مرتضى محمد: “اعراس حديقة زينب*” ! زفرات (الْيِشِن) عشبة فوق الاسفلت

*استهلال*

تفكيك خلجات النص، واستدعاء الرمزيات التي باحها خيال الشاعر ليبتدع بها وفيها مفاوز شتى، تحيلُ القارئ/الكاتب الى ان يتسلح -على الاقل- بالمجايلة؛ لفك طلاسم هذا البوح. لذا سأبتعد قدر الامكان من هذا المكان الموغل بالموج العالي من التجربة، وسياقها الباقي في وجدانه الشعري، لأحاول التقرب قدر الامكان من هاجس خفي قادني لأتشبع مرارا ً بالقراءة للثنايا التي تكلمت بلغة وصلت بسرعة الى مخيلتي (البسيطة) وجعلتني اتقرب ولو قليلاً لأبللَ توقا ً ما ، يريد ان يقترب الى الجرف القابع فوق نهر الابداع القصصي في النص.
*****
في المكانات التي تكتظ بقصص شتى ؛ تكون طردية البوح مرافقا ً بديهيا ً لاستنطاق الجمادات، والمشي فوق الماء من أجل الذهاب الى تلك الروحية التي تشبعت مرارا ً بالطين المتكون في كفوف ترمى الماء وقت السفر، خلف الاقدام السائرة نحو وجهة (النجم اذا هوى). حتى اذا اقترب من وجهته، صاغ تلك الحُلي المبعثرة من ذاك التساقط النجمي الذي تستجمعهُ حجر الامكنة، فارضة ً قلادة ً خاصةً تتزين بالهم المباح على شكل موسيقى مكانية تهب للزمان امتداداته بإيجاب الدائرية في بعض احايينها:
ايها العُشّاق،
ها هُوَ سَقّاءَ الْيِشِن،
يقوم من بين مقبرة الاطفال في أُم الهند،
الشمسُ في يُمناه، والقمرُ في قبضة كفّه اليسرى،
عائداً الى حانتهِ الأُولى!
في عبارة اقتبسها – بتصرف- من أحد المصادر التي اوردها الدكتور فالح مهدي في أحد كتبه ، ما نصها: ” قام الشاعر أوفيد بإعادة فكرة هيزيود، تلك التي تتكلم عن … بناء مجتمع مسالم يعيش برفاه حيث لا سلاح ولا هموم عيش، وليس هناك من موسم سوى الربيع” نجد ان هالات التوق أيضا ً ترزح فوق، وتحت، وعلى جانبي الأماكن التي تختلط فيها اللكنة ُ ، لتستدعي ذاك (النوتيُّ) الذي يعطيها جوازات المرور لاحاديث القلب، وتجليات التأريخ المثقل باستفهامات شتى، وعباراتٍ أُخر. تستدعي كل القلق الكامن في النصوص، والشخوص التي تعلن الانتماءات الى الفكرة التي تستجلي صدأ المواسم لتخترع موسماً ،يوازي الربيع، موسما ً خاليا من اتربة المعنى القديم، وحجج النصوص المؤولة. فقط تستدعي ذاتها الذائبة في ذاتها لتتزاحم أمام المفردة المتكورةِ داخل الاسماء، من خلال ايراد خوالج النص/الشاعر، الذي له حصرية صياغتها دلاليا ً ونغميا ً (حِسَن، يا حِسَن !!) لتقفز تلك الدلالة مبيحة ً قراءات أخرى لتلك المصادفة المتوالية التي تستدعي ما تقوله البداهة لحظة الخوف على متعلق ما ، يرد تلك الحديقة المعنونة باسم يربطه المخيال الشعبي بحزنه الخاص محاولا ً اضفاء الشرعية المتولدة لذلك الحزن، من تلك التسمية . هنا لنا ان نجمع تلك المعطيات للخروج بصيغ نألفها من زمن ما. زمن خط فيه التراث/الواقع/الحياة/الدلالة/الناس ” نظاما ً لا يحيدون عنه، وهم في تمسكهم بهذا النظام أقوى من ميلنا الى التغيير”1 هنا يتأتى للحوادث صفة الابتلاع تلك الصفة التي تبتدع صيغا ً أخرى من مفاداتها، ابتلاع الحوت !! ذلك الذي أُطلق عند شاطئ ما، كل ما هو آت، يختصر الحكايات الى النصف، ليكوّن بالنصف الآخر تلك الدائرية حول ماهية الافكار وهاجس نشأتها.
البداية التي استعارت صيغ النشأة والإمكان من الواقع، والمناطق، ليُشمل َ التعريف داخل الفكرة ِالتي تتخذ من البداية تساؤلها ” ما البداية؟ كيف نتعرف عليها، ونحددها؟ أتجيءُ، عفوا ً، ومن عدم، أم انها على العكس، استئناف وتركيب لعناصر موجودة سابقا ً؟ وما قيمة البداية في حد ذاتها”2. ربما كانت الرموز والاستدعاءات للتسميات، والاماكن، تعطي صورية ً تُغلفُ تلك المسميات/الاماكن، وتبيحُ موسيقى الناي الذي نفخت فيه (زينب/الماجدية) من (سمارها) و (زُوّادتها) ذاك البوح المرَمزُ بالذكرى :
رَقيم الكرخاء
قيامتي طفولتي، الكحلاءُ والاهوار .
انا سمراء ميسان، هوسات الماجدية، جنين القصب،
ومنبع انين الصّحين،
ولدت وبين اصابعي، ازهرت صولجانات الكرخاء ونينوى،
ومظاهرات الطلاب .
أنا سمراء ميسان،
لي بيت في الميزرة، وعَمٌّ في معسكر الرشيد.
حِسَن،
يا حِسَن !
من سلمك إلى فالانج الحرس القومي ؟
هذه قيامتي،
العاصمةُ، الشاكريَّةُ، واطمارُ الفقراء .
انا سمراءُ الماجديَّة،
وحدي خضت حروبكم،
وليس معي الاّ زُوّادَتي،
ونايِيَ القصبيّ .
ان التقديم للقراءة التي تصوغ جانب التشويق القصصي، والذي يرتبط بالأسطورة، من أجل ان يُمسرح الدلائل التي تنشأ من تمازج الحالة النفسية، وخلجاتها الباحثة عن كل ما يتأتى لها؛ لإخراج زفرات خاصة تحمل أمكانية محاكاة التعاريف الاجرائيةِ، واعطاءها منظورا ً تعريفيا ً آخر، فارضا ً معطيات مسرحه، التي تكشف لنا تصورات واعية تجاه الاشياء وصورتها، ورمزيتها؛ خصوصا ً عندما ” تكون هذه العملية بذاتها بطبيعتها مصدر لذة، حينئذٍ تنشأ لدينا لذة متصلة أتصالاً مباشرا ً بالشيء اذ لا يمكن فصلها عن طبيعة الشيء وتركيبه”3.
هل هو الدوران الأبدي للروح المتعبة بطرق الأبواب التي تخفي وراءها حكم الحِسَان، أم ان هناك بعدا ً آخر يُطلقه التذوق للجمال شريطة َ أن تكون الروح في تماهي حسي، وقلبي لتصوغ المقاربة التي تسلط الضوء على نظرية الاستفهامات التي تترنح فيها الروح بنغمات ٍ يبعثها المطلق، والنسبي. يا أيتها الربة ُ التي تهب ُ من كل زوجين أثنين، كؤوسا ً ثلاث: أحدها يُذهب العقل تجاه القلب، والثاني يذهبه ُ للاغتسال من درن الخلود المادي، أما الأخيرُ يعيد فيه النظر حول الجدوى من زيارة ذلك الجد المثقل بتكليف الأرباب، وثبوتيتهِ في النواميس القديمة كرسول يعطي الماء للنبت، وللموت. أخبريني أهي نظرتك ِ؟! ؛ لتخبره نظرتها: أن فيها يستشعرُ ألم الجسد! جرّاء (المشي) ذهابا ً، وذهابا ً الى الخلوة ِ التي تستشفُ ضوءاً ما، وخبر ما، لا تراه العيون المثقلة ِ، والمتعبة ِ بالواجب الذي تأمّهُ المادة، وضبابية المعاني. لتصرخ به ” دع جسدك يتحولُ ببطءٍ ليصبح رؤيا… رؤيا… رؤيا”4. لتكون تلك الصرخة ُ، حديثا ً يترك تصحيحا ً داخل الوجدان والعقل، يوضع فيه هاجس الشك في مسائل التحول الى الــ (انا) و الــ (هو) التي عالجها ذاك (الشيخُ) الباحث عن حانة ٍ تعيد صدى وقع الاقدام التي (تمشي) باحثة ٍ عن الاستئناس في ( وحشة الطريق) :
كان الشيخ المّمروض، يطَّوَّف في سكيك عرصة أُمّ الهند ومغانيها،
ولمّا انقطع به الدرب ولم يصل الى غايته، قعد عند ناصية طريق لعلّه يلتقط أنفاسه، وفي تلك الآونة مرت به غادة حسناء .
” هل لك حاجةٌ أقضيها يا شيخ ؟ ” .
ــ ” يا ربّة الحُسن والدلال، أُريد الوصول الى حانة أهلي “.
ــ “ستصل”. قالت مؤكّدة، ثم سالته :
ــ ” وغيره يا عمَّ ؟ “.
ــ ” الطريق موحشٌ، الزاد قليلٌ، والمسافةُ بعيدة “.

ــ “من أنت، ايتها الغادة العَيطاء ؟ “.
ــ ” أنا سيدوري، ساقيةُ حانة الغرباء “، ثم أطلقت صوتها منشدةً :
” يا شيخَ المشّائين،
أيها الباحث عن روحك في وَجْهِ هُوْ،
ها قد وصلتَ الى مرامك .
افرح ليلكَ ونهاركَ،
اجعل من كل يوم عيداً،
وارقص لاهيا في الليل وفي النهار،
أيها الفتى الميساني ..
لا تقابل السلطان، لا تقبل هداياه،
ولا تحضر مجلسه،
فإن في ذلك خراب نفسك، وفي خراب نفسك،
خرابُ العالم
حدثنا الهاجس، عن هالات التوقع، عن المتواترات المشبعة بالتأريخ والناس، عن تجميع الصياغات الصورية، عن الذات/ذاته، عن حالات العيش، عن جدوى الصراخات بالقرب من المياه والارصفة؛ ان الراوي كان يعرف الصياغات التي تأله فيها الخبر خلف ضبابيات عدم السؤال، وعدم الشك لينتقل هو/ ذاته/الراوي/المحكي الى تجميع اطارات شتى يؤطر بها خلجات النص الضاج بالقصص والذكرى، علّهُ يقول للقلم ان كن، فيكون نسرا ً يطاردُ الافعى التي (تسعى) كثيرا ً بمد ألسنة الشم وابتلاع الصياغات الباحثة عن جدوى الانسان، الذي لما يزال ممدا ً على أرصفة الشكوى، والانتظار، والاحباط:
قالت فاطمة بنت مطر، حدثنا مُحمّد المَهديّ، قال : كتب رفيقنا جمعة اللامي، في احدى صحائف كشكوله، قبل ان ينتقل الى الغرفة الأخرى، هذا النص :
” عند الرابعة فجرا اليوم، وكما حدث قبل عقود، التقينا انا وصديقتي المُتشردة العجوز .
“اهلا بسيّدتي شيفا “.
لم تردّ علي تحيتي كما تعودت في الأيام الماضيات، وكان الوقت عصراً.
ــ ” شيفا، ماذا حدث؟”.
كانت تبدو غبراء، شعثاء، ضامرة، تَجرّ خلفها اربعة جراء عمياء .
ــ ” شيفا، أُقسم عليك بالعَصْرِ والإنسان، مَن خذلك؟”.

“شيفا، يا ربّة الجمال، إلى اين تقودنا هذه الطُرق؟”.

. وكنت استيقظت على كابوس : رأيت الأفعى التي قتلت حكمة الشامي، ما تزال تطاردني في احلامي، وسمعتها تفحّ : اين تختفي مني، انا اقتفي خطاكَ، شارعاً بعد شارع، ومدينة بعد اخرى، ومن مسجد الى كنيسةٍ، نحو كنيسٍ، الى مواقد النار البيضاء، الى آخر المذابح.
أن يكون القلم محدثنا عن قيامات شتى، تحبطها المشقّات ، والتوق الى النظر في عيون (زينب) ،لنرى المرج، وأحاديث العصرِ، وكيف ان الانسان في خسرٍ اذا لم يعرف لغة العيون التي تجتمع فيها كل الازمنة ، ووجدان الاماكن:
ــ ” ايتها الأفعى، المتلونة مع كل وقت، يا قاتلة أحبابي، انا مُستعدٌّ للمُصاولة”.
وضعت عصابتي الحمراء حول جبيني، واندفعت نحو بيتي وانا اعيط وحيدا تحت سماء فجر صافن: ” ايتها الأفاعي، ابتعدن عن خان الماجدية”.
قالت مريم بنت مطر، قال محمد المهدي: “بعد أن قرأت نصّ رفيقنا جمعة اللامي، ابرقت الى سمراء ميسان، زينب: “مجنونك الأخير، قام من بين الأموات”.
ألا تعرف ان الساعي خلف صور الوقت التي تقبع في عزلة الجد الاول، خلف غابات الغار، والأرز؛ انك في طريق السعي المحمل بأثقال الحب، والشطحات الاولى التي راعت افئدة التجلي. ان الطرق كلها عبدت بالأسفلت الحارق للأقدام التي تخلع النعل مراراً لأنها في حضرة طريق (السيسيبان) . أنك الان تستجلي الزفرات التي فيها، وبها تهب لبقايا الاسفلت، ماؤه الاول، الذي فيه مصلٌ لاخضرار العشبة، والبقاء، والانسان.
….
وحَدْي،
حيثُ لا أحدَ سواي، في أكواني وأزماني،
أُصاحبُ عُزلتي لأنساها وتنساني .
فتعالَ اليّ، يا خَمْرتي ومائي،
نذوبُ في الكأْسِ !
كأْسِي الأرضُ، وخَمْريَ الماءُ،
وها أنا، حيثُ لا أَحَدَ قبلي، ولا أحدَ بعدي،
يا عَرْشي ومائي،
أحْلُمُ بِكِ،
وأمزجُ الخمرَ بالماءِ .
كُلُّها،

أيها السّاقي !
عينا حَبيبتي كأسان من خَمرتي
عينا حبيبتي،
كلماتي وأسمائي، أورادي وأحزابي
بين يقظتي ولا نومي،
أنا الذي لا تأخذني سِنَةٌ،
ولا نَوْمْ.
حين تفرستُ في مرآة بِركتي، رايتُ هُوْ،
بنظرُ الى وجهه في وجهي،
ولم يكن سوانا،
على سطح بركتنا

*********************************************************
الهوامش:
نص قصيدة تحمل نفس العنوان، للأستاذ الكبير جمعة اللامي. نشرت في العدد (166) في (5/6/2020) من جريدة طريق الشعب.
المصادر:
1. فريدريش فون ديرلاين (2016)، الحكاية الخرافية نشأتها. مناهج دراستها. فنيتها، ترجمة د. نبيلة ابراهيم، دار رؤية.
2. أدونيس (2018)، موسيقى الحوت الازرق (الهوية، الكتابة، العنف)، دار تكوين.
3. أمجد زهير عبد الحسن (2012)، الاسطورة في المسرح نماذج من عروض المسرح المعاصر، من اصدارات بغداد عاصمة الثقافة العربية2013، ط 1.
4. جلال الدين الرومي (2013)، مختارات من قصائد جلال الدين الرومي (ترجمة تحسين عبد الجبار اسماعيل).دبي: دار صدى.

شاهد أيضاً

د. علاء العبادي: قراءة في “برق الأضحى” للشاعر و الناقد مقداد مسعود

يكاد البرق في انثيالاتِ ذاكرتنا الجمعية يرتبطُ بالخير و السعادة على الرغم من وهلة الخشية …

الشعرية والمتعلقات الذاتية في نصوص الشاعرة التونسية سهام محمد
الإهداء إلى شهداء انتفاضة التحرير المجيدة
كتابة: علاء حمد – العراق

إشارة : أمام هذا النشاط الثر والمُثقل بالأطروحات الجديدة للناقد العراقي المبدع “علاء حمد” لابُدّ …

شوقي كريم حسن: عمر السراي.. فتوة الشعر.

*في ظل الفوضى التي اطاحت بالشعر، وجعلته يرفل في دروب الضياع، والتراجع، والاوهام التي ابعدته …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *