“رؤيا الغائب” لسلام إبراهيم
مناجاة طويلة في ظلام الأمكنة
جنان جاسم حلاوي (ملف/70)

إشارة:
مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي “سلام ابراهيم” نصوصه بدم التجربة الذاتية ولهيبها. وفي اتفاق مع إشارة خطيرة للباحث الأناسي العراقي البارع د. علاء جواد كاظم الذي اعتبر روايات وقصص سلام إبراهيم من مصادر الدراسة الأنثروبولوجية الناجعة في العراق نرى أن نصوص سلام يمكن أن تكون مفاتيح لدراسة الشخصية الوطنية مثلما استُخدمت نصوص ياسانوري كاواباتا لدراسة الشخصية اليابانية ونجيب محفوظ لدراسة الشخصية المصرية مثلا. الفن السردي لسلام ابراهيم هو من عيون السرد العربي الذي يجب الاحتفاء به من خلال الدراسة الأكاديمية والنقدية العميقة. تحية للروائي المبدع سلام ابراهيم.
أسرة موقع الناقد العراقي

يسطر الكاتب العراقي سلام إبراهيم مونولوغاً متواصلاً، يحكي عبره قصة الغياب والموت، في زمن موشوم بالعنف، موشوم بالظلم والظلام.
مناجاة مستديمة، تأملات جياشة، تهيمن على مسرى السرد كله، فلا نرى الأمكنة إلا عبرها، ولا نعرف الحوادث إلا من خلالها، يقصّها الراوي، يبثها ويهمس بها أو يصرخ بها منتقلاً من حال إلى حال في نبرة حزينة تأخذ بزمام الرواية. ولعلنا نستدل من عنوانها على ذاك المسار الخاص بفيض الشوق والحنين واللهفة والاضطراموالرجاء، لكشف حالة الغياب وعودة الغائب. لكن الغائب لا يعود، فالسلطة أعدمته عام 1983 في مديرية أمن الديوانية لاسباب سياسية.
البوح الطويل يعّبر الراوي عن خلجات نفسه، يبثّ أشجانه وأحزانه، متذكراً أخيه المعدوم (كفاح)، فنطّلع قرّاءً على جزء من سيرته وبعض من واقعه الذي لا يقل مأسوية عن حال الغائب أخيه.
تشرع الرواية أبوابها في ساحة الاعدام، نقرأ صفحات يختلط فيها الوهم والواقع. نتلمس عبرها شيئاً فشيئاً سمات بطلنا، فاذا به جندي هارب من الجبهة ومختبئ في بيت أخته، لكنه وبسبب خوفه من أكتشاف أمره وتعريض إخته وعائلتها للعقاب، يسلم نفسه للسلطات التي تقضي بإعدامه فيقاد إلى ساحة الموت وتنثال على ذهنه صور مرعبة تمتزج بمشاهد تعذيب أخذه واعدامه، وفي لحظة خاطفة يغافل الموت وينجو أثر عفو رئاسي عن الهاربين من الجندية. يُطلق سراحه ويساق إلى جبهات القتال العراقية ـ الإيرانية.
يستخدم الروائي لغة مشحونة بالعاطفةرابطاً بين إيفاعات الأمكنة المعتمة، المهشمة، وتغيّراتها، وتحولات البطل واشكاليات وضعه، ويبقى الرعب سيد اللحظة، ويهيمن الموت كغيمة سوداء على الجميع.
شرطة تفتش الشوارع والبيوت فارضةً جواً من القمع والخوف على ذاك الحشد البشري المعتم الراجف في لحظات سود.

الروائيان المبدعان سلام إبراهيم وجنان جاسم حلاوي
سلام إبراهيم والروائي والقاص جنان جاسم حلاوي كوبنهاكن 2016

يزج سلام إبراهيم الطقوس الدينية في توليفات سردية بحوادث الرواية مثل وقائع حصار الإمام الحسين وصحبه ومقتلهم في كربلاء، بغية شحن النص بدلالات اسطورية تشير إلى العنف السائد في بلاد الرافدين من ناحية، ولتشبيهه بتلك الحادثة التاريخية الدالة على مقاومة الظلم والاستبداد من ناحية أخرى. ولا يتردد المؤلف من دس شذرات من أغانٍ ومواويل شعبية ذات إيقاعات حزينة في ثنايا عمله: جذاذات شعرية عامية تلازم المتن الروائي وترفده بنبرة مفجوعة، مكتوبة بروح فلاحية جنوبية عانت الظلم والطغيان مديداً.
الجزء الثاني من الكتاب وعنوانه “متاهة الأعماق السحيقة” نرى بطلنا بعد عودته من الجبهة تحت وطأة عذاب نفسي قاسٍ مؤلم بسبب إعدام أخيه، حتى ينطوي على نفسه وينزوي مبتعداً عن زوجته مؤثراً عزلته في غرفته. ونكتشف أيضاً من خلال منولوغه الكثيف أنه التحق ذات يوم بالثوار في جبال كردستان العراق، ولما لمس بطلان أفكارهم وهشاشة قيمهم قرر العودة إلى بغداد وتسليم نفسه للجيش، فالعيش تحت راية الجنود البسطاء أفضل من الإقامة مع ثوار لايعرفون من الثورة سوى الشكوك والنظريات والأحلام والأوهام.
كوابيس تلو الكوابيس تلف حياة الراوي، إن في الجبهة أو المدينة أو البيت. بيئة محكومة بالقتل والموت والعنف والقسوة تمثل في تفاصيلها وخزين أهوالها قسمات مدينة “الديوانية” العراقية الواقعة على جروف نهر الفرات، إبان الحرب.
كل ذلك يجري على السطح، فماذا عن العمق، عن المخفي والمستور، عن المغيّب والمظلل والمخبأ؟. كلما تعمّقنا في وقائع الناس وتقلبات ظروفهم وجدنا أمامنا هولاً أكبر، ورعباً أشمل، وموتاً اعم، وظلماً أفدح وشراً مستطيراً شيطانياً، ونكون ساعتئذ في حجيم العالم السفلي حيث يلتقي الجندي زوجة أخيه المعدوم وتأخذه إلى اماكن معتمة، إلى ممرات معتمة، إلى سراديب مخفية وجحور مهملة، إلى قاع يضجّ بالصراخ والعويل والبكاء والنحيب.
في تلك الأمكنة المعّدة للألم والعذاب والتعذيب والتنكيل والموت والأذى، نشاهد بشراً مشوّهين، معذّبين، جنوداً هاربين من الجبهات جُدعت أنوفهم، أرامل، معتوهين، سياسين شرفاء، ناساً من كل الأقليات والطوائف، يمثلون الشعب العراقي المبتلى في الحرب والديكتاتورية والقمع.
“رؤيا الغائب”* رواية للكشف عن الواقع العراقي الراهن واضاءة جوانبه المعتمة والخفية وإدانة أساليب السلطة القمعية التي أستباحت بعسفها أبسط مقومات الحياة وحوّلت الوطن إلى معسكر كبير للموت والعذاب. وهي في الوقت نفسه صحيفة وفاء لذاك الغائب الذي قضى، مثل كثر آخرين من اصحاب الرأي الحر والكلمة المعارضة، في سبيل الحرية وإخراج البلاد من نفق الظلم والظلام.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* صدر عن المدى 1996
جريدة النهار البيروتية الأربعاء 18 كانون الأول 2002

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.