رؤيا اليقين لسلام إبراهيم
لغة تتفكك وتنبني في الأسئلة والانكسار
كريم عبد (ملف/75)

إشارة:
مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي “سلام ابراهيم” نصوصه بدم التجربة الذاتية ولهيبها. وفي اتفاق مع إشارة خطيرة للباحث الأناسي العراقي البارع د. علاء جواد كاظم الذي اعتبر روايات وقصص سلام إبراهيم من مصادر الدراسة الأنثروبولوجية الناجعة في العراق نرى أن نصوص سلام يمكن أن تكون مفاتيح لدراسة الشخصية الوطنية مثلما استُخدمت نصوص ياسانوري كاواباتا لدراسة الشخصية اليابانية ونجيب محفوظ لدراسة الشخصية المصرية مثلا. الفن السردي لسلام ابراهيم هو من عيون السرد العربي الذي يجب الاحتفاء به من خلال الدراسة الأكاديمية والنقدية العميقة. تحية للروائي المبدع سلام ابراهيم.
أسرة موقع الناقد العراقي

ينشأ القول القصصي عند سلام إبراهيم من لحظة انهدام الروح، أي لحظة انهدام القيم والمفاهيم في علاقات إنسانية مضطربة، هي بمجملها ضحية لحرب داخلية أينما يقف فيها الإنسان يبدو مهزوماً، وربما كانت الحكمة في قصص الحرب هذه تكمن في عدم وجود طرف منتصر، فبقدر ما تبدي الضحية من مقاومة هي كل ما تملك في معادلة صراع مختلة لصالح الجلاد، فأن الجلاد ذاته يبدو متلعثماً خائفا من ضحيته.
وينعكس هذا الصراع الغريب في الموضوع القصصي على لغة القصة وبنية النص القصصي، وكأن الكاتب ينشئ نصه من ركام الإنسان والأشياء، من ركام المخيلة وتشتت مكنوناتها، فتبدو الشخصية القصصية وكأنها علامة اتهام لكل من حولها، وكأنها مدركة بأن لا خلاص لها من دوامة وجودها.
ليست “رؤيا اليقين” مجموعة أولى، بل هي نتاج ما يقارب العشرين سنة من الكتابة لم يتمكن الكاتب خلالها من نشر قصصه التي تبعثرت وذهبت بدورها ضحية القمع والممنوع والالتباس، فكانت قصصه الجديدة تفتش عن صيرورتها في غمرة الحرب، في قرى كردستان وإيران وبلاد المنافي الأخرى، وبين حرية الموت ومرارة العيش والمقاومة جاءت هذه القصص مثقلة بالتجربة وحشرجاتها.
ليست الكتابة داخل العراق كما هي خارجها، أي خارج هيمنة السلطة ورطانتها، فهناك لا يستطيع الشخص أن يقف أمام ذاته وضجيجها لأنه مشغول أصلا في الدفاع عنها أو عن بقاياها، في حين تبدو الذات ببعديها الفردي والجمعي أكثر وضوحاً وإمكانية على التأمل خارج مكان حصارها واحتمالات موتها المباغت، ومن هنا تأتي الحرية النسبية في كتابة سلام إبراهيم، حرية استعادة التجربة وعيشها بما تنطوي عليه من مفارقات ومآس ومفاجآت.
سبع قصص تحيل كل منها إلى أخرى، فتصبح خلفيات متتالية لمشاهد ونوازع شتى، أسئلة وتعثرات، وحشة وأحلام، تنسكب الذاكرة خلالها كشريط سينمائي يتقطع ويتواصل ليضئ الحاضر أو يضيع في عتمته وانكساره، هي قصص عن الرعب والتشبث باحتمالات الحياة، فتبدو العودة إلى الأجواء الدينية بمثابة رغبة أخيره في البحث عن هدوء مفتقد، هدوء مستحيل.
وعبر كل ذلك يخوض سلام إبراهيم في أسئلة قلما طرحتها القصة العراقية، أسئلة الإنسان والقيم في مجتمع المقاومة في كردستان، أسئلة معيوشة ضمن تجربة الكاتب، عن ضعف الإنسان ومبررات القتل ووحشية أوامر الضباط وسقوط الجنود والأنصار معا بين تلك الوحشية والدفاع عن الذات. هي في مجملها قصص عن حيرة الذات أمام نفسها من جهة وأمام الآخرين من جهة أخرى.
وفي غمرة هذه الواجهات تتجدد لغة القصص، تتفكك وتنبني باحثة عن إيقاعها ووجودها، تتعثر أحيانا وتضيء في الغالب، لكنها تظل على الدوام تنطوي على حكمة ومشروعية، حكمة البحث عن معنى وجدوى ومشروعية التجريب في القول القصصي الجديد
عن الوفاق اللندنية 1/3/1994

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

تعليق واحد

  1. محمود سعيد

    عزيزي سلام
    أرجو أن تكون بخير
    معذرة لهذا الانقطاع الطويل
    هل تتكرم بإرسال الوورد لعمل لك تفضله على غيره، لأني ببعدي الشاسع عن الكتب ومصادرها، لم استطع الحصول على شيء من كتبك
    تحياتي
    محمود سعيد
    maltaie39@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.