طلال سالم الحديثي : مراتب الوهم – ذاكرة القصائد

حملت إليَّ مجموعة الشاعر وديع شامخ المعنونة بـ (مراتب الوهم) مفاجأة لها طرفان، أولهما عدم معرفتي باسم هذا الشاعر رغم تتبعاتي المتواصلة للنتاج الأدبي العراقي منذ ما يقرب من نصف قرن، وهذا أمر لا أعُذَر فيه، وثانيهما أني وجدت في المجموعة قصائد بهية لها كثير من (الفرادة) في جوانب عديدة يمكن أن يصلها الدارس أو الناقد إذا أولاها مزيداً من التبصر القرائي الموصول بقواعد النقد الأدبي الموضوعي، فذاكرة قصائده محتشدة بتعالقات تاريخية حسبتها لأول وهلة من دواعي الانسياق وراء الشعراء الذين تناسلت الأساطير والحوادث التاريخية في أشعارهم تقليداً لبضعة رواد في هذا الاتجاه، وكأن الشعر بدونها لا شعر. إلا أن الكشاف الذي إختتم به الشاعر (وديع) مجموعته عن أعماله الأدبية أزال هذا الوهم من ذهني حين وجدت له بحوثاً في مجال التاريخ هي كما أثبتها:
  الإمبراطورية العثمانية من التأسيس إلى السقوط، وتاريخ الأندلس من الفتح الإسلامي حتى سقوط قرطبة.
  ومن الطبيعي والحالة هذه أن تكون له تعالقاته الكثيرة بالتاريخ وإن كنت أذهب مع القائل إلى أن: (كشف المعنى المخبأ الذي هو أصلاً في قلب الشاعر غاية لا تدرك ووطر لا ينال، فإذا كانت الدلالة الشعرية تتقلب في قلب الشاعر وتتغير دون وقوف، فهناك معان قبل الكتابة، ليست هي ذاتها في أثناء الكتابة، وليست هي عينها ما بعد الكتابة، فالمعنى الشعري متغير حتى عند الدارس الذي يجب أن يعي جيداً أن الاحتمالية والتعددية هي الشعار الذي يجب أن يعمل به في رحلة المكاشفة). (لسانية النص الأدبي، د. صبار نور الدين مجلة الموقف الأدبي، العدد 385 دمشق 2003).
  ورحلة المكاشفة طويلة، ويبقى التأويل والتخمين قارب نجاة، لكن هذا لا يعني تجاوز جماليات ظاهرة في النص – أي نص – وفي هذه النصوص للشاعر وديع التي أسماها بـ (مراتب الوهم)، وقد إهتم علماء السيمياء كما يقول د. بلقاسم دفّة بالعنوان اهتماماً واسعاً في النصوص الأدبية، باعتباره علامة إجرائية ناجحة في مقاربة النص بغية استقرائه وتأويله. وذلك نظراً للوظائف الأساسية التي تحدث عنها رومان جاكسون (المرجعية والافهامية، والتناصية) التي تربطه بهذا الأخير وبالقارئ، فالعنوان يعتبر مفتاحاً إجرائياً في التعامل مع النص في بعديه الدلالي والرمزي. والعنوان نص مختصر يتعامل مع نص كبير يعكس كل أغواره وأبعاده.
  وهو الموجه الرئيس للنص بنوعيه، وهو دال إشاري وإحالي يوحي إلى تداخل النصوص وتلاقحها وارتباطها ببعض عبر المحاورة، ويعلن كذلك عن قصدية المبدع أو المنتج وأهدافه الإيديولوجية والفنية، إنه إحالة تناصلية وتوضيح لما غمض من علامات وإشارات، فهو إذن النواة المتحركة التي خاط المؤلف عليها نسيج النص.
  والغلاف هو الآخر يعد بمثابة عتبة تحيط بالنص، من خلالها يعبر السيمائي إلى أغوار النص الرمزي والدلالي، ويدخل النص الموازي الذي هو عند جيرارجنيت ما يصنع به النص من نفسه كتاباً، ويقترح ذاته بهذه الصفة على قرائه، وعموماً على الجمهور، أو ما يحيط بالكتاب من سياج أولي وعتبات بصرية ولغوية. ويحلله (جينيت) إلى النص المحيط والنص الفوقي، ويشمل النص المحيط كل ما يتعلق بالشكل الخارجي للكتاب كالصورة المصاحبة للغلاف. (د. بلقاسم دفة الموقف الأدبي عدد 385/2003).
  والصورة المصاحبة لغلاف مراتب الوهم لوحة تشكيلية لإنسان قائم تختلط بانحنائته حروف متداخلة هي أحرف العنوان، وألوان المراتب المتداخلة ما بين الأزرق القاتم والأخضر والأصفر والأبيض إلا أن اللون القهوي هو اللون السائد للوحة أجمعها. وأجمالاً فإن اللون القاتم يوشك أن يطابق عتامة الوهم، وقد تكون هذه الشفرة مفتاحاً للنص.
  وقصائد وديع في هذه المجموعة ذات زخم تأملي وكثافة شعورية عميقة، والقيمة الفنية لأي عمل أدبي تقاس بمقدار إثارته للقارئ جمالياً، والنصوص الفنية العالية المستوى – هي نصوص جمالية دون أدنى شك، ومعيار الجمال والجودة فيها – يقول الناقد – بتجاوزها النسقي وحركتها الإيحائية الجمالية ومقدرتها على التميز في نسقها الشعري على التحفيز الرؤيوي صوب حركة أنساقها الداخلية، لتحقق المتعة الجمالية للقارئ. (مسارات الإبداع الشعري) عصام شرتح ص 13.
  ولننظر إلى جمالية قصيدته الأولى (بهجة .. على جناح الفجيعة) كنموذج لا يسمح وقتي الآن بتعدده فتنظراً الحين المناسب لمعاودة القراءة في هذه المجموعة التي يحمل عنوانها تضاداً بلاغياً بين البهجة والفجيعة كما يحمل تشبيهاً بلاغياً إذ جعل للفجيعة جناح فكأنه نقلها من مدلولها اللغوي كمفردة إلى معناها التصويري كطائر له جناح.
  ويبدو للقارئ منذ الوهلة الأولى أنه أمام نص منظم، والنص المنظم هو القادر على بلورة الرؤية وتعميقها وإيصالها بشفافية إلى القارئ.
  فكـأننا في حالة قصيدة بديع شامخ أمام بناء منظم تتمظهر بدايته في تنسيق تشكيلي يمتد من واقع ملموس إلى واقع تصوري ذي دلالات وهذا التنسيق يُؤازره ويُقويه تنسيق صوته يحققه نسيج الكلمات الصوتي كما يدلنا قوله: كعزيز أمه ووحيد قومه وفارس حبيبته، فهذا التناغم الصوتي أعطى لجملته نسقاً تستسيغه الأذن وهو الحريص على تشكيل الكلمات بأحرفها على غير ما درج عليه الشعراء والكتاب من تشكيل أواخر الكلمات وحسب.
  كما أن الشاعر يميل في قصيدته إلى التناوب التقفوي في إضفاء نغم صوتي يهب المقطع سمة الغنائية بترانيمه الصوتية وإيقاعه التجنيسي المتواشج مع حركة الأصوات وأنساقها ليخلق ومضة شعرية تلتفت بالصورة وتمنحها ألقها وتدفقها.
  الأقلام استطالت، بريتها واحداً إثر فجيعة، رؤوسها في التيه،
   أرضعتها من حليب شكي ومن سكون ليلي إلى مآل قلقي
  تنظيم تنسيقي بين (شكي) و(ليلي) و(قلقي)
 ومثل هذا النظام التنسيقي ما قام عليه المقطع الأخير الجميل والمعبر من القصيدة إذ يقول:
 لو أدري أن المحبرة التي ملأتها بهوسي وجنوني تناكدني على شكوكي
   لهربت ببهجتي إلى أقصى الموج
    واحتميت بفجيعتي..
     كي أعيد للشمس خضرتها، لقميصي المعروق جفافَه
      .. لقلبي بياضه .. لوهمي براءته
       لكن الدنيا سفر، والأيام مائدة والزمن فيهم أكول.
فلنقف عند (أقلامي) (خاصرتي) روحي، قلقي، هوسي، جنوني، تناكدني، شكوكي، ببهجتي، بفجيعتي، لقميصي ثم (جفافه) (بياضه) (براءته).
  فقد لعب التناوب التقفوي في تعميق النغم الصوتي في القصيدة
  وكما ذكرت عن التضاد في العنوان فقد توالت الضادات في القصيدة بما رفع من جماليتها البلاغية كقوله:
(نحاول الضحك على جراحنا).
  سفر من تراجيديا وفصول من الكوميديا
  ننسى والحب يذكرنا.
  وأحسب أخيراً أننا سوف نظل معه نتساءل عن:
  من أقام لأحلامنا أسواراً؟ من غفا في جفوننا،
  من استباح ربيع الكلمات؟؟
وما أبلغ حكمة هذا الشاعر في قوله:
  لكن الدنيا سِفْرٌ،
   والأيامُ مائدةٌ،
     والزمن فيهمٌ أكول.
دمشق في 10/9/2011

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| هاتف بشبوش : رماح بوبو، شجرٌ لاذقيٌ ، طالِعٌ من الشِعر ..جزءٌ ثانٍ .

في السجن كان الحلم يأتي كمالايريد قلبي ولاالسجان شفافاًوأبيض رأيت رفاقي يحملون دفاترا وأزهاراً ثم …

حــصـــــرياً بـمـوقـعــنـــــا
| هيثم محسن الجاسم : منظور الوطنية عند الروائي أحمد الجنديل في رواية ” الرمــــاد ” دراسة ذرائعية علمية (2/2) .

ب-موقفه من نوع هذا الواقع: بالتأكيد لا نأتي لتلك الحقبة جزافاً من دون راو ذكي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.