ضوء على رواية (مصل الجمال– اولاد كلب) للقاص عبد الزهرة على
قراءة: عبد الهادى الزعر

(لم تكن ثمة طريق فى البداية غير ان بعض الناس ساروا فى إتجاه واحد ثم تبعهم اّخرون فأرتسمت الطريق بوضوح ) يوشكين

فى بعض السرود توجد شخوص لاتخضع للحبكة لأن وظيفتها ابراز خصائص ومميزات اخرى يحتاجها السارد على شكل علامات ودالات لم يحن ظهورها بعد –

ولكنه يمهد لها مسبقا – حتى ان ( برونوف ) أطلق عليها ( الشخصية التى تنمو داخل الحدث السردى وهى مجرد كائن متخيل أو شبه حقيقى ولكنه ذات شأن فيما بعد )

والناقد (هامون ) اجرى تصنيفا لمعظم الشخصيات الغامضة وشخصها بالشكل التالى :

اما ان تكون تاريخية أو أسطورية أو مجازية وأشار ان ثقافة الكاتب ووسعة أفق المتلقى هى التى تحدد هوية تلك الشخصية ففى بعض الروايات تكون على شكل علامات (مدورة ) لاتستقر على حال ولكنها متزامنة مع احداث القص ولها شأنها

ربما تكون مصدر خوف او سعادة أو شىء لايمكن الافصاح عنه وأهم ماتتصف به هى سمة الحركة الدؤوبة والمغامرة –

فكيف بنا ونحن أمام أبطال ولكنهم من فصيلة الكلاب –

(تنحى جانبا وهو يشاهد فى لجة الفوضى كلبين يتعاصصان – – الكلاب تمتلك الجرأة لممارسة حماقاتها فى العلن دون مواربة )

( اليوم وطأت قوائم كلاب غريبة بيننا – – جائت من اللا مكان )

هذا الاستهلال ( السريع ) دفع كتاب الرواية الحداثيين الى الابتعاد عن أغراق بنية السرد فى التزيين والتسلية والتجميل الممل بدافع الجذب ( والتى تثقل العمل وترهله ) ولهذا أنتهجوا خطا غايته تخليص الشخصية ( أنى ) كانت من هيمنة الراوى والسارد العليم ومنحه الاستقلالية التامة –

فقد نجد أغلب الروائيين الحاذقين يقومون بدراسة أنماط الشخصية قبل توظيفها فى العمل

(الزمن عندهم مطلقاً يأكلون بنهم وشراهة لأنهم يدركون ساعة طردهم إذا ما ألتفت اليهم الناس )

( اصبحت المدينة تعج بالكلاب الغريبة التى انطلقت بعد الخراب )

ما أن اعلن الامريكى البغيض انتهاء العمليات الحربية حتى وطئت ارض السواد نماذج بشرية لا أول لها ولا اّخر منهم من ” تعمم ” بالسواد واّخرين بالبياض وعيونهم ترنو لمجلس الحكم ولايمكن الولوج اليه إلا من خلال – البكاء والتأسى على – الدين – فهو المنفذ الاّمن لنيل امانيهم المؤجلة –

ومنهم من عاش سنيناً فى بلدان الشتاة وهم نكرات لا اول لهم ولا اّخر حلوا ببغداد مطالبين بحقوقهم المهدورة من النظام السابق بعدما لملموا شعثهم بشهادات مزورة بغير وجهة حق — دكاتره — اساتذه — محققون —

تلك حقيقة أدركتها صقور البنتاغون عن كثب وغذتها بوسائل مختارة بعناية فائقة فأتت أكلها ضعفين فى عراق مابعد بريمر الكريه –

ولهذا امست مقولة الخراب الخلاق قريناً للموت الرحيم –

(كلب رمادى وكلب مفقوء العين وكلبة ترفع ذيلها بخيلاء والناس ترفع اذرعها الى السماء تطلب الصفح والمغفرة عن ذنوب لم تقترفها )

أحالتنى رواية اولاد كلب ( المحتشدة بالمعنى والصور الغرائبية ) لرواية اولاد الشوارع للمغاربى محمد شكرى وكيف تمكن بجرأة وصف عالم المشردين الصغار ” لواطهم — سرقاتهم — ضعف وشائج التواصل الاجتماعى ” النصف غربى والنصف شرقى ” أنتضامهم بعصابات يرأسها كبار فى المهنة يسّيرون الامور بالخفاء – – سيلمع نجم هؤلاء الصغار بعد حين ربما رؤساء أو برلمانيين أو قادة من يعلم ؟ حتى امست الرواية إيقونة يتحدث بها المغاربة فى امسياتهم ولهوهم على شواطىء طنجة الساحرة –

أما فى العراق فلا أحد من العارفين والمتبصرين يعلم ما تؤول اليه الامور بعد زلزال 2003 الكل يحدق فى فضاء قاحل والكل منكفأ على نفسه –

(لم أشأ فتح الصندوق كنت اتوجس منه خيفة حينها تذكرت صندوق ابى على فى مملكة محمد خضير السوداء ) ص 18

وهناك صندوق اّخر كتب عنه حامد فاضل بعنوان ( مدينة فى علبة ) وحتى يوسف زيدان فى عزازيل كان للصندوق اثره البين فى بناء النصوص –

ولا ننسى مخيم المواركة ل جابر خليفة جابر فقد أستهل سرديته التاريخية عن المورسيكيون ( من صندوق )

( فى قديم الزمان كان الرجل اذا مات يورث زوجته الى احد ابنائه او اخوته كى يتزوجها وعندما مات احدهم ولم يكن له اخ او ولد غير كلب ذكر ) ص 31

كانت البغايا فى اربعينيات بغداد بعد ان نظمتها السلطات الانكليزية وأثقلتها بالرسوم تشكو الكساد من قلة زيارة المريدين هواة اللذة العابرة ! فأضطرت المومسات للخروج من منازلهن ” كسرا للكساد ” فى سيارات الاجرة أو فى علب الليل أو فى اى مكان تتحقق فيه المضاجعة ، ولكن قسم منهن فضل الجلوس على الرصيف مابين الصابونجية والكرنتينة وهنّ ( يقحقحن ) لفتاً لأنظار المارة ولهذا سميت الواحدة منهن ( قحبة ) وهذه المفردة عراقية خالصة لم يذكرها لسان العرب أومختار الصحاح ولا منجد لويس معلوف –

وحين ننظر للوراء نجد مومسات أثينا القديمة هنّ أكثر ثقافة من غيرهن وقد حفرّن على أحذيتهن من الاسفل كلمة اتبعنى ( فول مى ) تطبع على تراب الشارع عند المسير –

فى أولمبياد روسيا الذى أقيم قبل اعوام حذر خبراء الاجتماع والبيئة الروس النساء الغانيات من مغبة ( الحمل ) من الاّسيويين الوافدين لمشاهدة الالعاب حفاظا على نقاوة الدم الروسى –

( كان ابنى طبيعيا قبل دخولنا مرقد الشيخ الجليل فما الذى اصابه ؟ قال له الرجل الكهل : خذه للسوق ليأكل ففى المطاعم يختلط الحرام الكثير بالحلال القليل ) ص 51

( كم كنت شغوفا ان امسك الفقر من تلابيبه وانقض عليه ولكنه فى كل مرة يتوارى مسرعا وكنت اتحايل على نفسى بالاعذار الساذجة ) ص 57

مالذى اراد قوله عبد الزهرة على فى اولاد كلب

————————————————

عبد الزهرة على حكاء مفرط الحس تتصف سردياته التى أطلعت عليها بالمتانة والسبك المنضبط ناهيك عن متانة خيط السرد حتى لا ينصرم

اراد ان يكون مختلفاً عن اقرانه الحكائين وقد نجح !

مامن حدثٍ شهده أوسمع به إلا ودونه بذاكرته المزحومة بالوجع والتفجع ؛ ولكوننا نحيا على بقعة غادرتها المسرات منذ الثلث الاول من القرن الماضى فكل شىء على أديمها يبدو باهتا رمادياً لا يوحى بالسعادة ولا ببارقة امل تلوح عن قرب ؛ ولهذا ملئت نفوس الناس ضجرا ويأساً فأضطرت لكسر حاجز الخوف وبدا الممنوع مرغوباً ومن حينها – – عمت الفوضى

أعتاد قاصنا منذ سنينٍ طويلة أن يقذف كل ماتحصده السنين من احداث وإشكالات فى – جوفه – وبعد ان تهجع روحه اللامستقرة يبدأ بأجترارها واحدة تلو ألاخرى ولهذا حذر خلانه وقراءه من الانزلاق فى اتون مدوناته الحادة ربما تغرق المطلعين عليها فى يمٍ متلاطم لا يدرك منتهاه كما ان ضجيج طبولها يشق الاّذان –

ان اولاد الكلب الذين احاطوكم بالجهل والعوز والظلم وهاهم يحيطوكم بالخنوع والذل انهم يتناسلون عبر التاريخ بطرق شتى ؛ أورثونا الخطيئة ونحن منها براء فحملنا أوزارهم مكرهين –

ثم ان القشلة التى يتغنى بها مثقفوا العراق اليوم جلب طابوقها بأمر من الوالى المستبصر مدحت باشا من اّثار بابل ارادها مهجعاً ومستقراً لجنود ه (البيادة ) العثمانيين فقد ( خرب وعمر) تقول السائحة الفرنسية ( لافوا ) رأيت قطاراً له اول وليس له اّخر من البغال والحمير والجمال كلها تحمل على ظهورها طابوق شارع الموكب والجنائن المعلقة والقصر الرئاسى و المكاريون – يحثون قطعانهم بهراواتهم وعصيهم الغليضة على السير الحثيث للوصول الى بغداد – ولم يسلم الوالى نفسه فقد دبر له أمر بليل ومات مخنوقا فى سجنه –

ومن الطريف ذكره فى هذا الباب ان — حبة بغداد — وهى مرض جلدى يترك اّثارا على الوجه لايمحى كان منتشرا اثناء زيارة السائحة لبغداد وحين سألت المصابون به قالوا لها ” نفضل بقاء الحبة على وجوهنا وليرحل الاتراك ”

ففى المقاطع الثمان والعشرون التى شكلت بنية الرواية وعلى مدى مائة واربعة وثمانون صفحة من القطع المتوسط بلسان صوت واحد ( السارد العليم ) وهى تصور الصراع الازلى بين طائفتين –

الفئة الاولى :

تحمل جينات بشرية نقية تحاول إفشاء مبادىء الخير والعدالة والتكافل الاجتماعى والوفاء وهى وأن كثرت عددا لكنها لاتمتلك مصادر النفوذ والسلطة ؛ فأمست مغلوبة على امرها دائما –

الفئة الثانية :

ليس لها سوى الاستحواذ والطمع والخراب والقبح وهى وان كان عديدها قليلا ولكنها اقوى شكيمة واكثر بأساً من الاولى لكونها تمتلك وسائل التنفيذ الملتوية و المعدة سلفا بطرق يعجز عنها الشياطين –

الفصل الثانى عشر والثالث عشر — ذكريات بدرية فى بيت جلاب وكيف كسب أسمه كانا متماسكان يصلحا أن يكونا قصة قصيرة لها شأن بعد تعديلات طفيفة ؛ وكيف كان يمشى على اربع بعد ان يثقل رأسه بعرق المستكى وكيف يمارس الجنس مع زوجته بطريقة حيوانية – مشاهد – ( عززت عنونة اولاد كلب وهو ماتعارف عليه بثريا النص أو العتبة الصغرى )

هذه العينات السردية لم نعد نقرأها بعد التغييرمع الاسف لأنها ومواضيع أخرى أمست ( محرمة ومكروهه ) حسب لغة اليوم –

ولكن حيدر حيدر كان جريئاً عندما نشر ” وليمة لأعشاب البحر ” وبعد سبعة عشر عاما حرمت من رجال الازهر ، ربما دابادا حسن مطلفك أكثر جرأة فى الطرح ولكن برمزية مغرقة دفع ثمنها غاليا روحه الوثابة بالتجديد –

وانا ارتقى درجات السلم كى اشم رائحة مصل الجمال الذى فاح عطره فى الشوارع وقد تجلى الادران التى شاعت فى دروب المدينة صنعه بالاشتراك مع كلب نبيل واصدقائه يحقن به المشتبه بلوثتهم ويكون مطهرا للنفوس –

مرة ألتقيت الراحل سعد محمد رحيم وتحدثنا عن سيل السرد الجارف الممثل بالفنتازيا والسحرية وأجواء الافتراض وقلت له يرحمه الله ان السارد العراقى هظم فن الدايلوك والكولاج وشطحات تيار الوعى فى الصخب والعنف والميتا سرد فراح وارد بدر السالم وسعد سعيد وسنان إنطوان وعلى بدر ينتهجون أسلوبا غير مطروق فلم تكن الركائز الثلاث ( الحدث — الشخصية — اللغة ) قائمة فأجابنى ليكتب الواحد منا مايشاء والعبرة فى النهاية فقد كان كتاب جنوب أفرقيا واللاتينيون وهم سبقونا لأستقرار مجتمعاتهم أما نحن فلا زلنا فى مرحلة التجريب – أخيرا : فى قريةٍ نائية جنوب الصين نفوسها فاق المائتين ألف نسمة خرجت مجاميع كبيرة من الكلاب وهى تنبح بهيستيرية لمدة ثلاثة ايام متتالية فأستدعت السلطة بعض الخبراء لمعرفة السبب وتبين ان المنطقة معرضة لزلزال مدمر حينها أجليّ الساكنون حفاضاً على أرواحهم – – تلك كلاب الصين أما كلابنا فلها شأن اّخر –

شكرا عبد الزهرة على أمتعتنى الروايه –

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: حامد عبدالحسين حميدي…. فاعلية النقد.

*سمعت، ذات محاضرة لاستاذ هجر كتابة القصة القصيرة، التي كان مغرماً بها الى حد، لم …

محمد الماغوط: تراتيل المواجع على أرصفة المقاهي
إبراهيم مشارة

محمد الماغوط (سلمية ،حماه 1934/دمشق2006 ) ظاهرة شعرية حديثة بامتياز في الأدب العربي الحديث وهو …

نـجيــب طــلال: باب ما جاء في احتفالية النــضــال (02) !!

بــاب الــنـضـــال : وبناء على ما سبق قوله ؛ فالنضال أساسا وظيفة ذاتية تلقائية لا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *