ا. د. قاسم حسين صالح: في مثل هذا اليوم غادرنا الوردي ليكون منسيا!
تعريف لشباب وثبة تشرين و آخرين (ملف/23)

الأستاذ الدكتور قاسم حسين صالح

إشارة :
احتفاءً ومراجعة ونقدا للأفكار الجريئة والريادية للمفكر العراقي الدكتور (علي الوردي) الذي وصفه (جاك بيرك) في كتابه (العرب: تاريخ ومستقبل): (الوردي كاتب يحلّق إلى العالمية بأسلوبه الذي يضرب على الأوتار الحساسة في المجتمع، مثل فولتير)، تبدأ أسرة موقع الناقد العراقي بنشر حلقات ملفها عنه. لقد سبق الوردي بأطروحاته الكثير من المفكرين العرب، وتناول موضوعات صارت تُطرح الآن كأنها معطيات حديثة، علما أنه طرح أغلبها في مرحلة الخمسينات، وقد تجاهل الباحثون العرب أطروحاته بعد أن غرفوا منها ولم يعودوا بحاجة إلى ذكره. وهذا كتاب الباحث المعروف (هشام شرابي) الأخير (نقد الثقافة الأكاديمية) يذكر فيه أسماء وجهود باحثين في علم الإجتماع في الوطن العربي- بعضهم مغمور لم نسمع به أبداً- من المحيط إلى الخليج عدا الدكتور (علي الوردي). تحية إلى روح المفكر الثائر علي الوردي.

كنت القيت محاضرة بساحة التحرير، وكان بين الواقفين شباب، ولما جرّني الحديث عن علي الوردي سألت احدهم عنه فأجاب(لا والله استاذ ما أعرفه).. وثالث ورابع ايضا.. ومخجل ان يطالب شباب باستعادة وطن ولا يعرف من خدم الوطن بعلمه.. بل ان كثيرين، بينهم مثقفون!، لم يعرفوا عن علي الوردي غير أسمه.

ولهم نقول ان الدكتور علي الوردي هو أبرز عالم اجتماع عراقي في القرن العشرين، وأول من درس طبيعة المجتمع العراقي وحلل الشخصية العراقية وحظي بشهرة

يستحقها. ولد عام 1913 بمدينة الكاظمية ولّقب بالوردي نسبة لجده الذي كان يمتهن حرفة تقطير ماء الورد.عمل في طفولته صانع عطّار بمحلة شعبية بالكاظمية، لكن العطار استغنى عنه لأن الصبي عليّا “يقره كتب ومجلات وعايف المشتريه”.

تخرّج في الدراسة الاعدادية وعمل لسنتين معلما باحدى مدارس الكاظمية.. سافر بعدها الى أمريكا ليحصل على شهادتي الماجستير والدكتوراه من جامعة تكساس عام 1950وعاد للعراق بالسنة نفسها وعيّن مدرّسا لعلم الاجتماع بكلية آداب جامعة بغداد، وظل فيها الى عام 1972حيث أحيل على التقاعد.

تأثر الوردي بمنهج ابن خلدون، وعن (مقدمته) كانت اطروحته للدكتوراه.. وتنبأ له علماء اجتماع اميركان بشأن عظيم ومنهم رئيس جامعة تكساس.. وقد صدقت نبؤتهم.فبعد عودته للوطن بسنة أصدر كتابه (شخصية الفرد العراقي1951) أتبعه في عقد الخمسينيات بمؤلفات أصيلة بينها:مهزلة العقل البشري، أسطورة الأدب الرفيع، الأحلام بين العقيدة والواقع، وكتابه الذي أزعج السلطات الحاكمة(وعّاظ السلاطين) واثار عليه حفيظة رجال الدين ايضا لأنه وصفهم بانهم لم يستطيعوا مجاراة التغيير الفكري الذي حصل في العصر الحديث.

وفي الستينيات أصدر:دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، لمحات اجتماعية في تاريخ العراق الحديث-12 كتابا أنجزها بين عامي 69-1979، ومنطق ابن خلدون في ضوء حضارته وشخصيته 1978- تونس، فضلا عن بحوث مبكرة أصيلة بينها (الأخلاق.. الضائع من الموارد الخلقية) نشرته مجلة (الأحداث-1959) الصادرة عن الجامعة الأمريكية في بيروت.

ومن بداية عمله الأكاديمي في الخمسينيات صار الوردي قلقا على مصير العراق ومستقبل المجتمع العراقي.وكان الصوت الاجتماعي الوحيد في زمن كانت فيه الثقافة العراقية موزعة بين ايديولوجيات وتيارات قومية ويسارية واسلامية وأدب وشعر، فيما كان هو يغرّد خارج سرب الثقافة.والمفارقة ان السياسيين والمثقفين أخذوا يحضرون ندواته، ويتكاثر عددهم، فشغلهم بأفكاره التي أدهشتهم وسحرهم بجزالة لفظه ورشاقة اسلوبه.

كان الوردي يرى أن فهم المجتمع ونجاح السياسة في العراق يمرّان عبر بوابة (الشخصية العراقية) فخصص لها كتابه (شخصية الفرد العراقي) ممهدا بتوضيح مفهوم (الشخصية) استغرق نصف صفحاته لكون الموضوع جديدا على العراقيين.. مشيرا أن ابن خلدون كان رائدا بمحاولته دراسة شخصية الانسان لا على اساس المواعظ والارشاد كدأب من قبله بل بتحليل تاريخي اجتماعي موضوعي .وكان الوردي أول من حلل بعمق نظرية ابن خلدون وشخصّها بأنها تدور بالأساس (حول البداوة والحضارة وما يقع بينهما من صراع).والتقط منه مقولته التي وصف بها البدو بأن “رزقهم في ظلّ رماحهم” معلّقا بأن “البدو لا يعرفون من دنياهم غير الفروسية والفخار والغلبة والتنافس”. ووظف ذلك بمنظور حضاري على مجتمعه منبّها ومحذّرا السياسيين والناس بقوله:”ولعلني لا أغالي اذا قلت ان مجتمعنا الراهن هو من أكثر المجتمعات في العالم تأثرا بالقيم البدوية في محاسنها ومساوئها.ولعل المساؤيء البدوية اوضح أثرا فيه من المحاسن.. فقد وجدت العشائر الريفية لا تزال تسلك في الحياة مسلكا يقارب مسلك أجدادها من بدو الصحراء، فلديهم قيم العصبية والمشيخة والدخالة والضيافة والثأر”.

والمخجل ان الوردي يوم توفى في 13 تموز 1995 لم يجر له موكب تشيع يليق بعالم كبير بل اقتصر على المقرّبين .. فيما ودّعه زملاؤه ومحبوه .. صمتا .. وعن بعد!.

كانت آخر مرة زرته بها في بيته خلف اعدادية الحريري حين كان مريضا. جلست بجانب سريره المتواضع وتمنيت له الشفاء العاجل والعمر الطويل، فقال وهو يحدس أنها النهاية: (أتدرى ماذا يعوزني الآن : إيمان العجائز)، ولم افهمها إلا بعد حين. وأضاف مازحا”: ” تدري آني ما احب الماركسيين.. بس ما اعرف ليش احبك.. تعال انطيني بوسه “.. قبلّته وحبست دمعة في العين وشهقة في الصدر.

لك منّا ومن احفادك شباب وثبة أكتوبر / تشرين ايها العالم المبدع.. المفكّر من طراز رفيع.. الجريء.. الجدلي.. الساخر.. كلّ الاحترام والتقدير والامتنان والذكر الخالد.. على مرّ السنين.

أ.د. قاسم حسين صالح

13 – 7 – 2020م

*عن صحيفة المثقف

شاهد أيضاً

صباح هرمز: مسرحيات يوسف العاني بين الرمز والموروث الشعبي:
1- المفتاح (ملف/23)

كتب يوسف العاني مسرحية (المفتاح) أواخر عام 1967 وأنتهى من كتابتها بداية 1968، وهو بهذا …

الفهرست الكامل
في وداع الدكتور نجم عبدالله كاظم
ناطق خلوصي (ملف/6)

كانت آخر رسالة تلقيتها من الأستاذ الدكتور نجم عبد الله كاظم في 9أيار الماضي أي …

على ضفاف شعريّة العناوين
دواوين الشاعر سعد جاسم أنموذجاً
د. وليد العرفي (ملف/7)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *