سلام إبراهيم: من تجارب القراءة: (2) خبرات القراءة ومشروع الكتابة (ملف/72)

إشارة:
مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي “سلام ابراهيم” نصوصه بدم التجربة الذاتية ولهيبها. وفي اتفاق مع إشارة خطيرة للباحث الأناسي العراقي البارع د. علاء جواد كاظم الذي اعتبر روايات وقصص سلام إبراهيم من مصادر الدراسة الأنثروبولوجية الناجعة في العراق نرى أن نصوص سلام يمكن أن تكون مفاتيح لدراسة الشخصية الوطنية مثلما استُخدمت نصوص ياسانوري كاواباتا لدراسة الشخصية اليابانية ونجيب محفوظ لدراسة الشخصية المصرية مثلا. الفن السردي لسلام ابراهيم هو من عيون السرد العربي الذي يجب الاحتفاء به من خلال الدراسة الأكاديمية والنقدية العميقة. تحية للروائي المبدع سلام ابراهيم.
أسرة موقع الناقد العراقي

ينشغل الكاتب الشاب في خطواته الأولى في محاولة تصوير الأحداث والتجارب سواء التي يمر بها وهي الأسهل والأفضل من كل النواحي أو تصوير تجارب يسمعها وتهّز مشاعره وحواسه ويشعر بها وكأنها حدثت له فيعاني من الأثر النفسي للسماع وهذه الأحداث القوية والتي يختلف وقعها بأختلاف تكوين الكاتب تكون غالباً مادة خام يحاول الكاتب الأشتغال عليها وصوغها في قصصه أو رواياته.
في كل الأحوال عانيت في بداياتي من صياغة الأحداث وترتيبها مسلحاً بخبرة مدمن سينما نشأ جوار سينمات المدينة ويدخلها مجاناً لعلاقات أصحاب السينما بعمي “خليل” الحلاق الذي أشتغل لديه عقب المدرسة، ثم دراسة الفن السينمائي لاحقاً شخصيا في كتب معنية بتقنيات الفلم زمنه والمكان والقطع والمونتاج وكل التفاصيل الفنية التي تبني الفلم، مضاف للروايات القصص التي أبحر بها وأتفحصها وتعاشر القسم الأكبر من يومي حينما تخلصت من العائلة العم والأهل وصرت حراً أعيش وأتصرف حسب ما أشتهي وبوقتٍ مبكر جداً.
لكن في الكتابة الأمر يختلف تماماً، فبقدر ما يبدو التنقل بين الأزمنة في الفلم سلساً غير محسوس، وفي الروايات والقصص العظيمة أيضاً إذ لا يكاد يشعر به القارئ، ففي قراءات المتعة الأولى في مقتبل العمر كنت أتيه ولا أدري كيف أخذني الكاتب عبر أزمنته وشخوصه وأمكنته وأحداثه لأجد نفسي مخدراً في أخر صفحة وبطبيعة الحال هنا أتحدث عن الروايات الناجحة والساحرة. لكن حينما تبلورتُ وصارت الكتابة همي، صارّت القراءة دراسة، والفلم تمعنا وتحليلا، وبت أبحث عن سر التكوين وسر سحر الأحداث بترتيبها المعروض أو المكتوب، لكن لم أعثر على لغز ذلك، وفي الكتابة أو تمارين الكتابة بتعبير أدق بدأت من عام 1971 إلى 1985 حيث كتبت أكثر من سبعين قصة قصيرة بعضها نُشرت في مجموعتي القصصيتين، وعند مراجعتي لهذه القصص المخطوطة والتي في حوزتي الآن. في المحاولات الأولى كانت التقنيات مفضوحة، فالفلاش باك، أو التداعي أضعه بين قوسيين للتمييز مثلا، مضاف للتقنيات الأخرى بحيث يستطع الفاحص من النظرة الأولى تفكيك بنية النص فنياً.
حال أستقراري في الدنمارك ونجاتي من هول الحياة في العراق سواء في جبهة الحرب أو بين الثوار أو في معسكرات اللجوء توفر لي الوقت والمكان للدراسة الذاتية فعكفت على دراسة ما أبغيه وبطريقتي الخاصة فعثرت على أدور خراط وأعدت قراءة، مؤلفات كزنتزاكي ساحري الأول والأخير، وأعدت قراءة الأدب الروسي تحليلا ودراسةً، لأقع على كنوز أو أنا اعتبره كنوز معرفية تتعلق بالرواية والسرد ساعدتني جدا في صقل قدارتي وتطويرها ( ملاحظة: هذا ليس بالضرورة يصلح لأي كاتب شاب بل يتعلق كما ذكرت بتكوين الكاتب الثقافي والنفسي) منها رباعية الأسكندرية لأوريل هي ليست رواية تقليدية بنيتها متطورة جدا عميقة فيها شذرات معرفية نفسية أجتماعية فنية هي خلاصات مصاغة تأتي ضمن سياق السرد، وعلى القارئ أن يكون صياداً ماهراً كي يقع على سمك الأفكار وجواهره.
طوال أشتغالي كنت مشغولا بأحداث سيرتي الذاتية وما سمعته وعشته من أحداث، وما جرى لأصدقائي ورفاقي وصحبتي في مطحنة العراق والدكتاتورية والقمع والحرب، وكانت قضية ترتيب الأحداث في النص تعذبني وكما ذكرت كنت أستعير تقنيات السينما المفضوحة وما تمكنت إدراكه من بنية الروايات الخفية في محاولاتي التي أستمرت أكثر من عشرين عاماً من 1971- 1995، ونجحت في القصص السبع التي اخترتها كمجموعة أولى “رؤيا اليقين 1994- دار الكنوز الأدبية بيروت 1994-.
لكن فترة الإعداد والدراسة لسنوات خمس فتحت لي أبواب وأسرار ووسائل وتقنيات البنية القصصية والروائية وهي كثيرة تتوزع بين نصوص فلسفية وروائية وشعرية وسينمائية وتشكيلية وموسيقية وأكثر الكتب التي لم تفدني هي كتب النقد.
هنا في هذا المقام أورد نصاً من رباعية أوريل وضع بيدي مفتاح حلّ مشكلتين الأولى الزمن في النص وترتيبه، والعلاقة بين التاريخ والنص الفني وتاريخة الخاص.
هذا النص الذي أورده يتعلق بتكويني تجربةً وكتابةً وليس بالضرورة يصلح لتجربة كاتب أخر وقد يصلح أو يفيده كفكرة، المقتطف مؤرخ اعني تاريخ القراءة 1992:
(أن أهم ما أحتاج إليه هو تسجيل التجارب لا بالترتيب الذي وقعت بهِ لأن ذلك هو التاريخ، ولكن بالترتيب الذي غدت فيه لأول مرة ذات دلالة بالنسبة لي) ص 127 جوستين، من رباعية الأسكندرية (داريل).
17-6-2019
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الصور في أسفي / المغرب 2017 يحاضر الروائي سلام إبراهيم في نادي قراءة بمدرسة اعدادية عن كتبه وسط الطلبة القراء
وفي قاعة البلدية بمراكش

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *