عباس حويجي: سعدية السماوي من الشعر إلى السرد
حضن الطفولة ، والعودة إلى الجذور

شعر وسرد
بعد أن أصدرت مجموعة مسرحيات وثلاث مجاميع شعرية احتكمت فيها لمصادر تراثنا الشعبي المحلي مستخلصة منه خواتم الأمثال ومسارد الحكايات ، في نزوع واضح لفهم البيئة الاجتماعية وترصين ثقافتها ، بعد أن هزّتها شراسة الحروب ومعاول الإهمال . عادت الشاعرة والكاتبة سعدية السماوي هذه المرة لحضن طفولتها ، البيئة الخام لكل أديب وخزين ثقافته الأولى والتجارب البكر في الصدام مع الآخرين ومع الحياة ، وهي لم تجد في ذلك مشقّة أو عناء إن كان في الاستذكار أو التدوين ،لآن الكاتبة تعيش طفولتها في كل وقت من دون برامج استحضار، تعيشها بكل تفاصيلها الصغيرة ، لأنها ولدت ونشأت في المحلّة ذاتها التي تسكن فيها ، وهي محلّة شعبية عريقة سكانها خليط من الشيعة والسنّة واليهود(قبل ترحيلهم) وقليل من المسيحيين ، فكان لهذا التنوّع الديني
(1)
والأثني اتسّاع في العلاقات الإنسانية وتشعّب في الفولكلور وتنافذ في العادات الاجتماعية، وهي المحلّة الوحيدة في مدينة السماوة تحمل هذا الميسم .
المحلة الشعبية كمسرح
اختارت الكاتبة أسلوب القصة القصيرة جدا لتقبض في لحظة خاطفة على الجوهرة التي تختفي في رمال السرد ومخاضات الحكي ، وتبتعد عن السرد الأفقي الذي يستهلك الكثير من الوصف الإنشائي ومداخلات الأحداث والوقائع المطوّلة ، فالمحلّة الشعبية التي اختيرت كمسرح افتراضي للقصص تتحرك فيها حيوات كثر في تشكيل متداخل للصراعات والخرافات والمرموزات والنهايات . لكن الكاتبة ابتدأت من نقطة بعينها في بنْية السرد، وهي النقطة التي تقتنص فيها ذكريات الطفولة وتسير بها نحو خلاصة مبكرة إلى ما يشبه فكرة لمثل أو محاكاة لأسلوب حكمة ، ومتى ما وصلت إليها تقفل القصة على نهايتها ، لذا فنهايات القصص هي خلاصات أفكار ورؤى تصبّ غالبا في قالب لغوي متين وبلاغة أيجاز مدعومة بإشارات ذكية .
(نمت وأنا أغطّي وجهي بكفي وأحلم بعالم لا يكذب فيه

(2)

الكبار)القصة الأولى .
(حشٍر مع الناس عيد)القصة الرابعة .
(إن كانت المرأة بقرة فمن هو زوجها)القصة الخامسة .
(زرعت قطعة حلوى فأثمرت أضعاف ثمنها) القصة السادسة.
(جمعتنا الأحرف يا أبي وفرقتنا طرق الحياة) القصة الحادية عشرة. (يموت خروف ليحمل ميتا) القصة العاشرة .
زمنان وتجربتان
كل قصة من هذه القصص تناور في زمنين وتتمنطق تجربتين ،زمن الحدث في طفولة الكاتبة،وزمن الكتابة وهي امرأة ناضجة تحاول مدّ يد الوفاء لطفولتها ، وإحياء وعيها الأول بالحياة . أما التجربتان فالأولى تجربة الطفولة في نطاق تمردها البريء على معادلات الكبار ومنطقهم الذي يخرم البراءة باسم التربية ،والثانية حين تنظر الكاتبة لطفولتها بمنظور الكبار حيث تنحني للمحظورات وتتأقلم مع الموانع والحدود التي رتّبتها البيئة الاجتماعية. فلم نلحظ في مجموع
(3)
القصص ذلك العالم السري والصراع الصامت للمرأة في
مجتمع لا يرى لها مكانا إلاّ في ظل الرجل أو وليّ الأمر.
فمن مجموع القصص ألاثنتي عشرة تحدثت في ست منها عن نساء والنصف الآخر عن رجال ، فلم نجد للمرأة ميزة وثقلا بتشخيص حكاياتها وتحميلها لتجاربها البكر.
ومن هذا يلمس القارئ إن الكاتبة تستمد من طفولتها منطق التمرد ومكامن العزيمة لتقابل به تفكك الحاضر وهبوط البصيرة
العودة للجذور
إنَّ الكاتبة وهي تسعى لمسك زمام التراكم الاجتماعي لثقافة المحلّة الشعبية الذي تراخت الكثير من عراه وتصدّعت العديد من روابطه ، وتضعضعت ركائزه الأخلاقية بفعل الحروب المتتالية والهجرة والتهجير والعنف السياسي والطائفي والحصار والاحتلال والفساد وصراع الإيديولوجيات المتناحرة
فالركون للطفولة هو رجوع للجذور التي لم يصلها العفن بعد، للبحث عن صحّة الانتماء ونقاء الهوية ، وتتبّع ذلك الصوت القديم المتدفق بالثراء .
(4)
من هذا كان البناء اللغوي للجملة بناء سلسا منسابا كماء ساقية لم تحتاج الكاتبة إلى استدعاء مخيال المثقف أو بلاغة السارد ،
أو اللعب على الأساليب الفنية لإثارة الدهشة ، ذلك لان القصص نبتت في مكان وزمان لم تفخره نار الحضارة بعد ولم يكتوي بأزمتها الكونية ، زمان شبه أمّي شبه ريفي ، يعيش مكتفيا بنفسه ومقيّدا بماضيه المضطرب وحياته المعيشية القلقة ومشاغله البسيطة .
فقط في قصتين (السابعة والثامنة) خرج قطار القصص عن سكته الطبيعية التي تلائم منطق السير، فلعب إغراء البلاغة لعبته المتكلفة ،فكانت نهاية القصتين غريبة عن نسيجها اللغوي ومتعالية على سياق السرد .
وإذا واصلت الكاتبة والشاعرة سعدية السماوي الغوص بشكل أعمق في بحر طفولتها وهو بحر غزير الرحاب ، فستفاجئنا بقصص أكثر دهشة وحكما أكمل سبكا وتجارب أثرى انفتاحا، والكاتبة قادرة على خلق المفاجآت .
عباس حويجي
حزيران ـ 2020

شاهد أيضاً

ثلاثة جياد بين الروائي أري دي لوكا والقاص محمود عبد الوهاب والشاعر بلند الحيدري
مقداد مسعود

إلى .. أخي وصديقي ولدي الغالي مسعود 1- 2 حين اشتريت نسخة ً من رواية …

من أقوال الروائية “إيزابيل أللندي”

# الأم والوطن لا يمكن المزاح فيهما: إنهما مقدسان # حيث توجد النساء، توجد الحضارة …

شكيب كاظم: ناقدٌ ومحللٌ ادبى كفأ
عبد الهادى الزعر

كم أكن سعيدا حين أقرأ شيئا لشكيب كاظم – – ثقافة موسوعية مزادنة بالغنى والعمق …

2 تعليقان

  1. سعدية السماوي

    مساء الخير .. المقالة رائعة للاستاذ عباس حويجي ولكن مع الأسف للصورة للفنان سامي مشاري ..
    شكرا لكم .. جهودكم رائعة .. دمتم رسل للكلمة الحرة ..

  2. شكرا جزيلا.
    تم تغيير الصورة مع التقدير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *