دار الشؤون الثقافية تحتضن روايات الخطيب (ملف/49)

إشارة :
برغم أن الروائي المبدع برهان الخطيب يُحسب على جيل الستينات إلا أنّ ما يميز منجزه الابداعي هو هذا التجدّد والتجديد في الأسلوبية وتناول الموضوعات مع ثبات بصمته السردية الجوهرية على خارطة الأدب الروائي العراقي والعربي. وقد أغنى عمله الصحفي وحياته الحافلة بالمتغيرات مخزونه التجاربي فأثرى المكتبة السردية العربية بأكثر من اثنتى عشرة رواية كل واحدة لها عالمها المستقل المتفرّد. يسر أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ ملفها عنه متمنية على الأحبة الكتّاب والقرّاء إثراءه بالمقالات والصور والوثائق. تحية للمبدع الكبير برهان الخطيب.

في عائلة حين يتجسس ابن على أبيه أو العكس، أخ على أخيه، إلى دولة حفظا لأمان، في كلية أو دائرة ترسل فتاة اعترافات حب إلى زميل، قصد بناء عائلة.. غيره من نشاطات ظاهرة أو خفية حولنا.. كل ذلك من شؤون خاصة، قد لا تهم الشأن العام، بعد أعوام يتبين التجسس إلى حزب أو جهة تقف وراء إدامة صراعات، ضعضعة دولة، واعترافات الحب قصد سيطرة على رجل، تثبيت هيمنة شريحة أو نخبة معينة على مجتمع، صياغته حسب مشيئتها، آنئذ نعرف ذلك أيضا من شؤون عامة، لا خاصة فقط، لها صلة بتقدم أمة في حال تحركها قوتها الذاتية، أو دمارها اندثارها لو تحركها قوة خارجية همها مصلحتها.. وانتقالا من عائلة إلى دولة يشبه الأمر إيحاء لرئيس: افعل كذا لمصلحة بلدك، بعد حين حرب بيع سلاح خراب البلد.. المذكور في التو مثال على صلة الخاص بالعام وصولا إلى العالمي عند كتابة رواية لا يغفل كاتبها عن صلة أي شيء بأي شيء مع تقصي أطراف مشكلة يصورها يعالجها صعودا عليها إلى تحقيق هدفه الإبداعي الاجتماعي من الكتابة أي التنوير الفكري.. العاطفي.. على أي حال ذلك ما يتبدى واضحا من منهج الروائي برهان الخطيب منذ صدور أول رواية له (ضباب في الظهيرة) أواخر ستينات القرن الماضي حتى تقديمه آخر رواية له (ليالي الأنس في شارع القيامة) إلى دار الشؤون الثقافية لتُلحق في ركب رواياته هناك البالغة خمسة عشر رواية تُصدِر منها خلال عقدين (الجنائن المغلقة 2006) و (نجوم الظهر 2016) على أن تصدر قريبا (ملف عابر قارات) التي طال الجدل والسجال حولها بين المؤلف ودار الشؤون الثقافية، منه ما وصل صحيفة (العالم) ونشر في صفحتها الثقافية منيرا بعض مواقع الانترنت.. فماذا وراء ذلك وماذا تغيّر أخيرا..
تغيرات كثيرة حدثت في هرم السلطة منذ صعود الكاظمي إلى رئاسة وزراء العراق، ضمنا وزارة الثقافة ودائرة الشؤون الثقافية، حيث تم استبدال الوزير ثم مدراء عامين هنا هناك وصولا إلى المنصب الحيوي الرسمي المؤثر في نشر وتوزيع الثقافة العراقية، روح المجتمع، ضميره المحرك حياته الحضارية.. موازاة ذلك ومنذ أكثر من عامين لم يهدأ وطيس أخذ رد بين الروائي الكبير برهان الخطيب ودائرة الشؤون تحديدا حول نشر آخر رواية له (ملف عابر قارات) حتى تكللت مرحلة الغموض أو المخاض تلك على الساحة الثقافية بوضع رواية جديدة أخرى له بعد اعتكاف (ليالي الأنس في شارع القيامة) هي الأخيرة التي لن تعقبها رواية منه حسب إعلانه أمام بعض معارفه وأصدقائه.. خلص.. مراهق الأدب المزمن يبلغ من العمر عتيا.. يريد يرتاح أخيرا.. يطلع تقاعد..
إذاً بعد الذي والذين وانقطاع الخطيب أياما حاسمة عن دائرة الشؤون، تتصل الدائرة مؤخرا بالمؤلف الخطيب، وتسأله عن رأيه في ضم ليس (ملف عابر قارات) وحدها ـ الرواية موضع الجدل طويلا ـ إلى الخطة الثقافية للدار، ونشرها دون تحمل المؤلف أي جزء من كلفة النشر، بل وأيضا ضم مجمل روايات كبير الرواية العراقية والعربية المعاصرة التي أبدعها خلال أكثر من نصف قرن، متوغلا في حاضر وماضي العراق والمنطقة، مستشرفا المستقبل الروحي لهما، صانعا سفرا أدبيا للمجتمع العراقي، يعين في رؤية حركته ومنعطفات تطوره صعود نزول في خفاياه، توخي عدم تكرار أخطاء تصيبه جراء غياب مرآة أدبية افتراضية يبتدعها عادة مثقفون كتاب، متفانون في أداء دورهم التنويري الحساس الحاسم في مقدمتهم، كما هو معروف عميد الرواية العربية الأول نجيب محفوظ الحاصل على نوبل..
معلوم أن الخطيب يرفض تصنيفه روائيا فوق غيره من الرواد رغم أن بعض المثقفين العراقيين أعلن صراحة أحقيته في الصدارة، آخرهم زميله رائد الستينات عبد الرحمن مجيد الربيعي، حين رفعه في شارع المتنبي، أمام حرمه وشقيق الكاتب، إلى مكانة قائد الجيل ورمزه بما يحققه من إبداع روائي له مكانته وضرورته للثقافة عموما.
احتضان دار الشؤون الثقافية مجمل رواياته يكمل الصورة.. يوافق الخطيب، تُدفع (ملف عابر قارات) إلى الطبع..
فماذا فيها لماذا تأجل النشر طويلا أكثر من مرة.. لماذا تعود الدار تسأل المؤلف رأيه في نشر كل أعماله الإبداعية، وتوزيعها سنويا ضمن الخطة الثقافية لها..
لحداثة موضوعها وحيويته.. (ملف عابر قارات) رواية غير تقليدية شكلا مضمونا. تفكك أركان الرواية الكلاسيكية، الزمان المكان الشخصيات النمطية.. تحولها إلى سجل حافل بالتغيرات محاولة فض الغامض، مستلهمة الكثير في النص من علاقات وسير أفراد معروفين من نخبة لها دور في تأريخ ثقافة العراق، محوّرة أحيانا في الأسماء قليلا، لتجنب إشكالات لا تنتهي عند عرض حقائق من تحولات الأمس، احتمالات اليوم.
إنها تجربة مختبر أدبي إبداعية، لا بد منها مذ يتجدد بلدنا مع العالم على تخوم الألفين. رواية تعيد تركيب الوقائع على نمو الأفكار: تحليل الصدف. مخترقة كواليس مسرح الواقع. منتزعة حقائق ضائعة أو مضيعة. تعيد الحدث الكبير إلى قصصه الأولى. تجلي أسباب ونتائج ترابطها في أزمان أماكن مختلفة. يجمعها خيط السرد مشهدا عريضا عن معذبين مع وطن في صراع طويل مفروض من محيط.. إلى صراع أبعد مع آخرين ليكونوا أو لا يكونوا.
في روايته هذه لا يستبعد الروائي برهان الخطيب شخصية المؤلف، انما يقدمها إلى قارئه في مواجهة الذات، الآخر، خيارات الإبداع، الموضوع، من جهة أخرى العالم، على نهج كتابة صادقة واضحة، من غير غموض مفروض، موح عن عالم تربكه حروب، ألغاز.
ورغم المنحى الفكري شبه الوثائقي كما هو واضح من بعض فصولها المنشورة سابقا في (العالم) تبقى روايتنا هذه عاطفية خلابة، حب مع نساء من الدور الأول، مع شخصية نسنس غريبة الأطوار، رواية فيها حقائق غريبة عن أناس لهم حضور في صناعة الأحداث، ذات أسلوب فني حيوي، حوارات لها حرارة، نبض، صور باذخة ألق إيحاء من موضوع جاد حاد عن قوى ظاهرة وخفية تسيّر الأحداث عامة خاصة يقلبها المؤلف حينا على البطانة، يرى القارئ الكثير من خفايا عصرنا المتفجر من الجديد إلى الآتي. يتوغل ناقد أعمق فيها يجدها تدور على ضفة زمنية مكانية مقابلة لروايته البكر (ضباب في الظهيرة 1968) كتب عنها غسان كنفاني، سعد البزاز، خالد مصطفى، غيرهم.. إلى صالح الرزوق قبل عامين.. البارز في مقارنة بينهما أن السارد هناك يتحدث للمؤلف عن حكايته مع صديقين غامضين حتى نهاية سوداوية، في (ملف عابر قارات) يأخذ المؤلف دور السارد بعد نصف قرن يتحدث عن ثلاثتهم وما يحضر منهم إلى اليوم من غرائب خلال زمن عصيب حتى نهاية مفتوحة.. أيضا في روايته (ليالي الأنس في شارع القيامة) الحديثة يعالج مخرجات حدث روايته (شقة في شارع أبي نؤاس 1972) كذلك (ليالي الأنس في شارع أبي نؤاس 2009) ويقدمها في مكان آخر زمان اليوم متشربة عصير التأريخ، يبقيها حية متفاعلة فاعلة، كما نرى ونسمع من الأخبار. ذلك وغيره يجمع روايات ب الخطيب، ملحمة واحدة فريدة عن قلب عالم اليوم.. العراق منذ تأسيسه..
بعض النقاد له حق يرى تجربة ب الخطيب الروائية لا تضاهيها تجربة في الأدب العربي والعالمي.
نسنس أو بسبس الحاضرة في (ملف عابر قارات) للمؤلف: غيرك يركب الأدب يحصل على حظوة أنت تضحي حياتك للأدب.. ذلك همس لا من الرواية.. بل من قناة خاصة..
تقدم (العالم) هنا مقتطفا من الرواية على أمل نشر دراسة عنها قريبا.. وأخرى عن (ليالي الأنس في شارع القيامة) التي ضمتها دار الشؤون، مؤخرا، إلى بقية رواياته ضمن خطتها الثقافية السنوية..
ليلة النرد ـ فصل من (ملف عابر قارات)
يرفض مدلول تناول المصعد إلى الشقة، ذريعته خلاف سابق يمنعه: أي خوي في السيارة يمكنه الصعود جلب النرد.
يصر الرسام في مرح، أخوية، على صعود مدلول لا غيره إلى شقة جلول، هو الأقرب إليه جلبه النرد لا ينقص هيبته، الشلة عارمة عازمة على مواصلة السهرة. لا فائدة، الأديب يصر على صعود غيره إلى الشقة. يرجوه الرسام، منحه فرصة كلام خاص مع الزميل رفقتهما.. يغادر الأديب السيارة، الهاجس ينذره.. في الخفاء تدبير كبير.
يأخذ المصعد إلى الطابق العشرين في كبرياء، إلى أين تذهب هذا المساء، على بغداد حرب عاوية النداء، حوله شارع دائري انشوطة تهدد أبرياء، أسفل العمارة العالية تنتظر سيارة الزملاء، توقيت دقة، غربة تتبدد لاحقا مع مزحة في رِقة، ينقر الجرس.. فتح الباب يتبعه شهقة.. ميمي وحيدة في الشقة.. لا صديقة.. صغيرها مع الأهل في رفقة:
_ المباراة حاسمة.. الرهان؟ رأس واحد منا.. نحتاج النرد!
ميمي ذلك المساء مختلفة عنها في كل الأمسيات، أنثى تنوي ارتكاب فعل حاسم، يخال تصوراته فطنة: دع لماذا، لمن، اسأل مَن.. مَن وراء التبرج غير المعتاد وقت البعل في غياب؟ المشهد عادي في الظاهر حتى عند مرتاب، تحت النص مدبر في دهاء.. عن حساب، يتبدى بعد حين عجب العجاب، يخرجه وراء كواليس مخرج ماكر المنهج: حركة الجميع حرة، السيناريو تلقائي، الأبطال اثنان، الموضوع غواية ليل، الأهم.. لا الثمرة المحرمة.. بل البذرة القادمة.
مفعما من أمل، حالما في حياة سوية بلا بطولة، يستنتج لا حياة سوية من غير بطولة، أمام ميمي في هرج مسموح، على مسرح مفتوح، السيناريو مدروس وسط ممثلين هواة محترفين ساخرين من بطولة، من حدود أو بيان، في عالم مبتكر متنكر تحت مسوح رهبان، مَن يتفرج يتلهى يلوك اللبان!..
توسّع شبيهة الأميرة ديانا فتحة باب الشقة، تفاحة وراءها في طبق، تجره من الرسغ بلا كلفة إلى شَفَق، يغرق في نور ناعس يماثل الغسق:
_ صديقك ليس هنا ادخل أريد الكلام معك.
يضطرب عن جد، يتحقق الظن، تنتظر قدومه، يواصل المزاح في الروسية:
_ العصابة تحت، التأخر يُفسَّر ما لا يحمد.
تدخله، تغلق باب الشقة وراءه:
_ يملون الانتظار يغادرون لا عليك منهم.. قل ماذا تشرب.
_ سعار اللعب يركبهم يأتون ورائي بعد قليل لو أتأخر.
_ طيب خذه إليهم مع وعد.. ترجع حالا بعد تسليمه.
يتأكد: حكاية النرد فيلم، قيادته إليها عن غاية، خيانة مع ميمي خارج نطاق منطق نظامه، جلول مع مدلول أكثر من صديقين.
أسفلت الشارع الدائري حول العمارة العالية يُزرع أزهار شر سوداء.
لا يدرك كل شيء.. يتمنى عدم الفهم.
أضواء المدينة تحت النافذة العريضة من الشقة في وسن، بعد قدحي هافانا في شبه ظلام يتداخل الدلال مع المرام، تطلب أخبار رجلها صديقه، لكن ما شأن مدلول من لقاءات جلول أو ماذا يقول في أي مكان ناتئ أو مصقول:
_ حتى لو أعلم يخونك أي عقل أنتِ الذكية يصوّر لكِ أشي فيه؟!
_ لا تريد نقل أخباره افهم .. عاما محرومة من الفراش ماذا أفعل!
_ يحدث أسوأ خلال حياة زوجية.
على شفتيها ابتسامتها الخفيفة مع الحياء القليل المستوحى من الأميرة:
_ وفّر نصائحكَ.. لستُ ملكة جمال.. أنت هل تراني جذابة؟
_ النساء يتصورن أنهن أقل جمالا أو قيمة مما هن في الواقع.
_ يعني أنا جميلة في نظرك؟
_ طبعا أنت جميلة هو لا يخفي عنك حتما.
_ لماذا لا تقبلني!
يُصعق.. يرى ستالين بلا شوارب!
_ أنتِ لا من نوع النساء ذاك.. لماذا تمثيل الحب عليَّ!
_ لا أمثل.
_ زوجة اقرب صديق كيف أقترب إليك.. في بيته.. نسهر!
_ خليكَ من الأخلاق أجبني.. راغب تقبيلي؟ لا تكذب.
_ ؟؟؟؟؟؟؟
_ لا رغبة لا تريد؟ أفهمتَني أنا جميلة إذاً كاذب.. راغب هيا.. لا ترد.. جبان.
_ القبلة برهان شجاعة أو صدق!
_ لا تختلف عنه خواف.. تخاف حتى طلعة الشرفة.. نظرة منها إلى أسفل!
_ كم سؤالا عندكِ في امتحان اليوم بربك!
_ أكمل قدحك هيا إلى الشرفة.
يتبعها، مع تأثير المشروب السابق اللاحق لا يستوعب كل شيء، هو الذي يكتب: أشرب أصحو.. أفهم أحسن.. فِهم الجد جلجامش.
الليل عميق، البعد سحيق، هواء الشرفة الليلي نقي بارد.. من المدى نقيق.
تتوقف عند باب الشرفة تملأ صدرها أنفاسا إرادية غير إرادية.
المدينة يلونها نور قاتم انطباعي، الطابق معلق بين ضباب غيم، رائحة رطوبة نفاذة.
تشير ميمي إلى سور الشرفة الواطئ:
_ أرني كيف تنظر من هناك إلى أسفل.
ظلام الشرفة يلهب الخيال ما قصدها من اللعب مع الخطر، يقترب إلى السور الذائب في العتمة، الوادي الأسود فسيح بلا قاع.. غاوٍ إلى طيران ليلي بطيء.
ذراعا ميمي على صدرها تتحداه.. نظرتها غامضة:
_ على الشرفة أنت آمن.. تخاف أكيد الاحتكاك مع السور.
التحدي جزء من طبيعة الحياة، يقترب إلى السور، تلامس ساقه حديده البارد.
تتسارع أنفاسها تضيق ابتسامتها، تتباطأ كلماتها تفقد نبرتها لحنها الأنثوي:
_ تخاف ركوب السور حتما.
يقبض على الحديد، الريح تهز العمارة، ساقه على جواد وشك عربدة.. مَن يروض مَن.. يركز عليه.. الريح تولول.. تعول.. بقايا أضواء الأعماق المظلمة السحيقة الساهرة تُطفأ.. تلمع عيناها مغريتين في هياج غير متوقع تختفي ابتسامتها:
_ لكنك أكيد تخاف عبور السور.. الانتقال إلى الفراغ الحقيقي هناك.
يميل بدنه يحشر قدمه اليمنى بين حديد سور الشرفة خارج العمارة، ينقل ساقه اليسرى فوق حافة السور، يستوي ممسكا الحديد البارد في الريح، الظلام، سابرا عينيها ماذا تريد حقا، هي لا تنوي قتله، تقترب إليه.. ثمة لحظة إلى مناورة.
_ أنظر وراءك.
ينظر وراءه..
_ ارفع عن السور إحدى يديك.
يرفع اليمنى يبسط الأصابع أمامها، العناد يُكسر في عناد يدرك ماذا تريد.
_ لا يمكنكَ رفع إحدى قدميك.
الظلام متصل إلى الأبدية، الريح تدور حول الأرض تعود، قدمه اليمنى ترتفع عن سور الشرفة، يختبرها هو.. قد تريد قتله ادعاء يسقط سكران أثناء تحديق إلى أسفل أو يرمي نفسه ببساطة من الشرفة تخلصا من توتر.. يسألها.. يمكر:
_ أرمي نفسي؟
مبتسمة في عصبية:
_ تقدر؟
_ ردي أنتِ أولا.
_ رد أنتَ.
_ أنا أول مَن يسأل.
_ تعال أقبلكَ.. على الشرفة لا جوار السور.
يعود حذرا، قبل التقاط أنفاسه تغرز شفتها السفلى بين شفتيه.. تمتصه.
لا تؤثر قبلتها فيه، بائخة من أخت، ممسكة وجهه بين كفيها تغمغم مرتعشة:
_ أريدك.. خذني بربك.
_ ليس اليوم.. أريد أن أفهم.
_ إلى جهنم مع الفهم.. أمامك أنا..
_ …..
_ غدا باقية وحدي.. تأتي صباحا مبكرا تجدني لك إذا لا أموت من الانتظار.. لا طلعة لكَ من بيتي دون وعد.. العاشرة تأتي مع قنينة قوية تشعل بقيتي!
العاشرة صباحا يقرع الجرس، تفتح الباب، يرفع قنينة شمبانيا. تقرّعه:
_ تخيب ظني.. قلتُ قنينة قوية.
_ لا نثقل العيار أفضل.
يتقارعان الكأسين الطويلين في المطبخ:
_ انقلاب كبير في شخصيتكِ.
_ لا انقلاب، أنت ضعيف نظر السنوات الماضية.
_ إفلات الزمام فوضى.. زوجة، زوج، صديق، مثلث برمودا قلبه بلوى.
_ لا نقلب لا نخرق القانون.. قروي.. استمتع في حياتك.
_ الحدود ضرورية.
_ كذب.. كلام كتب عتيقة.. الخوف العجز عائق. _ ميمي.. الرغبة حد سكين!
_ رفيق مدلول قل لي بربك.. لا تضجر من العقل كل الوقت؟!
_ شوطه طويل.
_ تنقل إلى جلول حكايتنا أمس اليوم؟
_ ما رأيكِ أنتِ؟
_ لا تخبره. تغيّر رأيكَ عن صواب أو خطأ تخابرني إلى الشغل.
_ لا أخبره طبعا.. نبقى أصدقاء.
_ المفروض أنا في عار خجل أمامك حتى إشعار آخر.
_ أبدا عزيزتي ميمي.. لستُ حاكما على غير نفسي.
يبقى جلول مع مدلول يلتقيان في زيارة، شغل، مقهى، كأن مشكلة لم تكن..
التفاصيل يذكرها رافد إلى الأديب في غوتنبرغ متسائلا عن مطابقتها واقع ملتبس. يرد مدلول: ترويها حسنا.. لكن لها إضافة جوهرية.. ما هي؟.. تراها في الرواية.
لا ينقاد إلى اعتراف، لا يسأل كيف من أين تصل صديقه الأسرار.. واثقا أن جلول ليس مصدرها.

  • عن صحيفة العالم

شاهد أيضاً

صباح هرمز: مسرحيات يوسف العاني بين الرمز والموروث الشعبي:
1- المفتاح (ملف/23)

كتب يوسف العاني مسرحية (المفتاح) أواخر عام 1967 وأنتهى من كتابتها بداية 1968، وهو بهذا …

الفهرست الكامل
في وداع الدكتور نجم عبدالله كاظم
ناطق خلوصي (ملف/6)

كانت آخر رسالة تلقيتها من الأستاذ الدكتور نجم عبد الله كاظم في 9أيار الماضي أي …

على ضفاف شعريّة العناوين
دواوين الشاعر سعد جاسم أنموذجاً
د. وليد العرفي (ملف/7)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *