قراءة رواية “التل”: التداخل بين الخاص والعام في الرؤية ومسار الأحداث
ناطق خلوصي

كانت رواية “التل ” لسهيل سامي نادرقد صدرت عن (دار الشؤون الثقافية العامة) في مطلع العام 2003 وأهداني نسخةً منها في 1/3من العام المذكور ، عندما كانت قوات الاحتلال تطرق أبواب العراق ، فنأت ، بالنسبة لي في الأقل ، ولكن إلى حين . ولأن الأعمال الابداعية الكبيرة ،لا تقل أهميتها بتقادم الزمن، فإن ” التل ” ظلت حاضرة في الذهن وتملي نفسها عليّ بإلحاح .
كنت أعرف سهيل سامي نادر ناقداً فنياً رصيناً وصحفياً ، ففوجئت به يخرج برواية كبيرة مضموناً وحجما ً ، جاءت في354 صفحة من القطع الكبير، توزعت على أحد عشر فصلاً يحمل كل منها عنواناً خاصاً به ويتوزع بدوره على مقاطع . فصول تجمع بين الماضي والحاضر ويتداخل فيها الخاص والعام في الرؤية ومسار الأحداث بدءاً من المشهد الاستهلالي للرواية : ” اقتحمت ليلي غرفة نومي على غير توقع فرأتني مقرفصاً عى فراشي وصور فوتوغرافية عن تنقيباتي الأخيرة منثورة حولي بينما غمرني والغرفة ضوء أحمر بلون الدم ” ( ص 7 ) . وطالبة الطب ليلى هذه ، هي ابنة بطل الرواية الوحيدة التي ستكون صلة الوصل بينه وبين مطلقته فاتن وكان واضحاً أن هوّة من المعايير تفصلها عنهما لكن ألأب يحاول ردمها . ومن نقطة العلاقة المتذبذبة بين الراوي ومطلقته وتلك الحميمة بينه وبين ابنته ، يتواصل هذا التداخل لينتقل إلى العام المتمثل في عملية التنقيب عن الإرث الناريخي ، وفي الحالتين ، وفي الوصف الميداني للحياة في مخيم التنقيب ولأعضاء المخيم وطبيعة سلوكهم،تتجلى عملية نبش في ذاكرة الروائي للكشف عن المستوى المتقدم لثقافته فيبدو هنا كأنه عالم آثار حقيقي .
لا يصحبك السارد ( الذي يتدفق السرد على لسانه ) في تجوال أفقي في مجرى الماضي وحده أو الحاضر وحده ليصل بك إلى خاتمة تقليدية لمثل هذا التجوال ، إنما يفعل ما يفعله المنقب في تل الزعلان : يرتقي التل تارة ويتوغل داخله تارة أخرى ، لكنه ما يلبث أن ينزل أو يخرج من بطن التل :يغادر الماضي ويعود إلى حاضرحياته الخاصة ، وبالعكس ، فيظل في حالة تنقل متواتربين الزمنين وعلى نحو متوازن .
يوظف الروائي ثيمة الاستذكارفتعود بالسارد إلى أيام طفولته ثم كهولته وقد صار في الخمسين ، ولا يفوته أن يوظف خبرته كناقد تشكيلي في توظيف اللون ،وتتداخل سيرته مع سيرة السارد . الذي يتقمص ، وهو بطل الرواية ، شخصية أستاذ في الآثار ،يحمل الدكتوراه ( يظل بلا اسم على امتداد زمن الرواية )، يقود بعثة تنقيب عراقية للكشف عن موقع أثري في مكان يحمل اسم ” تل الزعلان ” وربما استمد الروائي هذا العنوان ، إذا كان مكان الرواية له حضور حقيقي ،بما يتوافق مع طبيعة الوضع الاجتماعي لبطل الرواية المنفصل عن زوجته منذ زمن .ويبدو أن هذا الحدث الأسري الخاص ترك بصمته على سلوكه ، فلم يستطع التكتم على معاناته من الحرمان الجسدي إلى الحد الذي جعله يعمد إلى أن يرى التل مثل كائن بشري والتعامل معه كجسد حي . فكان أول انطباع له أن رأه ( عجيزة ) كبيرة وقد ظهر ” من بعيد ، قمته، شيء من جسده ، أقدامه، ثم تجلى بكامله عارياً مثل ورم كبير في صحراء دامية “. ( ص 18 ) . وزاد على ذلك احساسه بالفراغ والضجر ونومه المتقطع وقاده كل ذلك إلى حسم أمره في آخر المطاف في الكلمتين الي أختُنمت بهما الرواية وهو عازم على أن يهاتف مطلقنه: ” قمت من مكاني بمعرفة هادئة بنقاهتي القديمة التي لا تنتهي واتجهت إلى الهاتف . كان في قلبي كلمتان : أحبك ! أحتاجك ! ” ( ص 353 ) .وهو في الواقع كان يتكتم على حبه لها لكنه يرسل لها رسائل ومكالمات التودد:” فأنا في أعماقي أحبها، وأحتفظ لها بذكريات كريمة ” (ص 86) ، و ” في تلك اللحظة شعرت بالحاجة إليها ، كانت هي الكيان الوحيد الذي عرفته حق المعرفة ، وأحببته بشغف ” ( ص241 ) . غير أن ثمة سبباً مضافاً في قرار عودته إليها تمثل في حرصه على ابنته الوحيدة وخوفه من ضياعها وهي تتوزع بينه وبين أمها في بيتين منفصلين وكانت ذروة خوفه عليها قد تجلت حين علم بأمر الورم الذي كانت تعاني من وتبين أنه ورم حميد وكان قلقاً أيضاً عندما جاءت إلى بيته بصحبة زميل لها يهوى الرسم الذي هو( إلى جانب الموسيقى) من مجالات الإهتمام النقدي للروائي نفسه .ويبدو الراوي كأنه يعاني من حالة انفصام : “فكأن لي جسدين ،الأول يتخيل الثاني ” ( ص125) وكان ” الرجل الجالس في عمق جسدي الخيالي غائباً ” ( 140 ) ، و”لقد أخذ جسدي يتصرف وحده “(ص 222)
ينشطر الزمن في الرواية إلى زمنين : واقعي ومتخيل أو مفترض : يتمثل الواقعي ، كما أشرنةا ،في مجريات حياة بطل الرواية وأسرته ومن يرتبط به وفي حياة المخيم ، وتتوزع الشخصيات على هذين المنحيين ربما باستثناء شخصية سميرة التي تسللت إلى مجرى الأحداث وأنسلّت منه دون أن تخلّف تأثيراً واضحاً، و يتمثل الزمن الآخر في الفترة التي تعود إليها الآثار القابعة تحت التل قبل أن يتم التوصل إلى أنها تعود إلى القرن الرابع الهجري و قد تباينت الآراء بادىء الأمر بين كونها لمدرسة أو معسكر ومربط خيل أو مارستان ( مع اشارة إلى احتمال تعرض المكان إلى جائحة وكأن العراق اعتاد على المعاناة من جائحة بين حين وآخر ). وكانت نقطة التحول في مسار الزمن في الرواية عثور بعثة التنقيب على نسخة من كتاب الجاحظ :” البيان والتبيين ” محفوظةً في طرد فخاري ومدسوسة في جدار ، وصار في اعتقاد بعثة التنقيب في آخر المطاف أن البناء لم يكن حصنا ولا مدرسة وظل الخروج بقرار حاسم عن كينونته ، معلّقاً .
تقوم الرواية على توظيف الواقعية على نحو واضح في مبناها السردي ويتجلى ذلك في طبيعة العلاقة الأسرية ( الاجتماعية ) للسارد مع السرد الوصفي للحياة في مخيم التنقيب . وثمة لمحات محدودة مما يشبه الواقعية السحرية : المزج بين الخيال والو اقع وحضور القرين وغرابة شخصية سعدون وحمامته التي تأتمر بأمره وقد قادت إلى العثور على لقية أثرية: “كانت تنقر بلب خبز نثرناه لها على الطاولة فراحت تتحرك بعصبية وتحتك بيد زهير الممسكة بأوراق ، فتصل إليها اهتزازات تصغي إليها ، فتميل برأسها يميناً ويساراً مستغربةً مستفهمة ً بينما سعدون يلقي عليها نظره أحياناً فتلتقي عيناهما في لحظة ويتفاهمان في صمت ” ( ص299 ) . ولا يفوت الروائي توظيف المخطوطة أوالوثيقة ( تاريخية هنا ) وهي تتوزع في أكثر من مكان في الرواية ، وتغطي عشرات الصفحات ,

 

شاهد أيضاً

خليل مزهر الغالبي: الخطاب العابر للأدلجة لرواية السماء المقَسَمة للروائية الالمانية كريستا فولف ترجمة الدكتور رياض احمد طه

الكاتبة الألمانية ” كريستا فولف (1929-2011)كاتبة حرة من جمهورية “المانيا الديمقراطية” انذاك، حصلت على عدة …

مسرديات عز الدين جلاوجي اجتراح تجريبي لنوع أدبي جديد
صباح الأنباري*

أولا. المسرديات القصيرة: الكلمةُ أو المقدمةُ التي افتتحَ بها عز الدين جلاوجي مسردياته القصيرة جداً …

روايات مترجمة: (8)أناس في ليل الصيف (من الأدب الفنلندي) فرانس ايميل سيلامبا
ترجمة: كاظم سعد الدين
قراءة: ناطق خلوصي

يقول توماس ووربرتن في الدراسة التي كتبها عن الروائي الفنلندي ” فرانس ايميل سيلامبا” ان …

2 تعليقان

  1. محمود سعيد

    أظن ان المقال مقطوع

  2. عفوا أستاذ محمود. هكذا وردت من الأستاذ ناطق خلوصي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *