الرومانسية بين الجمالي والتحريضي في نصّ الشاعرة السورية لمى بدور
كتابة : غادة سعيد – سورية

كيف تُسرد حكاية في قصيدة؟

كيف يجمع الشاعر بين التحريضي والجمالي ولا يتوه؟ كيف يكتب الشاعر مايرى ولا يترك قارئه في الضباب؟وكيف يؤالف بين لغة خالقه تصالح بين الموت وصوت الحياة… ولغة مخلوقة “تنسف معنى الصمود”؟

لتكثّف هذه الأسئلة في قضيتين،الأولى:

تتكشف موهبة الشاعرة “لمى بدور” العالية في كتابة قصيدة “تحريضية”، يستقبلها القارئ بلا مشقة، ولا تخسر من فنيّتها شيئاً. وهذا ما وضع في القصيدة التحريضية شكلين من اللغة: لغة إيصال بسيطة، تخبر الشاعرة فيها قرائها بأن “الوطن لا يموت، طالما يوجد الحبيب والشريك” وأن فعل الخراب قد يكون من عمل نفس الشريك بقصد أو دون قصد وقد استعانت بيت شعري لأبي فراس الحمداني وحورته على مقاسها، وبلغة أخرى كادت تبدو منفصلة عن الأولى، لا تصور خارجاً ولا داخلاً، إنما هي خلق يبني فضاء موحياً أوسع من الداخل والخارج معاً.

أما ثانيا: فقد سعت “لمى” إلى المصالحة بين الجمالي والتحريضي، في مرحلته الرومانسية، هو الذي عمّق تجربته الشعرية ووسّع آفاقها وفتحها..

كلنا نعرف أن للشعر وظيفة معيّنة يقوم بها، تبدأ وتنتهي عند فعل المقاومة:

مقاومة الصمت أولاً وأخيراً.

والشعر لا يختصر بوظيفة واحدة ثابتة، فهو مشدود إلى مواضيع ثلاثية أثيرة: الحب والموت ومساءلة المجهول.

وثانيّاً الشعر هو شيء كوني، يتأمل فيه الشاعر أحواله وأحوال الإنسان في جميع الأمكنة والأزمنة.

بنت الشاعرة “لمى بدور”، ظاهرياً، قصيدتها الرومانسية على علاقتي “الأنا” و “الأنت”، التي تتيح للعاشقة المعذبة أن تسرد وجوه عشقها وأحوال الحبيب، وبنَتْها جوهرياً، على تلك “الأنا الخالقة” التي ترى الوطن في عذابها وتضمن له ولها التحرر من العذاب والشقاء.

يعبّر فعل “رأى”، في تواتره، عن حضور الوطن الكلي في كيان الشاعرة، وعن حضور الأخير الكلي في أرضه، لكنه يستدعي أولاً صورة: “الشاعرة الرائية”، إذ لا خلق بلا بصيرة نافذة، ولا بصيرة إلا بشاعرة تخلق الأشياء وتعيد خلقها من جديد، بعد رؤية متأنية ومتزنة لأمراض “الوطن.

( أرى الأرواحَ.. كيف تُباعُ بالترابْ

والأوبئة.. تتصدرُ طاولات المزاد )

ولهذا ركنت الشاعرة إلى فعل “رأى” في صيغة الحاضر، قبل أن تذهب إلى المستقبل مؤكدةً عودة الوطن الجميل إلى ما كان عليه، وتُشهدُ حبيبها الغائب بصيغة الاشتياق والحسرة:

( وأقول.. لو كنّا معاً

لَتعافى الوطن.. بلا استطبابْ ).

تضع الشاعرة تأكيداً ضمنياً وأقرب إلى البداهة، وضمان التعافي قائم في كلام الشاعرة الرائية،“وأقول..”، من ناحية، وبعده “لو كنّا معاً”، من ناحية ثانية. وهذا ما يدفعها إلى قَسَم مليء بالتحدي والكبرياء “لتعافى الوطن بلا استطباب”.

 

تتضمن قصيدة الشاعرة “لمى” تفاؤلاً مشوباً بالالتباس يردّ مثله في تقاليد “الشعر الملتزم” ويحيل، في وجهه العميق، إلى صورة الشاعرة/ النبية التي لازمتها في أطوار لاحقة، ثم ابتعدت. وإذا كان الوجه الأول قد جاء من شعراء ثوريين مثل لوركا ونيرودا وناظم حكمت، ومن ثقافة ماركسية تقاستمها معهم في بناء القصيدة الحديثة، فإن الوجه الثاني مرتبط بإيمانها العميق بقوة الشعر، والأنا الشاعرة، ورسالة الشاعر، وغير ذلك من عناصر التصوّر الرومانسي للعالم. وبسبب ذلك تسرد ما ترى، وما نعيش، وتنتهي إلى تفاؤل مطلوب بزيادة حرف “اللام” على كلّ جملة استشراقية أو لصورة سعادة مطلوبة، لتكشف عن “حكمة التاريخ” و“صراع النقائض”، الذي كان يدعوه الماركسيون ب “نفي النفي”. ومثال ذلك:

– ( لجعلنا الجنةَ سبيلاً

فقد جَهُدَ الثّواب )…

– ( لأنجبنا القدرَ الأجمل..

وتوقفَ الحظُّ عن الإضرابْ )

– ( لأحرقنا كل المسافات الفاجرة..

وأشعلنا فتيلَ الحبِّ بعودِ ثقابْ )

– ( لَكَتبنا قواعدَ الصرف

وقوّمنا الإعرابْ ).

– ( لَكَتبنا تاريخاً بنكهةِ النعناع

ورَويْنا ” الماضي الناقص” بالرِّضابْ )

– ( لَروّضنا الظلامَ..

وزرعنا حقولَ نورٍ… وتمخضنا الشموسَ قوافلاً وأسراب )..

وبما أنّ الشعر حرية، ودعوة إلى الحرية، استقت الشاعرة نظرة واقعية، في أطوار متعددة من مسار القصيدة باسنحضارها دائماً فعل “الحاضر” (رأى؛ أراقب؛ ألوّح؛ ألمح؛ أقرأ؛ أسرد) من “ضمان استمرارية التاريخ”، الذي يصيّر الجمرة ثورة، قبل أن ينزاح، في طور لاحق، إلى يقين “الضمان الشعري”، في شكله الرومانسي الأكثر اكتمالاً، الذي تعنيه الشاعر مبتدئةً للأشياء ومنتهى لها، تقول ما تقول، وتؤمن بأن العاطفة الصادقة التي تحايلت القول فصيّرته إلى حقيقة مع وقف التنفيذ، لأنّ حبيبها رحل. ورحل معه الوطن وكل مستقبلها. ولهذا تأخذ “الأنا الهائلة” مساحتها المنتظرة، طالما أن الشاعرة انتقلت من “تأسيس القصيدة الجديدة،” إلى تأسيس آخر أوسع مدى وأعمق دلالة هو: ”تأسيس الوجود”. يظهر هذا واضحاً:

( أقرأُ.. خيانات العناوين

وجرائمَ الصُّدف الجميلة

وملاحمَ الماضي المكتوبِ بالحِرابْ

وأقول.. لو كنّا معاً

لَكَتبنا تاريخاً بنكهةِ النعناع

وروينا ” الماضي الناقص” بالرِّضابْ )

في نص الشاعرة “لمى بدور” نصوص إبداعية سابقة ولاحقة في آن واحد، وواضحو في مقاطع النص، الذي يرى الكتابة فعلاً متوتّراً، يجمع بين “رعوية الشعر” و”ارستقراطية النثر.” وواقع الأمر أنّ الشاعرة مهوسة بالجمال، و”الجمال هو العلو” والعلو الجميل بحث لا ينتهي عن إمكانيات الشعر والنثر معاً.

يستطيع قارئ النص أن يعثر على الشعر في النص كّلّه، متكئاً على الإحالة المتبادلة بين المواضيع وصورها، إذ المواضيع صور، وإذ في الصور ما يحرّر الموضوع من حيّزه المقيّد ويرسله طليقاً.

ويستطيع القارئ أيضاً أن يعثر على النثر في النص كّلّه، ذلك أنّ “لمى”، التي لا تهجس بالمطلق، تفتح لغتها على الدنيوي البسيط وعلى الروحي الخبيء، متوسلةً تقشّفاً بليغاً، تحرّر من الصفات والنعوت وكل ما هو شفاف أحادي الدلالة.

غير أنّ تمييز الشعر من النثر، لا يغيّر من دلالة النص في شيء، بسبب الإحالة المتبادلة، العصيّة على التحديد، بين الشعر والنثر، شيء قريب من “الروعة” بالمعنى الفلسفي، والعناصر الخارجية التي تهيّئ لها، ذلك أنّ العناصر القابلة للتحديد لا تنفذ، لزوماً، إلى جوهر “الرائع” ولا تستنفذ معناه.

وكخلاصة

من يقين:

أن الشاعرة السورية الجميلة “لمى بدور” أبدعت حد الكمال في قصيدتها، واستحقت بالتالي لقب الشاعرة “التحريضية”

**

غادة سعيد

بورتو – البرتغال

09\7\2020

……………………..

 

نصّ الشاعرة لمى بدور :

أرى الأرواحَ.. كيف تُباعُ بالترابْ

والأوبئة.. تتصدرُ طاولات المزاد

وأقول.. لو كنّا معاً

لَتعافى الوطن.. بلا استطبابْ

 

أُراقبُ وحشيةَ الحياة

وعبء الموت.. وعورة السماء

وأقول.. لو كنّا معاً__ لجعلنا الجنةَ سبيلاً

فقد جَهُدَ الثّواب

 

أُلَوِّحُ للأحلامِ الهاربة

وأرصفُ بكلماتِ العزاءِ__دربَ الإيابْ

وأُ فكر.. لو كنّا معاً

لأنجبنا القدرَ الأجمل..

وتوقفَ الحظُّ عن الإضرابْ

 

ألمحُ برودَ العاشقين.. وزُكامَ اللهفة

وصقيعَ الشوق المدفون خلفَ الغيابْ

وأتخيلْ.. لو كنّا معاً

لأحرقنا كل المسافات الفاجرة.. وأشعلنا فتيلَ الحبِّ

بعودِ ثقابْ

 

أراقبُ كيف “يرفعونَ ” النعامةَ.. فوق السّحابْ

” ينصبون” الألقاب

باحترافٍ.. ” يجرّون”.. يتصيّدون.. الأصوات كالذُّباب

وأقول.. لو كنّا معاً

لَكَتبنا قواعدَ الصرف

و قوّمنا الإعرابْ.

 

أقرأُ.. خيانات العناوين

وجرائمَ الصُّدف الجميلة

وملاحمَ الماضي المكتوبِ بالحِرابْ

وأقول.. لو كنّا معاً

لَكَتبنا تاريخاً بنكهةِ النعناع

وروينا ” الماضي الناقص” بالرِّضابْ

 

أرى الطفولة الذابلة

وشباباً يذوي.. خلفَ السّراب

وأقول.. لو كنّا معاً حبيبي

لَروّضنا الظلامَ.. زرعنا حقولَ نورٍ… وتمخضنا الشموسَ

قوافلاً وأسراب..

 

أرقبُ هذياني بجدّ

أُذاكِرُ الخيبة.. وأرسبُ بتفوقٍ في مقررات الصمود

وما ضاقَ به الكتابْ

فكلماتي عمياءٌ..

والقوافي دربٌ من الضبابِ.. وإلى الضباب

 

فأسردَ دعاءَ الكتمانِ

وأهدهدُ / لأمنيةٍ/ غفّيتُها.. تحتَ الأهدابْ:

(( ألا ليت الذي بيننا وبين أرواحنا عامرٌ

إنّ الذي بيننا وبين حكوماتنا… خراب  ))

*

لمى بدور

حمص – سوريا

09\07\2020

شاهد أيضاً

د. علاء العبادي: قراءة في “برق الأضحى” للشاعر و الناقد مقداد مسعود

يكاد البرق في انثيالاتِ ذاكرتنا الجمعية يرتبطُ بالخير و السعادة على الرغم من وهلة الخشية …

الشعرية والمتعلقات الذاتية في نصوص الشاعرة التونسية سهام محمد
الإهداء إلى شهداء انتفاضة التحرير المجيدة
كتابة: علاء حمد – العراق

إشارة : أمام هذا النشاط الثر والمُثقل بالأطروحات الجديدة للناقد العراقي المبدع “علاء حمد” لابُدّ …

شوقي كريم حسن: عمر السراي.. فتوة الشعر.

*في ظل الفوضى التي اطاحت بالشعر، وجعلته يرفل في دروب الضياع، والتراجع، والاوهام التي ابعدته …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *