رياض رمزي : لماذا نحن بحاجة للكتابة عن الشهداء بطريقة أخرى؟

ليس هناك ما هو أسوأ من عدم وجود أبطال يجددون روح الأمة. أنهم يمثلون الحد الأدنى من إعادة إنتاج الأمم لنفسها.
لماذا نحن بحاجة للكتابة عن الشهداء بطريقة أخرى؟
يسيطر على المقاليد في العراق قادة و تيارات ذات أفكار بحساسيات طائفية و عشائرية، لا توجد لديها انجازات فكرية غير  تعميق احتضار البلاد ثقافيا عبر جعل الوطن حبيسا لتاريخ الطائفة و العشيرة، و لا يوجد لديهم انجازات جديدة  غير اجترار أفكار لا تقوم بعمليات تنشيط لأذهان أفراد الأمة الذين، عندما يقلبون أبصارهم، لا يجدون ما يحيطهم غير الخراب فتتضاءل ثقتهم بنفسهم. فمن بيدهم مصير البلاد أشبه ببائعين في سوق السمك لا بضاعة لديهم يبيعونها لجمهور السوق غير نفس السمك المجفف و هم يقومون، منذ زمن، بيع نفس الأنواع لنفس المشترين وبنفس نسق الكلمات التي تدربت على إلقائها ألسنة آبائهم و آباء آبائهم. أنهم يعتقدون، عندما يجدون أن المشترين في السوق يقبلون على الشراء، أن نجاحهم السطحي يعود لنوعية الأسماك التي قام أسلافهم ببيعها دون أن يكلفوا أنفسهم مشقة تحسين نوعية بضائعهم في السوق.

في ظل هذا التكرار لا بد من توسيع إنسانية المواطن بتخليصه من هذيانات الماضي و جعله منفتحا على تجارب و مسيرة شخصيات باهرة و مليئة بالحيوية سواء من داخل الوطن أو من أمم أخرى قام مثقفوها بتوسيع رقعة وعي مواطنيهم بالتمعن بانجازات أبطالهم الذين غدوا نبراسا في مجال التنوير الثقافي للشعب و تثوير المجتمع. أنني  أعطي مهمة كبيرة لدراسة شخصيات ذوي تاريخ متميز حافل بالبطولة و الانجاز، كي يتمعن القارئ بحياة أشخاص جادوا بحياتهم. الأمم العظيمة تنمو و تزدهر بفعل وجود هؤلاء الذين يعيدون للأمم عنفوانها. الكتابة عن الشخصيات العظيمة هو نوع من جلو الصدأ عن روح الأمة التي تنتمي إليها. إعادة تشكيل حياة الأبطال هو إعادة تشكيل جوهر الأمة وفقا للطريقة التي رويت بها سيرة حياتهم، و شكل موتهم بشرط أن يتم رواية سيرة حياتهم بطريقة تجعل مواطنيهم يأخذون الكثير منهم. فمن يقرأ عنهم يحاول تجسيد شكل حياتهم و طريقة موتهم فيتغير وفقا لما قرأه و سمعه عنهم. من هنا يجب عدم تفريغ حياة الشهيد بتحويلها لمجرد طقس سنوي يتم التباهي به كانجاز يتفوق فيه الطقس على المعنى الذي تحفل به الشعيرة. فتغدو مجرد طقوس ذكورية يقوم بها رجال يستعرضون قوتهم الجسدية، أصواتهم ليراها الجنس الآخر.  يخلق تذكر حدث الاستشهاد أما مشاركين غير مدربين على التفكير الحر. أو جمهور مدرك لرحابة الحدث و للرابطة الوثيقة بين ما حدث و ما يجري الآن. الأول يخرج منه الشخص نفسه بدون زيادة. الثاني يخرج منه شخص متعطش للتساؤل و الدهشة، وهما ركنان أساسيان للتغيير.

هناك موقفان غير بريئين في تذكر و رواية حياة الأبطال: أما أن لا يصدر عن المشاركين حتى رد فعل أولي عند حدوث حدث ما يهدد مصير الأمة. أو لخلق ردود فعل غريزية لدى من يقرأ و يشاهد مسيرة حياتهم. لشرح ما قلناه دعنا نأخذ المثال التالي: يخرج لزيارة مقام الحسين بن علي سيد الشهداء ثلاثة عشر مليونا من الأشخاص، و لا يخرج سوى بضعة أشخاص ضد سرقات و فضائح لو حدثت في بلد آخر لأمست فضيحة القرن. لا يمكن أن نعزو ذلك سوى لتواطؤ قام أحد الأطراف بجعل حدث الشهادة العظيم منفصلا عما يحدث و بالتالي خاليا من الدلالة، وهو موقف لا يتصف بالبراءة. ثم لماذا لم يخرج بضعة آلاف فقط من هؤلاء الملايين من الزوّار وهم يرددون ما قاله الأمام الحسين بأنه جاء يطلب الإصلاح في أمة جده. وهو قول يعني أول ما يعني، في الزمن الحديث، مناهضة الجور او محاربة الفساد و الوقوف ضد مبدأ عدم تكافؤ الفرص. كيف لا يمكنني كمشارك أن لا أجل الحسين بن علي و أنا أدرك أن الشجاعة لم تكن تعوزه وهو يرى على بعد خطوات منه عقد عائلته ينفرط أمام عينيه دون أن يسأل نفسه، وهو يسير بخطى ثابتة نحو الموت، لماذا جاء بهم، هم عترة النبي، إلى هنا كي يموتوا؟. و لماذا فضَّل الموت على التمتع بمباهج حياة كانوا بني أمية على استعداد لإغداقها عليه مقابل كلمة من ثلاث حروف تتمثل بنعم التي هي مقدمة لحياة رغيدة؟. لأن من يشارك بإخلاص يتوجب عليه أدراك أن الحسين بن علي لو قال تلك ال” نعم” فأنها سوف لن تبارح ذاكرته، و لغدا معرضا للشعور بالندم طوال حياته، هو الذي يدرك أن جلبة موته ستوقظ الآلاف و الملايين بعد موته. أنني أتساءل: كيف أمكن أن لا يوقظ موته جمهور على هذه الدرجة من الحرمان و الذل؟. ألم يقل هذا الرجل المبرأ من مثالب الجبن و الهزيمة قولته الشهيرة” لا أفر فرار العبيد و لا أعطيكم ما بيدي عطاء الذليل” التي رددها الجواهري شعرا” هي النفس تأبى أن تذلَّ و تقهرا/ ترى الموت من صبر على الضيم أيسرا”. ثم ألم يقل الشاعر نفسه قبل أكثر من نصف قرن و في قلب بغداد أبيات شعره الشهيرة التي ذكر فيها كلمة تقحَّم ثلاث مرات” تقحّم، لُعنت، أزيز الرصاص/ و جرِّب من الحظ ما يقسم.  تقحّم، لُعنت، فما ترتجي/ من العيش عن ورده تحرم. تقحّم فمن ذا يلوم البطين/ إذا كان مثلك لا يقحم؟”.

عندما كتبت عن منهل كنت أريد القول أنه كان محاميا ناجحا و لكنه لم يعط جلاده عطاء الذليل أو يفر فرار العبيد. أنه وهو الشيوعي سار على نهج الإمام الحسين. كذلك سار على درب الحسين الرجل المسيحي و لكن الشيوعي يوسف سلمان يوسف المعروف بفهد، سلام عادل الشيعي، السني عبد الجبار أيوب، جمال الحيدري الكردي. هؤلاء رجال لم يرثوا العناد عن أمهاتهم أو لأنهم كانوا يعانون من أحزان قابضة للروح، بل لأنهم كانوا صادقين فيما يظهرون من أيمان و لأنهم لم ينظروا ليتعلموا السرقة و نكران الوطن، بل هم لم يرفعوا أبصارهم عن كتب كانوا يقرأونها عن شعراء وكتاب و مناضلين من أوطان أخرى جعلتهم  محبين أكثر فأكثر لوطنهم. و لم تكن حياتهم امتدادا للكتب، بل كانوا يشاهدون ما يجري بطريقة أشد جلاء لأنهم قرأوا عنها. أصبحت مواقفهم أكثر صلابة لأن ما شاهدوه من مظالم اتخذ هيئة كاملة في أذهانهم بعد أن أكملت قناعاتهم دورتها من المشاهدة الأولية لتستقر في عقولهم التي شكلتها مطالعاتهم التي وجدت التعبير عنها في شكل نظرية. فصاروا على استعداد لتعميد ما آمنوا به بدمائهم. لا يوجد شهيد لا يفكر في الكتب التي قرأها وهو في أوج احتضاره.( أنا أكتب هذه المقالة و أنا استمع لأغنية الأرض بتتكلم عربي بصوت سيد مكاوي العظيم. أستمع و أفكر بكل ما قرأته عن الشهداء و أتذكر أصدقائي الموتى. هذه الأغنية التي وسّعت وجودي لأنني استمعت إليها جالسا لكن عقلي كان في أوج نشاطه، كما حدث للجُنَيْد و قد كان صامتا في حفلة سماع. و عندما سُئل عن سبب سكونه قال بدون تردد” و ترى الجبال و تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب”).      

العراق من البلدان القليلة التي لا ينخرط الشعب بمجموعه ببناء مصيره كشعب أو أمة من خلال مرجعيات و شخصيات موحِّدة تمثل المزيج السلالي الغني لهذا الشعب. الشيوعيون وحدهم من حاولوا ذلك و لكن فشلوا بسبب تبعيتهم للاتحاد السوفيتي السابق و جهلهم الفاضح بالإسلام و إنكارهم للعروبة كرافد حضاري يعطي امتدادا للأفراد. فنحن نكتشف حقيقة ذاتنا عندما ننتمي لأمة عظيمة.

دعني أتكلم عن الشاعر الروسي بوشكين كمثال. برغم تراجيدية موته فقد كان موتا خلاّقا يعمر بجانب جمالي أضفى نوعا من الشعور بالانتماء لمن قرأ شعره و قرأ ما كتبه المثقفون الروس عنه، فأصبح مُلْكا عاما بسبب تراجيديته التي ترافقت مع عبقرية جعلته  مرجعية موحِّدة لمواطنيه من خلال تحويل موته إلى قضية يتحدثون بها مرارا لأنفسهم فيتغيرون تبعا لما قيل عنه من مرويات. قام المثقفون الروس بتحويل جماليات موته التراجيدي إلى صبّابة يتم بواسطتها تحويل روح الأمة الروسية الفتية إلى صلصال تتجمد عليه بفضل جماليات و تراجيدية موته الذي فجَّر بفضل شعره و طريقة  موته طاقاتها كأمة فسعت بواسطته كشاعر شهيد لاستنباط ذاتها.

                                             ***

المشاركون في العزاءات يجيئون و يخرجون محملين بأفكار و صور سوف تنعكس في عقولهم تبعا لمضمون النشيد الذي سمعوه منغما بطبقات صوت مؤثّرة الذي عملت كلماته لصالح خلق تأثير معين. أنت تجد  الفرق واضحا بين أناشيد الشيخ فاضل الرادود الفكرية و مجموعات المتنورين منهم المتمثّلة في التصدي للحاكم الظالم( شدْ رتبة و نياشين/ شعليه بعد بالبشر/ مهما يصيبة من خطر/ شوف الظلم و الجور يا حسين) ….  و باسم الكربلائي الحسية التي تفقد الاستشهاد معناها ( دمك مو أغلى من دمي). هناك قضية يحرص كل فريق من المنشديْن على تحريضها على النهوض: الظلم و الجور، أم الجسد المعفر على رمل الغاضرية. وقد وجدت النصوص انعكاسها في ردود أفعال المستمعين: الفريق الأول في النشيد الذي كان يردده أعضاء المواكب الحسينية من خلال اللازمة الشهيرة” شوف الظلم و الجور يا حسين”. و الثاني في ما يشبه الأهزوجة” يا عباس جيب الماي لسكينة”. المنشد الأول قال لنا أن الإمام مات من أجل قضية أرخص لها حياته و حياة عائلته و لابد من السير على هديه في مقارعة الظلم. الثاني قال لنا أن جسد الحسين أكثر أهمية من مبادئه. من هنا فالجموع تصرخ الآن كيف ماتت الأجساد وهي عطشى متجاوزة السؤال الأهم: كم هي عظيمة تلك الأفكار التي من أجلها هلكت أجساد الحسين و أفراد عائلته  و هم عطاشى. هكذا فنحن نحول سخط المستاءين نحو من مثّل بجسد الحسين و استباح حرمة عائلته بدلا من التركيز على قوة منظومة المصالح التي قتلت الحسين الذي كان في ذلك الزمن مركزا للعالم. وهو ما عبر عنه مندهشا عندما قال في خطبته الشهير” أنسبوني فمن أكون: أولست أبن بنت نبيكم…ألخ”. و بما أن المنشدين يتمتعون بالقداسة تحاول الجموع أن تسترشد بقداستهم كي تعرف منهم ذلك الذي ما لا قدرة لديهم للوصول إليه عن طريق القراءة و التأمل. الإنشاد، إذن،عملية غير بريئة: أما أن يلبي حاجة فكرية أو عاطفية. دعنا نستمع لما كان الناقد الشهير هارولد بلوم يقوله لطلابه” أنتم أنفسكم نص أدبي، أنتم قصائد و مسرحيات”. نحن كأساتذة ” نُجلي ما هو مضمر في باطن النص بجعله يبدو واضحا قدر المستطاع”. 

 

 

بعد أن قررت مؤسسات الإحصاء التي لا يعرف أحد موقعها( عدا المسؤولين عنها و هم الأحزاب الشيعية، ديوان الوقف الشيعي… و أصغر معمم في أصغر حسينية) أن عدد الزوّار تجاوز حاجز العشرة ملايين صارت بأيدي القيمين على الأمر ثقة بالنفس سببت لهم نوعا من الدوار فصاروا يهذون كمن حصل على ثروة غير متوقعة. تغلبت على وجوه القيمين على الأمر سيماء العز و العصمة، من أقوى تجليات ذلك النوع من الظفر ظهور سلسلة من فتاوى تحدد مقاييس السراويل للنساء. كما وفَّر تجاوز حاجز العشرة ملايين الأسباب لظهور المهاجر صاحب الشوكولاتة العجيبة التي لها نشاطات تتعدى نطاق علوم الطب مجتمعة و التي يفوق اكتشافها إعلان رائد نظرية الكم الدانمركي نيلز بور عام 1939 عن الانشطار النووي.

لا بد من أن يقوم هؤلاء بجعل مسيرة أهل البيت مقدسة و ملغزة و فوق مستوى العامة كي لا يستطيعوا الاعتماد على أنفسهم في إمعان النظر فيها و تفسير ما يحدث حولهم. و كي تكون السيرة مقدسة فأنها تستلزم عدة خواص: أولها أن تكون إعجازية و ثانيا أن لا يفهمها أيٌ كان، بل نفر معدودون لديهم مفتاح أسرار تلك العلوم المقدسة. واحد من بين من يمتلك تلك الأسرار هو عبد الحميد المهاجر. يحتاج المهاجر لجمهور من العامة التي سبق أن قالت عنهم كاترينا العظيمة قيصرة روسيا ما يلي” يجب أن لا يتلقى العامة أي تعليم. فإن كانوا يعرفون كثيرا مثلي سوف لا يؤمنون بما أقوله و بالدرجة نفسها التي يستمعون بها لي الآن”.   

استخدام فكرة انقراض الجنس البشري مع القدوم الوشيك للمهدي المنتظر الذي يجعل العلم و المعرفة و مجمل عملية التفكير عملة باطلة ما دامت الحياة في طريقها إلى الزوال. لا شك أن تسارع الأحداث التي مرت بها البلاد على مدار قرن واحد خيمت آثارها على العقول و أجبرت الجمهور على الوقوع في إغماءة ما كانوا ليستفيقوا منها: احتلال انكليزي، تشكيل دولة وصفت بالعمالة، ثورة قام بها ضباط أدعوا أنهم انتشلوا البلاد من الاستعمار، انقلاب عسكري و مجيء حزب البعث ثم مجازر بحق طليعة مثقفي البلاد، انقلاب عسكري قامت به مجموعة ضباط ذوو توجهات طائفية جاء جلهم من المنطقة الغربية، مجيء حزب البعث ثانية  و موت ما يقارب مليون شخص في حروب بلغ عنفها حدا جعلت البلاد معتلّة لزمن سيطول. هكذا و في ظل انعدام طليعتها المثقفة و خاصة ذات التوجهات اليسارية و الليبرالية، غدت البلاد أشبه بنهر مهجور لا توجد فيه غير مضخة مياه عاطلة. تمثلت فترة حكم صدام حسين في جعل غياب العقل شعارا يظل الوطن. كان صدام أشبه بمدرس يقف أمام مجموعة من طلاب يلقي لهم محاضرات هدفها البرهنة على حزمة من ” حقائق” صعبة التصديق تستند إلى فرضيات بعيدة الاحتمال كي لا تكون لديهم إمكانية لتكوين أحكام خاصة بهم. و لكي يستقيم أمر طلابه مع تعاليمه انتهت عقولهم، التي لم تكن لها ألفة مع ما يقال لهم، إلى القول” بما أنه لا توجد سوابق من هذا النوع واجهت عقولنا، إذن ما دخل عقولنا بكل ما يحدث؟” فيتوقف سعيهم نحو المعرفة. يتم ذلك من خلال البرهنة على حقائق شكلية كتحرير القدس من البوابة الشرقية و أن سكان الجنوب هم مجموعة بشرية جيء بها من السند، وكثير غيرها  مثل توقيع بيان مع الكرد و الاستعداد لقتل زعيمهم، عقد جبهة مع الشيوعيين باعتبارها أفضل طريقة للقضاء عليهم، عقد معاهدة مع إيران ثم إلغائها و الهجوم عليها، ثم الاعتراف بالاتفاقية و مهاجمة بلد آخر سبق أن قدم له الدعم في حربه….

انتهى كل ذلك النظام إلى الهزيمة و باحتلال كامل و مجيء حكومة طائفية بشكل معلن تأتمر بأوامر من إيران. هكذا في غضون خمسين عاما حدثت وقائع بلغت من عبثيتها حدا أنها أعجزت الفرد عن استخدام المنطق لتحليل ما حدث فوجد الكل أنفسهم متشككين بالعقل الذي تحول إلى محارب مدحور لا ينظر أحد صوبه ناهيك عن الاحتكام له. هذا إذا أضفنا أن انهيار نظام كان الكل مؤمنا بصعوبة زواله قد حدث بطريقة دراماتيكية و بسرعة، فلم يكن أحد مهيأ لفترة ما بعد زواله. و ظل الخراب الثقافي العام الذي وضع أسسه بشكل منهجي نظام صدام حسين سائدا، و كي لا يقع الفرد في ما يسمى هزة فراغ الفكر المميتة في ظل غياب أيديولوجية موحَّدة، تلقفت القاعدة ما حدث رافعة شعار قتل الروافض كطريق لتحرير العراق. وهو شعار شبيه بتحرير القدس عن طريق البوابة الشرقية. لم تقف الأحزاب الشيعية مكتوفة الأيدي بل أبلت بلاء حسنا في نفس الاتجاه. هكذا إذن:  عندما رفعت غالبية الجمهور بصرها كي تفهم ما حدث، كانت القاعدة و الفكر الوهابي و التجمعات الشيعية يقفون حراسا على الأبواب. و لكي يستقيم أمر الجموع قبل أن يصابوا بلوثة عقلية صدقوا ما قيل لهم دون التصدي لصحة البراهين. كانوا مثل أرض ضربها زلزال فاضطر سكانها إلى الهروب نزوحا نحو أي مأوي سواء كان حانة، بار، مسجد أو بيت من بيوت الهوى. هكذا في بلاد قيل لمواطنيها أنهم مركز العالم منذ أزمان حمورابي و نبوخذ نصّر و هارون الرشيد  يجدون أنفسهم محكومين بأحزاب تريد انتزاع هويتهم المتمثلة بنسيج بلادهم السلالي الغني و قصرها على لون واحد ينتزع منها تنوعها الإثني  و بعدها الإنساني و العربي و الأممي. و كما يحدث عندما يصاب شخص ما بحالة من العصاب فأنه يجد في الرقص و الغناء طابعا شفائيا تسللت الطقوس لتقوم بمهمة دوائية خير قيام. كان جنود تغييب العقل موجودين على كل الجبهات. كان على المجتمع دفع ثمن باهظ تجلى في أقل ما تجلى في إنفاق مليارات الدولارات على شراء الكهرباء و الخضراوات و كل نفايات الأسواق المجاورة، و انتهى بالضامن الأكبر للحكم في العراق إلى قطع المياه، و بالدولة الصغيرة التي ملأت خزائنها من التعويضات بعد تخطيط الحدود لصالحها و المملكة الصغيرة الأخرى التي ازدهرت من حروب وويلات البلاد  إن نجحوا في مسعاهم في تحقيق ازدهار على حساب بلد مهزوم لا توجد فيه طليعة.

كما تعرض تطور العلوم في أوربا لنكسة بسبب محاكم التفتيش، يتعرض الفكر الحر إلى محاكم من نوع آخر تنتشر في طول و عرض البلاد و التي بدأها التيار الوهابي و مارستها التيارات الأخرى و إن بطرق أقل عنفا: سيطرة تيارات متشددة على شعب أنهكته الحروب و الحصار و الجوع. قبل انهيار النظام الشمولي في الاتحاد السوفيتي كانت الجماهير تصطف أمام منافذ بيع المجلات و الجرائد في الرابعة صباحا، برغم اشتداد الطقس، لشراء مجلة أغنيوك لقراءة ما يقوله كبار القوم من مثقفين و علماء لفهم ما يحدث. في العراق حدث شيء مماثل. ففي ظل غياب مرجعية فكرية، ارتد جزء من الشعب نحو المساجد و الآخر نحو الحسينيات لفهم ما يحدث و هيا بصحتك كما يقال. لم يحدث ذلك الذي حدث في روسيا أبان انهيار الاتحاد السوفيتي عندما اجتمع الجمهور في المرافق و الساحات العامة و المكتبات و الجامعات لتداول الرأي فيما يحدث في روسيا الأم كما أسموها. فظهرت لغة جديدة حلّت محل اللغة الشيوعية السابقة و من ثم نوع من تفكير جديد. و عندما كانت تظهر فكرة تتلقفها الجامعات و الدوريات المختصة لدراستها و تقديمها للجمهور كخيار ناضج يستحق الأيمان به.( طبعا هناك فارق كبير. الأيديولوجيا الاشتراكية مشروع حداثي لتطوير المجتمع و لم تكن كنظام صدام الواقف خارج الأيديولوجيات و الذي طبع البلاد بسمات شخصيته المعقدة). ما حدث هنا أن البعض ذهب إلى المساجد و الآخرون إلى الحسينيات. جلسوا فيها و هم ينظرون إلى بعضهم كما ينظر مقاتلون متحصنون بقلاعهم من فتحات رمي البنادق نحو أعدائهم.  هذا على مستوى الجنود، أما على مستوى أعلى بين القادة فأن الأمر يشبه فريقين من الأدباء يجلسون متقابلين وهو يقومون بمطارحات شعرية. ينتهي الفريق الثاني مما انتهت إليها قافية الفريق الأول. الفرق هنا أن كلام المعسكرين هنا لا يحمل أي نفحة أدبية بل نقاشات بالغة الفجاجة.هكذا عادت إلى الواجهة تلك الحالة التي كان ينعم صدام حسين بفضلها بسلطته: نحن و الآخر. في شارع واحد و على بعد ياردات ظهر وطنان قامت القاعدة أولا بمحاولة تحريره من ,,الدخلاء,, الذين اضطروا للرد عليهم سواء يدافع من خوف أو لسبب طائفي….و هكذا.( أنا أشعر بالحزن مثلا من تحويل عجمة لسان الإمام السيستاني إلى قضية و كأننا كي نقدس شخصا ما علينا معرفة الطريقة التي يتكلم بها. فشخصية ورعة كالسيستاني لا ينتقص من أيمانه كيف يتكلم. من يسمع كلام اينشتاين بالانكليزية، على سبيل المثال، يشعر بلكنتة الألمانية. لكن ذلك لم ينتقص من علمه أبدا. لا يهم إن كان أبن المقفع يتكلم لغة صافية أم لا. المهم الأثر العظيم الذي تركه الرجل. ثم هل علي أن أجل صدام حسين لأن هناك طريقة بدوية في كلامه؟.)

لا شك أن النظام السابق لعب دورا في ما يحدث الآن من هوس التجمعات و المظاهرات الاستعراضية. كان النظام السابق مليئ بالاحتفالات و المظاهرات و الاستعراضات لتأكيد شرعية سلطته المستندة على التأييد الشعبي. ما يحدث الآن بعد سقوط النظام يشبه إلى حد بعيد البيعة التي انخرط في مسيراتها الملايين و بحماس. التشابه بين النوعين في أنهما نوع من القسم على الإخلاص. في البيعة القانون يعاقب عند حنث اليمين من خلال محاكم الثورة. و هنا سلطة ملزمة تتكفل بها المنظومة القدسية و يسهر على تنفيذها ذلك الذي” يشوِّر”. لا شك أن اللغة و الطقوس في كلتا الحالتين تجعلان الأداء (performance) ملزما و من ثم ناجحا.

لا تلعب الطقوس و الاستعراضات( التي هي بحث عن المفقود و محاولة إيجاده لإعادته إلى الحياة) دورا في تحقيق تحولات في المجتمع. أنها نوع من تصرف يهتم بالسفر بدلا من الوصول. هذا ما يحدث في العراق من كرنفالات ضخمة. كل ما تفعله أنها لا تطرح أسباب ما حدث كي تتجاوزه. إذن هي لا ترفض حالة سائدة. هي حركة تذكرية محضة، نوع من النوستالجيا التي تشبه موجة قوية تلطم الشاطئ بعنف، سرعان ما ترتد دون إحداث تغيير في هيئة الشاطئ. أنها لا تنتج معرفة. فالمعرفة ليست المشاركة في طقوس و لا قراءة كتاب بل ثقافة قراءة الكتاب: ليس أن تفهم و توافق على تفسير ما قرأته، بل أن تتجرأ على تعديل أو رفض تفسير ما قرأت بحيث يتطور القارئ إلى شخص آخر مخالف لما قرأه، و ليس ذلك الشخص الذي شارك في الكرنفال و تواكبت أمام عينيه آلاف الصور فلم يعد في عقله متسع لأي يقين بعد أن نال قسطه من اهتزاز الوجدان فغدا في حالة من الإجهاد، أفضل ما يفعله هو الإخلاد إلى الراحة في انتظار استرداد عافيته انتظارا لكرنفال جديد.  هذا النوع من الجمهور الذي استنفذ كل ما لديه من نشاط للتفكير هدف سهل للسيد المهاجر و أمثاله. فهم يفتقرون للتفكير الخلاق الذي هو ثقة بالنفس و التي يطلق عليها  هارولد بلوم تسمية” الميلاد الثاني للعقل”.

الشعوب التي تتقدم يتمحور نشاطها الفكري حول سؤال واحد: كيف نصل إلى مرتبة متقدمة بين الأمم؟. التقدم مسيرة تقودها الطليعة. حدثت الثورة في مصر من قلق ساد الطليعة المتمثلة في شباب الثورة حول مجموعة قضايا واحدة منها اتفاق دول المنبع على تقسيم جديد لمياه النيل فغدت هما وطنيا. أن غياب الطليعة يعني أنه في الوقت الذي تتعرض فيه البلاد للتصحر، قطع و تحويل روافد الأنهار، تحويل البلد إلى مبازل لمياه السقي في ذلك البلد، بناء ميناء يهدد الملاحة…كلها تشير إلى غياب الطليعة، أو أن من يدعي الطليعة عاجز عن الاضطلاع بمهامها.  

                                            ***

ينقل عن أهم شخصية في البلد الآن أنه قال أن الشيعة انتظروا ألف عام كي يحكموا و لن يدعوا الفرصة تفلت منهم أبدا. قول يشبه ما صرح به صدام من أن فقدان البعث للسلطة في 18 تشرين لن يحدث مرة ثانية أبدا

                                           ***

كنا جالسين في أحد المقاهي و رويت لنا الحادثة التالية: تم نقل طالبة جامعية إلى قسم الطوارئ بعد أن زَرَقَتْ وريدها بمنقوع جوارب صديقتها التي وطأت حضرة الأمام العباس عليه السلام فعلق بها شيء من ترابه الذي أرادت أن يسير في أوردتها ليستقر في موضع القلب.

                                           *** 

عرضتُ هذه المقالة على مجموعة أصدقاء. قال أحدهم- بعد  20 عاما من الآن سيكون في ميسور بلد كهذا أن يستجمع طاقته للنهوض. اعترض صديق آخر قائلا- أجد من الصواب وضع صفر زيادة. هناك ثالث خالفهم الرأي تماما قال- أجد من المستحسن العودة إلى الاقتراح الذي قال به الماغوط قبل ثلاثين عاما. – ما هو؟، قال- اقترح الماغوط أن يجتمع المثقفون العرب المنفيون و يتوجهون في مظاهرة صوب قبر هيرتزل ليستنخوه مستعطفين” أيها السيد هيرتزل أعطنا وطنا قوميا و لو على مزبلة”.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| مهند النابلسي : كيف تصبح كاتبا عظيما من وجهة نظر”ستيفن كينغ” …اضافة لوجهة نظري؟! .

  ابق متزوجا وانعم بصحة وعش حياة جيدة، امتلك الشجاعة للتخلي عن الأجزاء والجمل المملة، …

| بكر أبوبكر : النازية والصهيونية، ومحمود عباس .

ولد الزعيم النازي أدولف هتلر في 20 نيسان 1889 في مدينة براوناو النمساوية على نهر …

تعليق واحد

  1. عقيل الناصري

    يحاول الدكتور رياض رمزي التصدي للظواهر بطريقته الخاصة حيث يستنبط ماهياتها من خلال تسليط الضوء التحليلي عليها، على وفق المدرك العقلي وفلسفة الحياة، بالترابط مع الحراك العلمي والثورة التكنولوجية. أنه يتصدى لسلبيات هذه الظواهر ليس على وفق مفاهيم علم الاجتماع بقدر ما يحاول ان يحللها بالمنطق العقلي من جهة ويفندها بالبرهان النوعي العلمي.. ليدع القارئ ، واللبيب خاصة، ان يصدم نفسه بماهيات مقالته. فكما سبق وان تصدى للظاهرة الصدامية في العراق في كتابة{ الدكتاتور فنانا} من خلال المعطيات السيكولوجية الاجتماعية والبعد الفلسفي المبتغى. في هذا العالم الذي يخوضه الصديق القدير رياض رمزي هي محاولة جادة وجديدة في الوقت نفسه.. ابدع في مكوناتها وأصاب في تحليله.. يرجم منطقيا طليعتنا لكنه للاسف لا يغور في اسباب عدم قدرتها على القيادة..الاكتفاء بالسبب الواحدة غير منطقي، نعم للنظام السابق دور كبير فيما وصل إليه العراق .. لكن هناك اسباب أخرى تكمن في الماهيات الموضوعية والذاتية للمجتمع.

    هذه القراءة الواعية تعبر عن هم المثقف العضوي المجرد من وسائل التغيير التي يجب امتلكها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.