء به من خلال الدراسة الأكاديمية والنقدية العميقة. تحية للروائي المبدع سلام ابراهيم.
أسرة موقع الناقد العراقي

تحدثنا تلفونياً أنا صديقي الروائي والقاص الجميل “إبراهيم أحمد” فأخبرني بصدور روايته “قيثارة أجاثا كريستي” في بيروت قبل عامين، لكني لم أطلع عليها، وخبّرني بأنها رواية طويلة، طبعا ستكون مكلفة في كل الأحوال، من شحنها للكاتب من بيروت إلى السويد، ثم بعثها للأصدقاء، لذا عدت لا أطالب اصدقائي الكتاب ممن لم يبعث كتبه كما كان يفعل منذ عشرين عاماً. فأقترحت عليه نشرها في مجلة الكلمة الألكترونية الشهرية التي أحرر قسم سرد وقص فيها كرواية عدد، فرحب بالفكرة وبعثها بصيغة وورد كي اعدها للنشر، وهذا ما يجبرني على قراءة ما يرد لي للنشر بدقة وتفحص إذ أقوم بتصحيح ما يصدفني من أخطاء أملائية او نحوية أو طباعية.
الرواية فاقت الـ 100 ألف كلمة وهذا يعني بالورق فاقت الـ 700 صفحة.
بالرغم من طول الرواية لكنها تشّد القارئ أو بأدق شدتني من صفحاتها الأولى، إذ يقتحمك حدث أختفاء الكاتبة الروائية الأشهر بالروايات البوليسية الغامضة ذات البنية الاجتماعية والنفسية “أجاثا كريستي” من فندق وسط بغداد بظرفٍ غامض جداً، إذ يستيقظ زوجها عالم الأثار والمنقب الأنكليزي وعاشقها ” ماكس مالون ” صباحا فلا يجدها إلى جواره في السرير. فتبدأ عملية البحث المضنى من الصفحات الأولى وحتى الصفحة الأخيرة، إذ لا يشغلنا “إبراهيم أحمد” لا بل يأخذنا في رحلة ممتعة تجوب التاريخ العراقي الحقيقي الذي يطل عليه بين الحين والحين حينما تأخذ أبعاد أختفاء كرستي بعدا سياسياً فنتعرف على الأوضاع القائمة في العهد الملكي ورجالات دولته وعلاقاتهم بالناس والسلطات الأنكليزية، وهذا الجانب يمر عليه خطفاً دون تعمق وكان مفيدا في تدعيم بنية النص الخارجية، بينما ركزت التفاصيل على محنة زوج كيرستي الحاضر الفيزيقي الوحيد بالأحداث والشخصية المحورية الذي يبحث عن الزوجة التي أختفت. تابعت القراءة بتمعن من يعرف الأسرار وقلت مع نفسي:
– إلى أين سيفضي بي صديقي وهل يستطيع شديّ حتى الصفحة الأخيرة؟
فالحبكة تبدو بسيطة، أجاثا أختفت من فندق بشارع الرشيد، ووقتها بغداد صغيرة، في أية لحظة سيعثر عليها وكنت أظن ذلك متوقعاً مساراً أخر للرواية يتناسب مع عنوانها.
لكن خاب حدسي ، والكاتب يأخذني في غور عالم متخيل ( أتصلت بإبراهيم حال فراغي من روايته لأسأل عن مدى دقة الوثائق واليوميات التي وردت فيها فأخبرني بأن أغلب اليوميات متخيلة ما عدا بعض المناحي التاريخية الجوهرية) عالمٍ محكم البناء يشده سرد لاهث تجسّد بلهاث عالم الأثار زوج أجاثا المتأرجح على حافة الجنون، فينبش بأوراق زوجته ويعثر على يوميات أجاثا التي يسلمها للشرطة العراقية فنتابعها عن طريق محققٍ عراقي يتعرفون عليه وقتما كان صبيا في هيت. والمسار الثاني يوميات الباحث والرحالة الإنكليزي الشهير ” وويلفرد سيثجر”
بين هذين المسارين المشكلين بنية الرواية الرئيسية ومادتها ألتهمت بشغف تفاصيل حياة مبنية بإحساس ورهافة، جعلتني أشعر بكيان الزوج عالم الأثار الشاعر بالإنكسار الروحي وهو يجد نفسه في وضع تراجيدي متأرجح بين فقدها وهما في بلدٍ يناضل ضد الأستعمار الإنكليزي، وبين زوج محب أو ما يفكر كأي محبٍ بهاجس الهجر والخيانة فيتخيلها هربت مع “سيثجر” الرحالة مكتشف أهوار العراق وناسها، فيحتفظ برسائله التي كان يبعثها إلى أجاثا كي لعله يجد خيطاً يوصله إلى سر أختفاء زوجته.
ومن خلال الأوراق، وهذا من جماليات الرواية التي أبتعدت تماماً عن فكرة المخطوطة والعثور عليها والمداورة حولها والتي أستهلكتها الرواية العالمية والعربية والعراقية، إذ أن البنية في “قيثارة كريستي” مفتوحة؛ كاتب عراقي يبحث في الموضوع قبل أن يهرب من العراق زمن الدكتاتور، يعود بعد الأحتلال باحثا عما دونه، ويبحث، لا يعثر على مخطوطة بل أوراق مبعثرة تتداخل في السرد مع الواقع في الأزمان المختلفة المنصهرة في السرد؛ عراق الخمسينات، عراق السبعينات، عراق ما بعد الاحتلال، والرابط الحدث والقيثارة والبحث.
سيتصفح القارئ وخصوصا العراقي ويتعرف على عالم سكان أهوار الجنوب وأساطيرها، من خلال رسائل الرحالة لزوجة المنكوب، رسائل تقطر دهشة ومحبة لعالم الهور وبشره ليس هذا فحسب، بل ينسج الروائي بحذق خالقاً أسطورة تعلق الرحالة بحكاية صورة شاعت ولا زالت في العراق صورة فتاة جميلة نعتت ” ببنت المعيدي” وهي صورة يكاد كل عراقي يعرفها ومن مختلف الأجيال ويعرف قصصاً مختلفةً عن حكايتها. وهنا يستثمر الروائي الموروث العراقي الشعبي بوحدته فينسج لنا قصصا تنسب هذه الشخصية اشعبية الأسطورية لكل الأقوام والأثنيات التي سكنت وادي الرافدين، قصصا وحكايا ممتعة أدهشتني إذ لم أسمع بها من قبل القراءة. قصص نسجها عراقي عارف خبير تقول وحدة هذه البقعة من الأرض التي وجدت منذ الخليقة برافديها. كل الأقوام تشترك بحكاية “بنت المعيدي”
أي مخيلة مزجت هذي القصة والحكاية الجنوبية وجعلتها عراقية
أي مخيلة خالقة صورت ذلك من خلال رافع سردي مقنع هي أوراق باحث رحالة إنكليزي يتتبع القصص والحكايا عله يعثر على ظلٍ من الحقيقة.
في مسار أخر للسرد الممتع والمتداخل مع المسار الذي ذكرته، سنطل على أعماق النفس البشرية. وهنا الشخصية إنكليزية بأعلى المراتب عالم أثار، لكن الإختفاء المباغت للزوجة يجعله يشك، وهنا الشك ليس بمعناه الشعبي الغريزي، هنا الشك بين ذوات مثقفة بلغت درجةً جعلتها تذهب للبحث في تاريخ الشعوب، شعوب تخلفت في التاريخ، لكنه مع ذلك يصوره الكاتب في تصوير عميق عارف كإنسان يغار، ويكاد يموت غيرة من فكرة كون الزوجة تركته هاربة مع أخر. في بعض مواضع السرد نجده في هاجس غير واضح وغير صريح، ودّ في خضم تقليبه لأوراق ورسائل الرحالة لو يجدها ميتة ولا تكون هاربة مع أخر.
هذه المشاعر الخاطفة والمدسوسة في فضاء السرد بالغة العمق، فالحب سؤال مثل وله الرحالة ببنت المعيدي التي يحسها العاشق والقارئ في مواقع كثيرة بلا أمل، وهمٌ وحكايا ليس إلا.
رسم المشاعر والأحاسيس للشخصيات بتنوع منشأها القومي والأثني دقيق، إذ يجده القارئ ويحسه كمعاناة إنسانية تمس كل كيان وكل وجود.
بين غيرة عالم الأثار الزوج، وتدله الرحالة بحب أسطورة عراقية، وأختفاء روائية أنكليزية مشهورة، في وضع تاريخي محدد خمسينات العراق خلق “إبراهيم أحمد” روايته الجميلة وهي رواية تشكل مع جهد الروائي العراقي “محود سعيد” المقيم في أمريكا نمطاً من الروايات التي ترسم تاريخ العراق أدبيا
وتضع لبنات أساسية لبلدٍ يقاوم
مهدد بالفناء
إبراهيم صديقي طوبي لك
22-5-2019
سلام إبراهيم

رابط الرواية
لمن يحب متعة القراءة
http://www.alkalimah.net/Articles/Read/20506
ورابط الرواية التي نشرتها في مجلة الكلمة

شاهد أيضاً

الدكتور صالح الطائي: ولادة قصيدة وطن رائية العرب (ملف/16)

إشارة: يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تفتتح هذا الملف عن “قصيدة وطن- رائية العرب” …

أمجد نجم الزيدي: سيرة المكان في رواية (عمكا) (ملف/14)

تستند رواية (عمكا)* للروائي سعدي المالح، على استلهام تاريخ مدينة عينكاوه، وحياة السريان في تلك …

سلام إبراهيم: أفكار حول الرواية العراقية للنقاش (2) حافظة للوحدة الوطنية (ملف/127)

في ظل ظروف الدكتاتورية والحروب المتواصلة التي أدت إلى أحتلال أمريكي عمل بخبث على تمزيق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *