صباح هرمز: بابا سارتر بين تناقض الشخصية. . والأحداث الغريبة. .

أن من يقرأ رواية بابا سارتر لمؤلفها علي بدر، يخرج بنتيجة مؤداها، أنها لاتنتمي الى الاساليب الروائية المعروفة، كالاسلوب الواقعي، وتيار الوعي، والواقعية السحرية، كما انها تنفلت من الاساليب السردية المتبعة في روايات ستاندال وباولو كويليو، وتتخذ لنفسها منهجا سرديا متمردا خاصا بها، وهو ان جاز لنا أن نسميه: منهج السرد الساخر المقرون بالفانتازيا.
ولعل قدرة المؤلف على تطعيم روايته بالحوادث الغريبة، ورفدها بالشخصيات غير المألوفة، جعلت من أسلوبه السردي ينحو باتجاه بلورة تقنية جديدة، هذه التقنية الناجمة من اختلال التوازن بين تراكم الاحداث، وبين عدد قليل من الشخصيات، لتفضي الى شكل من اشكال الفانتازيا، ذات الصلة بواقع المجتمع العراقي المنجذب الى السخرية، عبر تهويل الاحداث والشخصيات التي تقف وراءها.
إن أهمية هذا الأسلوب تكمن في تحرير الرواية من تأثير الاساليب الروائية الأخرى، ويجعلها اكثر اقترابا من التشكيل الاجتماعي والاقتصادي والسياسي العراقي خاصة والعربي عموما، باعتباره، بعكس اللاممكن، هو المتوقع عينه.
وعلى الرغم من ان المؤلف، لم يعمد الى عنونة وتقسيم المراحل التي يمر بها بطل الرواية، فهي ثلاثا، سيرة حياته في بغداد وباريس، ومرحلة الطفولة، والثالثة هي وقوفه على حقيقة الذين تعامل معهم.
تبدأ في صفحاتها الاربع والثلاثين الإستهلالية، بالبحث عن كتابة سيرة الفيلسوف العراقي المتأثر بسارتر وأفكاره الوجودية، والذي كان يسكن أبان ستينات القرن الماضي في محلة الصدرية ببغداد، وذلك باللقاء بحنا يوسف الذي يرشد السارد الى الاشخاص الذين بحوزتهم معلومات ووثائق تخص هذا الفيلسوف، كبطرس سمحيري، وعباس الفلسفة، وصادق زادة، مزودا إياه الأخير ببعض الوثائق والمعلومات التي تساعده في إنجاز مهمته هذه.
تأتي سيرة حياة بطل الرواية، وهو عبد الرحمن، تحت عنوان (مرحلة الكتابة)، ويبدأ القسم الاول منه، بعودة هذا الفيلسوف من باريس الى بغداد مع زوجته الفرنسية الخادمة بدون شهادة في الفلسفة، وكيفية لقاءه بها، بعد أن تاه في احدى الليالي في أزقات باريس المظلمة، وهو عائد من الملهى الى شقته شبه مخمور، والتقى بها خارجة من بناية عالية ينز جدارها العالي الصلب شلال من الماء، لتدله على شقته التي ضيعها. وصداقته مع اسماعيل حدوب، بائع الصور الخلاعية، والذي كان يأكل ما يقع في يده ما تخلفه مطابخ القصور من الفضلات والازبال، وينام حيث يتيسر له النوم، والعلاقة القائمة بينه وبين شاؤول اليهودي الماركسي الثري الذي ينتشله من وضعه المزري هذا بهدف استغلاله.
وشخصية اسماعيل حدوب، شأنها شأن شخصية عبد الرحمن، شخصية رئيسية، إن لم تكن ظلا لها من حيث بنائها وتكوينها. ولكن الفارق الوحيد بينهما، هو أن الأولى تنحدر من عائلة فقيرة والثانية من عائلة غنية. أما بقية الشخصيات كشخصية شاؤول ونادية خدوي وأدمون القوشلي وجاسب الأعور والراقصة دلال مصابني وريجينا الخادمة وسعدون السايس، فهي شخصيات ثانوية.
ولإضفاء مزيدا من الواقعية على أسلوبه، يلجأ علي بدر الى ذكر الاسماء الحقيقية للشخصيات الأدبية التي كانت تعيش في تلك الفترة، أو التي تمثلها أحيانا، كفؤاد التكرلي القاص، والروائي غائب طعمة فرمان، وأحيانا أخرى، بالايحاء اليها، عبر الإشارة الى مكان إقامتها أو التمويه على الأسم الاول أو الثاني لها، كعباس الفلسفة الذي كما يترآى لي هو الشاعر والروائي فاضل العزاوي، وسركون صالح هو الشاعر سركون بولص.
ويبدأ القسم الثاني بإكتشاف الفيلسوف حقيقة العلاقة بين والده ووالدته بالتلصص على حجرة نومهما. الأمر الذي يؤدي به الى كره أمه، وعدم الصفح عنها، وعلاقته بالخادمة ريجينا التي كانت تربطها بعلاقة جنسية مع السايس سعدون، وكذلك مع والده.
أما القسم الثالث فيتضمن الكشف عن حقيقة دجل ورياء حنا يوسف وصادق زادة اللذين قاما بتكليف السارد في كتابة سيرة حياة عبدالرحمن، لغرض لا يتضح إلآ في الأخير، وإن اسماعيل حدوب وصادق زادة هما نفس الشخص.
لكسب أسلوبه السردي هذا سمته المتميزة، يلجأ الراوي الى عنصرين، لإشاعة ما يمكن إشاعته من المناخ الأجتماعي والثقافي والسياسي السائدة أبان الستينات في العراق، وهما الوصف، والتهكم. وصف المكان بتفاصيله الحقيقية والدقيقة. والتهكم بتهويل الأحداث ونقد الشخصيات الثقافية. وهذان العنصران، يذكراني سيما الأول بوصف المكان في قصة سركون بولص (الملجأ).
في هذه القصة بوسع القاريء ان يتعرف وبدقة على الاماكن التي يمر بها بطل القصة على دراجته الهوائية. وهو ينطلق من حديقة أم الربيعين شمالا بإتجاه رحيم آوة حاليا. (حيث كانت هذه المنطقة في الخمسينيات خالية من السكان).
ويتكرر وصف المكان فيها إتساقا مع حركة الشخصيات وإنتقالاتهم، وعلى إمتداد الرواية، كما في هذه الجملة:
(ضحى الأحد كنت أنعطفت من مبنى البريد نحو الضاحية المسيحية المحيطة بحدائق بارك السعدون، وفي نهاية الجادة، كنت قد رأيت بقالة الآثوري)
وهذه ايضا:
(…. كان دير ملهى راقيا في الستينات وهو ملهى جريف ادب قرب صالة سينما روكسي في شارع الرشيد..).
أما التهكم فهو الطابع العام الذي يغلف الرواية ويحتويها بأحكام، بدءً من عودة الفيلسوف العراقي عبد الرحمن الى العراق مع زوجته الفرنسية التي يشبه السارد نحافتها بأصبع البازلاء، وكتابة سهيل ادريس له رسالة يطالبه فيها بكتابة مقالات وجودية لمجلة (الاداب)، ورفض عبد الرحمن ما عرضه عليه سهيل ادريس، بحجة انه يفكر فلسفيا باللغة الفرنسية، ولذا لا يمكنه ان ينقل افكاره باللغة العربية، مرورا بزواجه من فرنسية كونها مواطنة سارتر. وتقديمه والده له لرئيس الوزراء نوري السعيد على امل ان يستحدث له رتبة فيلسوف، وانتهاء بغثياناته بعد كل مضاجعة، شريطة الا ان يكون هذا الشعور فرديا، وانما ثنائيا، اي بمشاركة الطرف الاخر معه. وتسمية مولوديه بـ: (عبث) و (سدى).
اذا كان غثيان عبد الرحمن الوجودي غثيانا مفتعلا ومصطنعا شأن ثقافة الجيل الستيني للتظاهر والادعاء بفهم فلسفة سارتر عبر رواياته ومسرحياته، ويمثل هذا الغثيان إدانة لجيل كامل، فأن توظيف هذا العنصر من جانب آخر، وهو الجانب الاهم، جاء لتأثيره على القاريء بما يدعوه الى الغثيان الحقيقي، كي لا تقتصر الادانة على السارد فقط، وانما يشاركه المتلقي فيها ايضا. ولتحقيق هذا الهدف فقد استعان بثلاثة سيناريوهات وهي:
1- تلصص عبد الرحمن في طفولته على والده ووالدته في حجرة نومهما.
2- مضاجعة اسماعيل حدوب والنشالين ومنظفي المجاري والنشالين لعاهرات اكثر بؤسا منهم.
3- هروب الفيلسوف الصغير عاريا من الغرفة امام والده ووالدته.
والسيناريو الاول والثالث يسعيان الى الكشف عن العلاقة الهشة السائدة في المجتمعات البورجوازية، حتى وفي العائلة الواحدة، وخوائها من المشاعر والعواطف الانسانية، والسيناريو الثاني، توكيد لبؤس الثقافة الستينية، وولادتها بشكل قسري وغير طبيعي، وعلى اشباه المثقفين وانصافهم..

مثلها مثل روايته (تل المطران) التي توهم المتلقي بأن مدينة تل المطران، هي إحدى مدن سهل نينوى، بينما في الأساس لا وجود لها على أرض الواقع، ما عدا في مخيلة السارد، كذلك في روايته هذه يلجأ مؤلفها علي بدر الى اللعبة نفسها، من خلال إيهام المتلقي أن السارد مكلف من قبل حنا يوسف بكتابة سيرة حياة الفيلسوف الوجودي الذي ظهر في بغداد في أوائل الستينيات من القرن الماضي، من خلال اللقاء بالأشخاص الذين عاشوا معه أو عاشروه، ليتجلى في نهاية الرواية أن صاحب هذا المشروع الحقيقي هو إسماعيل حدوب المنتحل بأسم صادق زادة تارة، وميشيل تارة أخرى، وليس حنا يوسف، فضلا عن ظهور هدف الأثنين من كتابة هذه السيرة ، الأول الإساءة لعبدالرحمن، والثاني الإساءة لإسماعيل حدوب.
تبدأ الرواية بزيارة السارد لمنزل حنا يوسف (حفار القبور) وصديقته الخليعة (نونو بهار). للتداول معهما بشأن جمع المعلومات والوثائق التي تخص سيرة حياة الفيلسوف الصدري، وأحس السارد من اللحظات الأولى التي ألتقى بهما، أن لهذين الدجالين أمرا خارج السيرة، ولا سيما عندما وصف حنا يوسف (عبدالرحمن) بالأرعن، وأكدت نونو بهار ما قاله صديقها، وأضافت:( نعم كل فيلسوف أرعن. لكن هناك أرعن يكتب كتبا تسهل على الذين يكتبون سيرته، وهنالك أرعن لا يكتب كتبا، فيقتضي أن ندفع مالا لشخص ينقب ويكذب ويؤلف، ليصنع منه فيلسوف). ذلك أن الفيلسوف صناعة من وجهة نظرها. وكلاهما حنا يوسف ونونو بهار، بوسعهما صناعته. ولبلوغ السارد حد الإفلاس، أتفق معهما على إنجاز هذا المشروع، خاصة لوعده بدفع مبلغا كبيرا من المال له. لذا فقد زوداه بالوثائق وبعض المعلومات عن الشخصيات التي كانت على صلة وثيقة به، وتساعده في إنجاز هذا المشروع. ولكنه عندما دقق في المعلومات التي حصل عليها من كل الذين ألتقى بهم، أو زودوه بوثائق، لاحظ أنها لا تمت الى واقع عبدالرحمن بصلة، ذلك لكتابتها بأسلوب مفتعل ومنحاز، في الوقت الذي كان يبحث السارد فيه عن معلومات محايدة. أو كما يقول:(عن الخيوط التي تدلني على رأس العقدة). لذا فما كان عليه ازاء المعلومات التي تشوه حياة الفيلسوف، ان يقوم بغربلتها في سعي منه للحفاظ على التغيرات البسيطة والموقتة التي تطرأ عليها.
أخذ هذا الاستهلال خمسا وثلاثين صفحة من المجموع الكلي لعدد صفحات روايته البالغ مئتين وتسع وثلاثين صفحة، وهو عدد غير قليل، ويكاد أن يحتل سدس الرواية تقريبا. والمؤلف يكسب هذه الأهمية لاستهلال روايته، مع أنها أول رواية له، ربما لأنه خطط للسير على هذا النهج في رواياته اللاحقة، وهو إقناع المتلقي بالأحداث الجارية من خلال التعويل على الوثائق، ذلك أنه أعتمد على هذا الأسلوب بالإضافة الى رواية (تل المطران)، في رواية (أساتذة الوهم) أيضا.
وفي رواياته الثلاث يستخدم الوثيقة كلعبة أو حيلة فنية، تسمح له إيهام المتلقي، بأن الأحداث الجارية في الرواية حقيقية، بما لا يقبل الشك. واللعبة الفنية الثانية التي يستخدمها، هي عدم أخذه بجدية ومصداقية الوثائق والمعلومات التي أعتمد عليها في مستهل الرواية، أو ربما لأن الأحداث التي يصطدم بها هي التي ترغمه على تغيير هدفه الأساس بهدف آخر، لم يخطر ببال المتلقي، كما في تل المطران مثلا، إذ أن السارد الذي جاء الى مدينة تل المطران ليعلم أطفالها اللغة العربية، يدخل في صراع مع أهل المدينة ويقتل القس بتحريض من شميران، ليأتي الهدف الذي جاء من أجله وهو تعلم الأطفال في خبر كان، شأنها شأن هذه الرواية الذي كتب السارد عن سيرة حياة اسماعيل حدوب ما يوازي تقريبا عن سيرة حياة الفيلسوف، وهذا ما كان يسعى اليه حنا يوسف، وهو الكشف عن ماضيه بكل مساوئه وعيوبه، ويغيض اسماعيل حدوب الساعي الكشف عن زيف ودجل عبدالرحمن.
تقوم بنية هذه الرواية على التناقض القائم في شخصية محورها الرئيس عبدالرحمن، وذلك من خلال البون الشاسع بين الفكر الوجودي، وسلوكه وتصرفه على أرض الواقع، معبرا السارد عن هذا التناقض بشكل ساخر، في سعي منه لإثبات أن الجيل الستيني لم يدرك، متمثلا برمزه عبدالرحمن، الفكر الوجودي. ولتطعيم شخصيته بمزيد من السخرية، أضفى عليها قدرا من الغرابة التي لا تخلو من التصنع، عبر التزاوج بين الواقع والخيال، للإيهام على فهم وجودية سارتر. وتتجلى هذه الغرابة في السطور الأولى من الفصل رقم-1- الموسوم:(رحلة الكتابة)، حيث يستيقظ عبدالرحمن من نومه وهو يشعر بالغثيان. أما لماذا يشعر بالغثيان؟ فأغلب الظن لأنه وجودي، وحتى إن لم يكن هناك سبب واضح. المهم أنه ينتابه هذا الشعور، حتى بعد انتهائه من ممارسة الجنس، وعلى المرأة التي ينكحها أن تشعر مثله بالغثيان، وبدون أن تبادله هذا الشعور، تكون ممارستها ناقصة، ولن يعيد الكرة معها مرة أخرى، مشبها الغثيان بالقبلة التي لا تتم الا بالمشاركة بين رجل وامرأة.
إن أشد ما يعذب عبدالرحمن بالرغم من التشابه الكبير بين تقاسيم وجهه مع تقاسيم وجه سارتر، موجها السارد أكبر سخرية لعبدالرحمن والجيل الذي يمثله، من خلال عدم كونه أعور مثل سارتر، ويتسائل:( فماذا سينقص الوجود وصار أعور، وكان بعوره سارتر آخر، ويحسد (جاسبا) بائع الخضرة لأنه أعور مخاطبا نفسه:( فهذا الأعور الجاهل لا يدرك عبقرية عينه السارترية، لا يدرك عظمة عوره الفلسفي، ولذا فإنه يفضل عينه السليمة على عينه العوراء ولا يدرك ابتذال عينه السليمة ولا عاديتها. . ).
تزخر الرواية بفيض من تناقضات هذه الشخصية الدائرة في محورين، أولهما في الفلسفة التي يتبناها، والثاني في إنجذابه للجنس. وإذا ما تعرضنا للمحور الأول، فإننا سنصطدم، عندما نكتشف أن هذا الدعي (عبدالرحمن)، كانت ثقافته شفاهية، أي أنه مثلما كان غير قادر على الكتابة بالفرنسية، كذلك فهو غير قادر على الكتابة بالعربية، والأسوأ أنه لا يقرأ:(أن عبدالرحمن لم يكن قادرا على الصمود لساعات جالسا على كرسي، أو حتى الإنطراح على بطنه ليكتب على الأرض، كان يحب أن يقرأ لأن القراءة أقرب الى الأحلام مما عليه الكتابة. . ).
والطريف أن السارد وعلى لسان بطله، يجد له المسوغات التي تنأيه عن الكتابة، وهو يقول:( وعبدالرحمن كانت له حجة أخرى، كانت له حجة مقبولة، حجة وجودية معقولة: كان يقول إن الذي يكتب، هو من يؤمن بشيء ذي جدوى، يؤمن بحياة ذات معنى وينتظر مكسبا.).
أما بالنسبة للمحور الثاني المتمثل في إنجذابه للجنس، فإن التناقض بين آرائه التي تعبر عن الفكر الوجودي وتطبيق هذا الفكر على أرض الواقع، يبلغ أقصى مدياته، وعلى نحو خاص في إنجذابه لحب نادلة فلورا. يقول السارد:(لقد كان الفيلسوف وجوديا جدا، فإنه لم يكن يبحث في الحب عن الآلام واللوعة والعذاب الناتج عن الحب المستحيل، إنما كان الحب لديه مثل أي شيء آخر، أي شيء آخر غير موجود، لأن الحب من العدم وحده خالق كل شيء.). هذا ما جاء في الصفحة الرابعة والخمسين. وفي الصفحة سبع بعد المائة، يقول عكس ذلك تماما:(لقد كانت فلورا أكثر مرارة وإنفلاتا وفراغا وأسى في حياة الفيلسوف. لقد هام بها في اللحظة التي سقطت عيناه عل نهديها. الا أن جبنه كان يصده عنها.).
إن السارد في تناقض الفيلسوف بين فكره الوجودي وإنجذابه لفلورا، لم ينحدر به من عرشه السارتري الى الحضيض، بل أهانه ومعه كل مثقفي الستينيات أكبر إهانة، وهو يصوره بشكل ضعيف ومهزوز بلغ حد المذلة، وذلك من خلال تردده الى الحانة التي تعمل فيها بشكل مبتذل، وهو يراقبها مسحورا بجمالها الأخاذ، متحينا فرصة الحديث معها بأي شكل من الأشكال، ومصادقتها، وعندما يخفق في مسعاه هذا:( كانت فكرة الوصول اليها بكل ثمن ترده الى طبيعته الحيوانية، كان يريدها بكل صورة، الإستمناء، الإغتصاب، القتل، الخيانة. . .). وبلغت فكرة الوصول اليها حدا الى مصادقة صديقها الجزائري، ليصل عن طريقه اليها.
مثلما تركته نادلة فلورا، قاصدة الجزائر، حيث يقيم صديقها (سي معمر)، كذلك فقد تصرفت معه نادية خديوي الشيء نفسه، فقد تزوجت عدوه اللدود التروتسكي (ادمون)، ولكن بعدد أن لقي من صدها عذابا لا يقل شأنا عن حبه للنادلة، ومذلة إن لم تزد قليلا عن مذلة النادلة، فهي بمستواها.
قال لها بهدوء: (أنا احبك. . أريد أن أتزوجك. .).
(أرجوك. . نحن في مكان عمل. . هناك كتب سارتر في الرف الأخير).
(صاحت نادية بصوت عال، كانت قسماتها وملامحها ثابتة، فأدرك تكرار هذا المشهد. . .).
كما كانت حياته في مرحلة الشباب تتسم بالغرابة، كذلك فقد نمت وترعرت هذه الغرابة معه، مذ أن كان طفلا، وربما أقترنت به من حادثة تلصصه على حجرة والديه. وهذا ما يؤكد عليه السارد، عندما يذهب الى القول:(لقد كان وجوديا من طفولته وإن مظاهر الغثيان كانت متجذرة في روحه من حادثة تلصصه على حجرة والديه. .). ومن ثم تلصصه على (ريجينا) وهي في الحمام، وبالتالي وقوعه تحت تأثير السايس سعدون وولهه الجنسي. ما دفعته كل هذه الأسباب لأن يكره أمه، وبالمقابل أن يتعلق بكل القاذورات الموجودة في المجتمع، وكان هذا التعلق بالنسبة اليه، نوعا من التطهير الذي يجعله أن يتصور، بأن العلاقة الداعرة بين السايس وريجينا أكثر طهارة وعمقا مما هي في عائلته. أو كما يقول السارد:(كان يريحه وهو يرى عائلته وقد هبطت الى الدرك الأسفل.).
لم يلجأ السارد، ربما لأن هذه الرواية هي التجربة الأولى له، لم يلجأ كما في رواياته الأخرى الى التعويل على الإيحاء بشكل ملفت، سوى مرتين، تحديدا في الصفحة (188) والصفحة (200)، للكشف عن اغتصاب السائق (مثير بن نسيم) لنادية. في المرة الأولى: (حين رفضت أن تستيقظ من نومها، ونامت في حجرتها شبه محمومة، ولم تذهب الى الشركة بعد هذا اليوم، ولم تعد تطيق النظر بوجه السائق، بل كانت تتحاشاه بتقزز ظاهر، كانت تتجنبه). وفي المرة الثانية عندما حاول عبدالرحمن أن يقبلها فامتنعت، وهي تقول: لا ما أقدر.
(لماذا قال عبدالرحمن وهو يلكزها بفخذه، ومد يده ليتحسس فخذها الناعم تحت الطاولة. . . )
(لا أدري. . وأبعدت يده. . ترتبط هذه الأشياء في نفسي بالقذارة. . . ترتبط بحادثة).
(أية حادثة!).
(لا أستطيع. .. لا استطيع. . . ونهضت من مكانها).
يرسم السارد شخصية بطله في علاقاته العاطفية الأربع، مع جرمين، دلال مصابني، نادلة فلورا، ونادية، بما تشي بأنه ليس إنسانا اعتياديا فحسب، وإنما ساذجا الى درجة كبيرة، وذلك من خلال عدم معرفته أسباب زواج جرمين به، أو انجذاب الراقصة دلال اليه. إذا كانت جرمين قد تزوجت به، فإنما لهروبها من العمل كخادمة في شقق وبيوت باريس، والرضوخ أثناء الحاجة للنقود الى مطالب الأثرياء. كما أنه لا يعرف، بالأحرى يقتنع بأن جرمين ودلال بعد كل عملية ممارسة، أنهما مثله يشعران بالغثيان، بينما هما في الحقيقة يصطنعانه، الأولى للاحتفاظ به، والثانية للاستيلاء على جيوبه، ولعل خيانتهما له كليهما مع إسماعيل حدوب، أثبت دليل على ذلك. ولعل ضعف شخصيته هي التي دفعت بأربعتهن أن ينفرن عنه، ذلك لأن كما يقول السارد:( كانت شخصية عبدالرحمن مصنوعة من الداخل لا من الخارج وهذا ما يدعم نظره وفكره الفلسفي أكثر مما يضعفه. هذا ما يجعله أكثر التصاقا بنفسه أكثر من الآخر).
إن ما أدى به الى الاخفاقات التي تعرض اليها في حياته العاطفية، ليس في ضعف شخصيته فقط، وإنما بالإضافة الى ذلك في التناقض القائم بين الفلسفة التي يتبناها، وانحسار جل حياته بالجنس، بلغ هذا الانحسار حدا، جعله، أن الكلام الذي لا يؤدي الى الجنس، يشعره بالخواء. ما يعني أنه لا يكرس اهتمامه بالفكر الذي يؤمن به، بقدر إيلاء هذا الاهتمام بالجنس.
في روايته (تل المطران) يتبع السارد على امتدادها، اسلوبا شبيها بأسلوب العزف على السمفونيات العالمية المعروف بتقنية الاستهلال والتذييل، القائم على نغمتي القرار والجواب، أو عدة قرارات تنتهي بما تسمى بالحركة، وقد تتعدد الحركات، وفقا لمديات السمفونية. وهنا وفقا لتوظيف هذا الأسلوب في العمل الفني أو النص . ساعيا السارد في هذه الرواية إتباع النهج نفسه، بيد أنه لم يطبقه الا في مكان واحد فقط، أو مكانين على ما أظن.
مثل استهلالات تل المطران التي غالبا ما تبدأ في صعوبة فكاكها من محنتها، أو بوتيرة تصاعدية، وتنتهي كذلك بالوتيرة نفسها، عبر ثلاث حركات، وعلى نهاية مفتوحة، كذلك فقد شرعت هذه الرواية بمحنة يصعب حلها، لأن الحب الذي يكنه عبدالرحمن لنادلة فلورا، إنما هو حب من طرف واحد. تبدأ هذه المحنة وهي في ذروتها القصوى من لحظة شعوره بالضعف، ما يجعله جالسا امامها:( على مقعد مريح . . . يلوذ بصمت أصم، صمت لمن ينظر اليه صمتا مفكرا في حياة متوحشة، في حياة مقامر، الا أنه من الداخل لم يكن سوى صمت فراغ، تشكله صور متناثرة، صور جنسية طليقة. . . ).
إذا كان القرار الأول يبدأ من لحظة شعوره بالضعف، فإن القرار الثاني يمر، من إجابته على سؤال نادلة فلورا:(بماذا تفكر؟) ليرد عليها بشكل ساذج، قائلا:( أفكر بما قاله سارتر عن المرأة، يقول انها لا تستطيع أن تستغني عن الرجل). لتضحك وهي تقول له:(وهل أنت بحاجة الى رأس سارتر لتعرف هذا الأمر؟). أما القرار الثالث، يتمثل باتخاذه قرار الوصول اليها بواسطة صديقها الجزائري (سي معمر) الوجودي مثله. والرابع بالنقاش معه في بعض الأمور الوجودية في الجزائر، ويأتيه الرد من سي معمر ساخرا :(ليذهب الى سارتر ويناقشه)، والخامسة بالتحاق نادلة فلورا بصديقها سي معمر في الجزائر، بعد استشهاد شقيقه.
ما عدا العنوانين اللذين يأتيان في بداية ونهاية الرواية، الأول تحت عنوان( رحلة البحث) والثاني تحت عنوان(رحلة الفيلسوف)، فقد أرتأى المؤلف أن يجزأ روايته على نظام الترقيم، موزعا إياها على ثلاث وتسعين رقما. لتأخذ هذه الأجزاء مائة وخمس وثمانين صفحة من عدد صفحات الرواية الكلي مائتين وتسع وثلاثين. بنصيب خمسا وثلاثين صفحة للعنوان الأول، وثماني عشرة صفحة للعنوان الثاني.
كما أنه في الوقت الذي يستخدم فيه في هذين العنوانين ضمير المتكلم(أنا)، يستخدم في الأرقام المجزأة ضمير الغائب (هو). فضلا عن عدم وقوع أحداث الرواية بشكل ترتيبي ومتسلسل، وإنما بتأخيرها وتقديمها، وفق الأساليب المعروفة في الرواية الحديثة الميتا-سردي-
إن أجمل مشاهد الرواية، هو مشهد عري إسماعيل حدوب وجرمين فوق سطح منزل عبدالرحمن بعد منتصف الليل، ومئذنة سراج الدين تنتصب قبالتهما، وهما يتوقعان مراقبتهما من قبل شيخ الجامع. وتطلب منه أن يجلب لها التفاح من باحة الجامع، ليلبي طلبها، وهناك يقبض عليه وهو يضع التفاح في سرواله. والطريف أنه يخبره بمراقبته لهما، لذا فقد أخرا عليه الآذان، والأكثر طرافة يسأله إسماعيل:( هل كنت تتفرج على فليم خلاعي يا شيخ؟). لتمد يداه وتنزع سرواله، ويربطه على الشجرة، وينادي الناس للفرجة عليه: (كل هذا يحدث، وجرمين تنظر بعذاب من السطح ، كانت عارية الا من شراشف تلف به جسدها).
وبعد هذا الحادث بأسبوع يموت عبدالرحمن، في واحدة من هاتين الوسيلتين، إما انتحارا، أو قتلا. وهذا ما كان ينوي حنا يوسف بلوغه، ظنا منه بأنه قد قتل على يد إسماعيل حدوب، ولتصبح نهاية الرواية مفتوحة أمام المروي له، في الحل الذي يجده لها.
تحيط الرواية بالسخرية في طابعها العام، ولكن هذه السخرية لا تحقق مبتغاها، أو هكذا تبدو، أي لا تبلغ ذروتها الا في النهاية، تحديدا عندما يبلغ اسماعيل حدوب السارد، أثر تسلمه سيرة حياة عبدالرحمن، بأن لديه مشروع الكتابة عن حياة البنيوي ميشيل فوكو، لأن لم يعد سارتر مفيدا للثقافة العربية، وأن البنيوية هي التي ستحل مشاكلنا. وكما وعده في المشروع الأول بدفع مبلغا كبيرا من المال له لقاء كتابته لسيرة حياة عبدالرحمن، ولم يدفع له مليما، كذلك وعده في هذا المشروع بالشيء نفسه. ولكي ينقذ السارد بجلده من المأزق الذي وقع فيه، وهو تأليف كتاب يدين فيه الحضارة الاسلامية، لأنها لم تهمش الجنون، وعلى غرار ما كتب فوكو عن تأريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، فاضحا الثقافة الغربية:( نهض ورقص معهم . . الى أن سقط المجنونان كلاهما على الأرض، وأطلقت ساقي الى الريح).
تحقق هذه السخرية مبتغاها من المثقفين العراقيين خاصة والعرب عامة، قبل نهاية الرواية بأسطر قليلة، في تشبيه أسماعيل بجمال الدين الأفغاني:( وهو يرتدي عمامة بيضاء ومسك بيده مسبحة، وكانت نونو وراءه بالحجاب الأسود الذي غطى وجهها ويديها.). في إشارة واضحة الى التناقض القائم بين فكر المثقف، وبين عدم قراءته لواقع مجتمعه المتخلف بشكل موضوعي.
ملاحظة:
نشر علي بدر روايته بابا سارتر في نسختها الثانية عام 2006. بينما نشر روايته أساتذة الوهم في نسختها الاولى عام 2009، وهو بإنجاز المشروع الثاني، فقد كان صادقا به في إدانة البنيوية من خلال رواية ( أساتذة الوهم)، عندما أطلقه على لسان إسماعيل حدوب، ولعل مصداقيته هذه كانت إشارة أخرى الى أن رواية أساتذة الوهم هي الجزء المتمم لرواية بابا سارتر، أو الجزء الثاني لها.

 

شاهد أيضاً

د. علاء العبادي: قراءة في “برق الأضحى” للشاعر و الناقد مقداد مسعود

يكاد البرق في انثيالاتِ ذاكرتنا الجمعية يرتبطُ بالخير و السعادة على الرغم من وهلة الخشية …

الشعرية والمتعلقات الذاتية في نصوص الشاعرة التونسية سهام محمد
الإهداء إلى شهداء انتفاضة التحرير المجيدة
كتابة: علاء حمد – العراق

إشارة : أمام هذا النشاط الثر والمُثقل بالأطروحات الجديدة للناقد العراقي المبدع “علاء حمد” لابُدّ …

شوقي كريم حسن: عمر السراي.. فتوة الشعر.

*في ظل الفوضى التي اطاحت بالشعر، وجعلته يرفل في دروب الضياع، والتراجع، والاوهام التي ابعدته …

تعليق واحد

  1. محمود سعيد

    اعجبني تلخيصك، وطريقة نقدك
    شكرا جزيلا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *