عن تدوين شعر العامية العراقى المعاصر
محمد على عزب ـ شاعر وناقد مصرى

اٍن شعر العامية العراقى المعاصر الذى نُشَرت أولى قصائده سنة 1960م يختلف فى تقييده, وتدوينه عن شعر العامية فى البلاد العربية الأخرى, وذلك من ناحية رسم حرفى “القاف” و”الكاف”, فحرف”القاف” يُنطق فى العامية العراقية “جاف” ويُكتب كاف معقودة “گ” فوقها شرطة, وهذا يُحدث لبسا عند القارئ الغير عراقى, ويقول د. تركى الغنامى : ( مضى على ابتداع الجاف والكتابة به أكثر من خمسين سنة )1, أما بالنسبة لحرف “الكاف” فى شعر العامية العراقى المعاصر فاٍنه يُكتب جيم مثلثة (ﭺ) وينطق “تش”, وحرف الجيم المثلثة باٍضافة نقطتين للجيم لا يوجد فى الرسم العربى للحروف, ويوجد فى الأبجدية الفارسية والكُردية والأوردية, هذا اٍلى جانب أن حرف الجيم المثلثة فى مصر يُنطَق “جيم معطشة” ويأتى دائما فى الأسماء الأجنبية مثل “أوكسجين”, وظاهرة اٍبدال “الكاف” “شين” أو”تش” كانت موجودة فى اللغة العربية الفصحى عند بعض القبائل العربية فى نجد والحجاز قبل الاٍسلام ( فاٍبدال الكاف شينا يكون فى الشنشنة أمّا اٍبدال الكاف صوتا مزجيا متكونا من تاء وشين “تش” يكون فى الكشكشة )1, ومازالت الشنشنة والكشكشة موجودة للأن فى بعض مناطق الخليج واليمن والشام, والعرب الأقدمون الذين كان لديهم الكشكشة والشنشنة فى نطقهم كانوا يكتبون “الكاف” “شين”, والعراقيون عندما يكتبون بالعربية الفصحى فاٍنهم يكتبون حرف “الكاف” كماهو .
ومن أمثلة رسم القاف الأصلية فى الكلمة كاف معقودة “گ” ونطقها جيم غير معطشة, ورسم الكاف الأصلية فى الكلمة جيم مثلثة “ﭺْ” فى كتابة وتدوين شعر العامية العراقى المعاصر قول الشاعر العراقى الرائد صادق الصايغ فى مقطع من قصيدة “أغنية على الأعشاب”, التى كُتبت ونشرت سنة 1960م بالتزامن مع نشر قصائد عامية عراقية لسعدى يوسف ومظفر النواب :
يا كَمَر الانهار
خُيوطَچ عَبِير آذار
خيوطچ على كَلْبي
شَرَانِك من مطر
غزلن اِلَهْ أسوار
خيوطچ مطر اخضر
اغْرَكْ بِدَمعي يا كَمَرْ آذار )3
اٍن كتابة كل حروف “القاف” الأصلية فى كلمات هذا المقطع “كاف معقودة” مثل “كمر”, و”شرانك”, و”كلبى”, وكتابة كل حروف الكاف الأصلية فى الكلمة جيم مثلثة كما فى كلمة “ْخيوطچ” يحدث لبسا عند القارئ الغير العراقى, لأنه سيعامل “الكاف المعقودة” معاملة الكاف العربية فى النطق, ويعامل الجيم المثلثة معاملة الجيم العربية المُعَطَّشة فى النطق, أمّا لو كُتِبَ حرفى “القاف” و”الكاف” كما هما سيزول هذا اللبس, وبذلك يستطيع القارئ العربى أن يتواصل مع هذا المقطع الشعرى المبنى على التصوير الفنى الآسر المبتكر حيث تتحول أشعة ضوء قمر الأنهار اٍلى خيوط من العبير فى آذار / مارس, وشرانق من مطر تغزل أسوارا للقلب, وتتلون خيوط / أشعة القمر بلون العشب الأخضر, وفى النهاية يقول الشاعر “اٍغرق بدمعى يا قمر آذار” فتكون بداية الربيع فى شهر آذار هى بداية الحزن, ونلاحظ أن العراقيون فى عاميتهم مثل الشوام يضيفون همزة قطع “ألف” مكسورة قبل اللام المتبوعة بضمير الملكية كما فى اٍلَهْ بمعنى “له” واٍلىِ بمعنى “لى” واٍلَكْ بمعنى “لك” .
مثال آخر لرسم القاف الأصلية فى الكلمة “كاف معقودة” ونطقها جيم غير معطشة, ورسم الكاف الأصلية فى الكلمة جيم مثلثة “ﭺْ” فى كتابة وتدوين شعر العامية العراقى المعاصر قول الشاعر العراقى الكبير مظفر النواب فى قصيدة عامية بعنوان “مُو حُزِن .. لاﭼِن حزين”
مو حُزِنْ .. لاﭼِنْ حزين
مِثِلْ ما تنْـكِطِعْ
جُوّه المطر شَدّة يَاسَمِين
مِثِلْ صَنْدُوك العُرِسْ
ينباع خُرْدِة عِشِـكْ
من تمضي السنين
اٍنه كَتَلَكْ مو حزن
لاﭼِن حزين
مثل بلبل كعد متأخر
لَكَى البستان ﭼُلُّهْ بلاى تيِنْ
مو حزن
لاﭼِن أحَبَّچْ
من ﭼُِنْت يا اسَمْر جنين )4
لو استبدلنا كل حروف “الكاف المعقودة” بالقاف, واستبدلنا كل حروف الجيم المثلثة بالكاف سيستطيع القارئ العربى أن يتواصل مع هذا المقطع الشعرى الشفيف, القائم على ثنائية ضدية وهى نفى وجود الحزن وفى نفس الوقت اٍثبات وتأكيد أن الشاعر حزين, ولو ربطنا بين قول الشاعر أكثر من مرة “مُو حُزِن لكن حزين”, وبين قوله فى نهاية هذا المقطع بشكل مدهش, ومفاجئ يكسر أفُق تَوَقُّع القارئ “مو حزن / لكن أحبك من كُنْت يا اسمر جنين” سنجد أن هناك حزنين حزن جنائزى كابوسى وحزن شعرى ذاتى مرادف للحب, يدور بينهما صراع المحو والاٍثبات الذى جسدته الثنائية الضدية “مو حزن لكن حزين” فالشاعر مظفر النواب أراد أن يثبت ويُدَعِّم وجود حالة الحزن الذاتى المرادفة للحب والحلم واٍعادة تشكيل الحياة, وفى نفس الوقت أراد الشاعر أن يكسر صور الحزن الجنائزى, التى رسمتها يد الموت لزهور الياسمين وهى تتمزق تحت المطر, وصندوق العُرس الذى يباع خردة عشق, والبلبل الذى وجد “لَقَى” البستان كله خراب بلا أى تِين, و”بلاى” بالعامية العراقية تعنى “بلا أى”.
وبخصوص تقيييد وتدوين النظم الشعرى العامى العراقى قديما نجد أن نصوص الزجل والمواليا والكان وكان والقوما, التى نَظَمَها صَفِىّ الدين الحِلَّى, وغيرها من نصوص النظم العامى العراقى التى استشهد بها نقّاد ومؤرخو الأدب فى العصور الوسطى فى مؤلَّفاتهم كانت تُقيّد وتُدَوّن بالرسم العربى المعتاد للحروف بما فيها حرفى “القاف” و”الكاف”, مع التأكيد على أن محقق التراث يلتزم التزاما تاما برسم الحروف الوارد فى المخطوط الذى يُحققه, وعلى سبيل التمثيل يمكن الاستشهاد بالمثاليين التاليين, المثال الأول منهما هو مقطع من نصّ من فن “الكان وكان” ” للشاعر صفى الدين الحلى أورده ضياء الدين الاٍبشيهى المتوفى سنة 853 هجرية فى “المستطرف من كل فن مستظرف” :
اٍن غبت فهو أنيسى واٍن حضرت نديمى
واٍن شربت مُدامى فالكاسْ هو ساقِيِهْ
فمنُّو رُوحى ورَاحى اٍذا سِكرت وراحتى
وفيه عزى وذلى بمهجتى أفديه )5
والمثال الثانى هو بيت من فن “القوما”6 من ضمن عدة أبيات أوردها ابن حُجَّة الحَمَوِى فى كتابه “بلوغ الأمل فى فن الزجل” أثناء حديثه عن فن القوما العراقى, حيث قال : ( فمن لطائف أهل العراق قولهم فى ضروبات القوما وهو :
اٍنْ رِدْت تِخْطى بْحور اٍجعل كُفوفَكْ بحور
والاّ فلا تِتْعَشّقْ قُدودنا والنحور )7
اٍن مسألة رسم الحروف كما هى فى العربية الفصحى عند تدوين الشعر العامى ولينطقها كل قارئ وفقا لطريقة النطق فى عامية بلده مسألة مهمة, أدركها أسلافنا فى العصور الوسطى, والغالبية العظمى من شعر العامية العربى المعاصر يدوَّن بهذه الطريقة, وذلك يعزز من اٍمكانية تواصل القارئ العربى فى مختلف الأقطار مع شعر العامية المعاصر, ولعدم حدوث لبس عند القارئ الغير عراقى يؤثر على تواصله مع جماليات شعر العامية العراقى المعاصر أرى أن يُرسم حرفى “القاف” و”الكاف” كما هما فى الرسم العربى المعتاد للحروف, أو أن يتم الاٍشارة فى مقدمات الدواوين أو هوامش القصائد اٍلى أن حرف الكاف المعقودة يُنطق “جاف”, وأن حرف الجيم المثلثة هو بديل حرف الكاف فى الأبجدية العامية العراقية المعاصرة .

الهوامش والاٍحالات
1ـ تركى الغنامى ـ موقع مجمع اللغة العربية الافتراضى على شبكة الاٍنترنت ـ 14 ـ يوليو 2014م
2ـ سلمان بن سالم السحيمى ـ اٍبدال الحروف فى اللهجات العربية ـ مكتبة الغرباء الأثرية ـ المدينة النبوية ـ 1995 ط1 م ص233
3ـ مجلة “المثقف” العدد / 18 / تموز – اب/ عام 1960م
4ـ مظفر النواب ـ شاعر الثورات والشجن ـ أوس داود يعقوب ـ دار صفحات للنشر ـ دمشق 2010م ص 43
5ـ ضياء الدين الأبشيهى ـ المستطرف من كل فن مستظرف دار مكتبة الحياة للنشر ـ بيروت 1992م ج2 ص 287
6ـ البيت الواحد فى المواليا الرباعى والقوما والكان وكان يتكون من أربعة أشطر, وليس شطرين كما فى الشعر العمودى
7ـ ابن حجة الحموى ـ بلوغ الأمل فى فن الزجل تحقيق د. رضا محسن القريشى ـ منشورات وزارة الثقافة والاٍرشاد القومى ـ دمشق 1974م ص 144, والبيت فى المواليا الرباعى والقوما والكان وكان يتكون من أربعة أشطر

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *