د. وليد العرفي: المُضمَر والمُعلن في قصيدة (تبحث عنّي فيها) للشَّاعر “عدنان الظَّاهر”

تبحث عنّي تشكيل ينمّ على قصيدة لوحة ، فإذا كان الشاعر المرحوم : نزار قباني عدَّ الشعر رسماً بالكلمات ؛ فإنَّ اللون من أهم عناصر البناء الفني للرسم ، وأمام قصيدة : ( تبحث عنّي فيها) ثمَّة لوحة يرسمها الشاعر مرّة بلون من ألوان الطيف السبعة ، ومرّات بألوان لا مرئية ،إنما هي ألوان مضمرة ، وسأُبين تلك التمازجات التي لجأ الشاعر: الظاهر إلى تقنية استخدامها ؛ ففي العنوان لجأ الشاعر إلى إضمار الذات والأخرى التي تبحث عنه بالضمير (الياء) في (عني ) العائدة على ذاته ، والهاء في حرف الجر فيها العائدة على المخاطبة ، وبهذا يبدو العنوان مفتاح الولوج إلى المُضمرات الأخرى في القصيدة .
يبدأ الشاعر لوحته بالزمن الماضي ، وهذا الفعل من حيث الدلالة يبعث على الخوف ، وحالة المباغتة ‘ أي إنه يُحيل على لون العتمة (الأسود ) ذلك أنَّ اللونَ الأسودَ ” أبو الألوان وسيّد ها، إذْ تمتدُّ رمزية مجاله فضاءً واسعاً بدلالته ، فهو : ” لون كل الأشياء المفزعة والأفكار السوداء والسنوات السوداء ” ؛ لأنَّه رمز لكل الشرور والمخاوف ، و هو فأل الحظ السيء ، فاللون الذي أُضمِر جاء متّسقاً هنا مع حمولات الفعل بدلالاته البعيدة يقول :
خَطفوني ..
بَحَثتْ عنّي رقْماً ما بين الأوراقِ الصُفْرِ
أَحرَقتْ الأخضرَ واليابسَ عَدّتْ أسطولا
ضاءتْ قنديلَ البحرِ سيوفا
مهْلاً مَهْلا ..
وهنا يبدو فعل التيه ،أو الضياع حدثاً حاملاً لوناً آخر من ألوان العتمة ، فالتيه لون من ألوان الحيرة ، ؛ لتكون عملية البحث معادلةً لماهية الشاعر ، وكينونته التي يصفها بأنها رقم من بين الأرقام ، وللرقم رمزيته هنا التي تُفيد عدم خصوصية ، واستقلالية للشخصية ؛ فحسب علماء الاجتماع الإنسان فرد ورقم ، لا يتخذ شخصيته وتفرده إلا بشعوره بتميزه من الآخرين ، وهو ما يبدو أنه غير مُنجز في نظر الباحثة عمَّن تبحث عنه ، وهو هنا يظهر باللون المُعلن والمُسمّى صراحةً ، لا إضماراً في التركيب الوصفي الأوراق الصفر ، وما تُحيل عليه من مرجعية قارّة في الذهن بأن الورق الأصفر يُشير إلى القدم والتاريخ السحيق ، وهو ما يُعبّر عنه الشاعر في قوله :
زمنٌ أعطبني منّي ما أبقى
مرَّ وخفّفَ من وزني
أبعدني عن سالفِ أجدادي شِبْراً شِبْرا
جرّدني من وَسْمِ الرَسمِ الباقي في عَظمي
أقعَدَني في دربٍ صدَّ ومدَّ وأخلفَ وعدا
ما ردَّ وأفرطَ في خَلْقِ الندِّ
بينما يبدو انمحاء اللون الأخضر بفعل الحرق إشارة إلى مضادّه الأصفر في التركيب العطفي
( الأخضر و اليابس) ففيما ينتمي اللون الأخضر إلى مجموعة : ” الألوان المحبوبة ذات الإيحاء والمُبهجة كاللون الأبيض ، إذْ يبدو أنه استمدَّ معانيه من ارتباطه بأشياء مُهمة في الطبيعة كالنبات ، وبعض الأحجار الكريمة كالزمرد والزبرجد ” كان يقتضي السياق ذكر مُضادّه اللون الأصفر، بيدَ أنَّ الشاعر لجأ إلى المقولة الشائعة في أسلوب تعبيري مُضمراً دلالة اللون باسم الفاعل : ( اليابس ) ليؤكّد الفاعلية في الذبول والمحو، ويُفيد الثبات بدلالته الاسمية .
يتبدّى هنا تحوّلات اللون بإشعاراتها المضمرة فثمة بُعد في الزمن يعني في حالته الاستتارية تغيير في البنية واللون والقوّة ، وهي تغييرات حاصلة بفعل مرور الزمن ، وآثاره الفاعلة في الإنسان ، وهذا الزمن هو ما جعل الشاعر مفرداً بعيداً عن صلات القربى التي جاءت بظهور لغوي دال على فنّ الرسم الذي جاء في التركيب الإضافي : ( وسم الرسم ) بما يكتنز به هذا التركيب من رمز دال وإيحاء مُعبّرين :
هذا تسجيلُ رقيمٍ مؤودِ :
أَفَلمْ تسهرْ أو تغلي
أغلي وأُغالي
أسهرُ لكني في حِلٍّ من أمري …
قاومتُ أشعّةَ نورِ خيوطِ الفجرِ
أخشاها .. أخشى أيامَ صِباها
ممشاها والشجرَ المُلتفَّ يُعانقُ شوقَ الأحداقِ
لو غلّقتْ الأبوابَ وعلَّقت الأجراسَ رؤوساً
صفّتْ حلقاتِ كؤوسِ الأُنسِ رفوفاً
السامرُ سورُ الأسرار
لتأتي الخاتمة بألوان صريحة : (أشعة ، الفجر) وأخرى مضمرة : (الشجر الملتفُّ) بدلالته على اللون القاتم .
تبدو الصور في نص شاعرنا :عدنان الظاهر صوراً منزاحة ، وهنا تكمن جمالية الأبعاد التي يتوسم الشاعر رسمها ، والآفاق التي يرودها ، ولنلاحظ كيف تبدّت اللغة بتوصيف اسم الإشارة ، ليفيد تحقّق الماهية ، ثمَّ أردف ذلك بتصغير رقم إمعاناً في ذلك التحوّل وإيضاح تأثيره وجاء موصوفاً بالموت أي حالة خفاء أضمرت حالة إظهار لهذا الرقيم ، وهنا تبدأ الأسئلة التي لا تتطلب إجابات ؛ لأنها جاءت اسئلة إقرار، لا اسئلة استفسار ، لتنهض وفق مستوى الحقيقة والواقع الذي يعلن اعترافه بلون الزوال الذي بدّل حالةً نفسيةً متمنّاة بحالة نفسية فرضت اشتراطاتها على الشاعر بحكم الزمن ، وتغيراته التي جاءت في اللون والحيوية على حدّ سواء ، ولذلك يأتي التمني لما هو غير ممكن بالحرف لو الذي كما جاء في المأثور يفتح عمل الشيطان أمام منظر باعث على تفجّر الطاقة والرغبة ، وحالة قوّة زمانية مانعة تحجم رغبة الشاعر عن القيام بالفعل .
وعلى ذلك فقد تجلّت جمالية توظيف اللون عنصراً من عناصر اشتغال الشاعر برسم لوحته التي مازج فيها بين الألوان البائنة والمضمرة ، لكنّها كانت ألواناً قابلة للتأويل ، وليست ألواناً مبهمة ، وهذا التأويل هو الباعث على جمالية العنوان الذي حقّق كذلك ثنائية المضمر والجلي من خلال جعله ذاته مختفية فيمن تبحث عنه .
د. وليد العرفي

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| زياد جيوسي : دوامة “منّ السَما”.

“منّ السَما” هي الرواية الثانية للكاتبة غصون رحال التي يتاح لي قراءتها بعد روايتها “في …

| احمد عواد الخزاعي : الاسطورة والدين والتراث .. في رواية (فقيه الطين) .

لغة سردية هجينة، غريبة على طبيعة السرد الروائي، تتأرجح بين الشعر والنثر، تنتج عن سارد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *