البحث عن الأشياء في نصوص الشاعر العراقي حبيب النايف
الإهداء: إلى شهداء انتفاضة التحرير المجيدة كتابة: علاء حمد-العراق

إشارة :
أمام هذا النشاط الثر والمُثقل بالأطروحات الجديدة للناقد العراقي المبدع “علاء حمد” لابُدّ من تقديم التحية له على هذه السلسلة من الكتب والدراسات التي تحمل بصمة نقدية مُميّزة وسمة أسلوبية خاصة ، والأهم هو وفاؤها للابداع العراقي ورموزه التي تعاني قلّة الاهتمام من نقّاد وطنها برغم علوّ كعب منجزها. تحيي أسرة موقع الناقد العراقي الناقد علاء حمد وتشكره على ما يخص به الموقع من دراسات وتتمنى له الصحة الدائمة والإبداع المتجدد. كما تحيي روحه العراقي الغيور وهو يهدي دراساته (إلى انتفاضة ساحة التحرير المجيدة).

عندما نفكّر، نفكّر بالأشياء، الأشياء التي تدور حولنا، وحول الباث ( الشاعر ) وهو يوزع قدراته بينها وبين بيئته التي تحويه وتحوي تلك الأشياء، فالمدينة شيء، والبلاد، شيء، وحتى المسموعات نعتبرها من الأشياء، ولكنها غير ملموسة، إذن الإبحار بين الأشياء، تعني لنا التفكر بالوجود، الوجود العائم على الباث وباتجاهات عديدة، وعندما يرى الباث الشيء، لايكرره، بل يبتكر الجديد، ويكتشف مالايراه غيره يقول هيدغر: (( أنا لاأقصد بالتفكير مجرد تكرار، وأن نفعل كما لو أنّه يتم فهم الوجود بأنه الحاضر لذاته .. – ص 15 – في الشيء الذي يخصّ التفكير- مارتن هيدغر – ترجمة وتعليق : وعد الرحية )).
التحول النصّي يعد من الاستبيانات، والاستبيان يتحول إلى وضوح نصّي، فنحن نرى الأشياء كما هي، وهي نفس الأشياء المتبينة للجميع، ولكن ليست نفس الأشياء المتحولة من الرؤية إلى الرؤيا، فهنا سوف نقول إنّ هناك اختلافات في الأشياء واختلافات في رؤيتها، وأهم هذه الاختلافات تحويل فعل الاستبيان إلى أفعال تحصيلية تجانس النصّ من جهة وتجانس المتلقي بحالات عجائبية من جهة أخرى.
مازال الإصرار يعوم على سطح بحيرة هادئة والبحث عن الاشياء ونقلها إلى الشعرية، وهذا مايقودنا إليه الشاعر العراقي حبيب النايف، ضمن منهج بنيوي تكويني .. المفاهيم البنيوية من المفاهيم الدالة التي تلاحق المكونات ونقلها بـ ” بنية دلالية ” .. فإذا كانت البنية الدالة التي تتحلى بمواصفات شمولية تراعي المنظور الشمولي للبنية، فسوف ننتشر من ناحيتي التأثير والتأثر ..
وإذا كانت الوقائع من ناحيتي المقاربات والمباعدات قد تحلّت بديناميكية جزئية، فإنّ الأشياء تتقارب من الذهنية لتكوين المنظور البصري، وهكذا نتماشى مع قصائد الشاعر العراقي حبيب النايف لتحديد تلك البنى والغوص في الدلالات التي رسمها ضمن القصائدية والاختلافات الموسومة بحفاوة المكامن الحقيقية للأشياء ..
عند البحث عن الأشياء هذا يعني أننا نبحث عن الكلمات الصالحة للتركيب، وعن البنية الدلالية والأنساق، فالتناسق يشكل الروح الفعالة للعمل الإبداعي (( النصّ هو مصدر التناسق الذي يتحقق بداخله، فيقوم بدوره إنتاج بنية دالة شاملة تقودنا إلى مرحلة أوسع وهي التفسير L explication – ص 119 – البنيوية التكوينية في المقاربات النقدية المعاصرة – الدكتور نور الدين صدار )) .
إنّ الالتقاء بين المعاني حول تلك الأشياء، ربما تكون متشابهة، وجميعها تستوعب التركيب، ولكنها تلتقي بمنظور واحد، لذلك مهمة الباث، أن ينفخ بتلك المعاني ويغير اتجاهها، مثلا من الاتجاه الخارجي إلى الاتجاه الداخلي، والعكس مطلوب طبعا، وكذلك من الاتجاه التفكري إلى الاتجاه الكتابي، فالمقروء ضمن الأشياء التفكرية، بين الكتابة ضمن الأشياء التوثيقية، وقابلة للقراءة ويكون المقصود بها بيئة الباث والمسميات التي تدور في العالم ..
قد نتجاوز بعض الاتجاهات، ونميل إلى الاتجاه التلقائي؛ فنحن أمام صيرورة ذهنية تساعدنا على تمرير الصور الشعرية وإعادة تكوينها لكي تكون صالحة ومتجانسة مع بيئة الشاعر الذي يسعى أن يرضي المتلقي عبر نصوصه التي يقدمها. فالمنتج هو منتج بدائي، أي يكون كبداية تفكرية للدخول إلى الإنجاز الفعلي من خلال العمل الفني؛ وفنية العمل تكمن في نصية القصيدة، ولجسدها مكامن عديدة ليخرج منها الشاعر بعمل شعري، أو موقف شعري، وفي جميع الأحوال تلتقي الشعرية مع العمل القصدي الذي يعتمده الشاعر عادة، بسبب صدور الشعرية عن مسببات داخلية عديدة وكذلك مسببات خارجية، ولكن الثقل الداخلي هو الذي يقود الشاعر، فلا نستطيع أن نقع على نقاط تفكيره إلا من خلال مايطرحه، وخصوصا تلك الأشياء التي بحث عنها ليوظفها في مساحة من الخيال، حيث تظهر الصور التكوينية من خلال هذه النظرية الواسعة والتي لها الأهمية والفضل على مكونات جسد النصّ واختيار أدواته العديدة..
أبذر الوقت حين أجرّب أن أمسك الظلّ الذي
يتجوّل بالقرب منّي،
وكأنّه يريد إغواء ذائقتي المنفلتة
بعد أن استمالها صوت أغنية
تنبعث من بعيد.
الثقوب المتوثبة تترقّب الضوء،
تحفّز حواسها
للانغماس في لعبة التأمّل.
استرجع شريط التمنّي ،
أرفع سقف التوقعات
اندفع كموجة تلمّ انكساراتها.
أحاول إنقاذ ماتبقى لي من قعر الخيبات
عندما أكون طيرا يحلّق في الأعالي

قصيدة : محاولة – ص 22 – غبار الأسئلة
أن نقول الشيء نفسه، فهنا نتجاوز التحولات، ويبقى المعنى كما هو دال على الشيء نفسه، ولكن هناك بعض الأشياء نراها ونحسها، وتصبح من المحسوسات، فالحجر نراه، والظلّ نراه ولكن لانحسّه، وهو من الأشياء، وتشكل كلمة الظلّ من المفردات الذكية ( التي سبق وأن صنفتها في بعض كتب النقد )؛ وكذلك العدد، فإننا لانراه، وعند كتابته سوف نراه ولكن لانحسه، وهكذا تمرّ الأشياء بين المحسوس واللامحسوس، وتمرّ علينا أيضا في كيفية برهنة المنبهات نحو الأشياء، فالاحداث المثيرة في البعد الفلسفي تحمل القول المختلف، بينما في الأبعاد النظامية، فتحمل بعدها المحمول حسب تصنيفها..
أبذر الوقت حين أجرّب أن أمسك الظلّ الذي + يتجوّل بالقرب منّي، + وكأنّه يريد إغواء ذائقتي المنفلتة + بعد أن استمالها صوت أغنية + تنبعث من بعيد. + الثقوب المتوثبة تترقّب الضوء، + تحفّز حواسها
للانغماس في لعبة التأمّل. + استرجع شريط التمنّي، + أرفع سقف التوقعات + اندفع كموجة تلمّ انكساراتها. + أحاول إنقاذ ماتبقى لي من قعر الخيبات + عندما أكون طيرا يحلّق في الأعالي
ماذا يبحث الشاعر العراقي حبيب النايف، وهو يعدد الأشياء في نصوصه الشعرية، بل هناك تراكمات عديدة لهذه الأشياء، ومع كلّ حركة نلاحظ، حركة شيء معين، أو لازمة من لوازم الأشياء والتي أدت إلى معاني جديدة من خلال تركيبها وتقبلها لهذا التركيب..
أبذر الوقت حين أجرب = هنا لذة تدنو من الألم، فالأشياء التجريبية إما تقودنا إلى لذة في البهجة أو لذة في الألم، ولكن مارسمه الشاعر ليس حالة ميتافيزيقية، بل رسم تفاؤوله بالأشياء، التفاؤل التوفيقي، حيث أنّ الأشياء غير جاهزة، لذلك أخذ يدنو منها، وفي نفس الوقت نلاحظ أنّ هناك العديد من الأشياء المطروحة في جسد النصّ خصوصا أن الشاعر بدأ بعنونة مفهومة ( محاولة ) أي أنه يحاول أن يبدأ بعمل تجريبي؛ إذن ليس هناك ثبات، حتى الشاعر بحركة دائمة من خلال محاولاته والإبحار في تلك الأشياء.
وإذا أردنا أن نطلق على فعل العمل التجريبي، فسوف نختار فعل الاختيار، وذلك لأنّ الشاعر اختار التجريب في العمل والاشتغال على نصّه المرسوم. ولم نتوقف هنا عندما تمّ تشخيص فعل العمل، وذلك لارتباطه بالذات، فالذات عملت على اختيار الفعل، وهو لم يأت من الخارج، بل الجمل التركيبية والتي بعضها تنبه المتلقي، رسمتها الذات كفعل للقراءة، وتحولت إلى فعل اختياري للتجريب عندما أصبحت كفعلٍ للكتابة..
إنّ التجربة هي تجربة يومية، حيث إنّ الشاعر يعيش مع هذه الأشياء بشكل يومي، فنستنتج من أنّ القصيدة تصبح عملا يوميا، قابلة للتغييرات وقابلة للتحولات، وذلك لأن الأيام لاتشبه بعضها، فيمرّ بأشياء قد تكون غريبة أو قد تكون مألوفة، وعند التحولات يتوصل إلى إدراك جديد..
الوهم عكّاز متعثر
أتعبه الدوران في الفراغ.
بوق أحمق ينشر الضجيج
على حبل اضطرابه.
هكذا هي الثرثرة
عندما تمرغ أنف الكلمات بالهذيان.

قصيدة: ثرثرة – ص 28 – غبار الأسئلة
قصيدة ثرثرة؛ هل الفراغ من الأشياء، إنه فراغ في جميع الأحوال، والأشياء تشغل الفراغ ليمتلئ بها كي لانطلق عليه فراغ، ولكننا في التقييم الشيئي، نعتبر الفراغ من الأشياء، إذن ماهو شيئية الفراغ . وإذا جاز التعبير، ننتقل إلى شيئية الشيء، طالما إنّ الفراغ من الأشياء غير الملموسة، ولكن المرء يحسّ بالفراغ، من خلال مؤثرات المحسوس على الحسية..
الوهم عكّاز متعثر + أتعبه الدوران في الفراغ. + بوق أحمق ينشر الضجيج + على حبل اضطرابه. +
هكذا هي الثرثرة + عندما تمرغ أنف الكلمات بالهذيان.
إذا ذهبنا إلى شيئية الشيء، فسوف ننشغل كثيرا بتفكيك تلك الأشياء، ولكن الشاعر العراقي حبيب النايف، جمع الأشياء تحت سطوة الثرثرة، فقد أشار إليها من خلال كتل الأشياء، وتعني لنا الكتل تلك التي تتزاحم بالأشياء ورصدها في كلّ شطر من شطور النصّ.. إذن نحصل على شيئية الشيء؛ وعلى الأشياء التي تقودنا إلى الشيئية، وفي هذه الحالة سوف نتخلى عن بعض المفردات أو نقدرها تقديرا، فالمعاني التي تلازمها، لم تكن بتلك الوضوح نحو الأشياء؛ مثلا : أتعبه الدوران في الفراغ، فالإشارة هنا نحو الفراغ، ونحو الشخص الآخر الذي لانعرفه، فالفراغ لا يدلّ على شيء، بل دلّ بما يحمله من معنى في الفراغ، إذن نطرق باب الاستدلال، فالفراغ، لايعني لنا الفراغ، فقد انشغل بالشخص، ودلّ على مساحة واسعة، قد تكون هذه المساحة من الفضاء، ونكون هنا قد توصلنا إلى دلالة الفراغ بأنه مملوء بمساحة غير محددة..
البوق والحبل والكلمات، كلها تدلّ على الأشياء، ومن خلال الإشارة إليها، توافقت مع الجملة المركبة، وتقبلت هذا التركيب باختلاف لغوي أدى إلى دلالات مختلفة عن معانيها المشارة، فالبوق ليس أحمق، ولكن طالمها نشر الضجيج والإزعاج، فقد جعله الشاعر دالا على الحمق، وهكذا تواجدت أشياء الشاعر العراقي حبيب النايف وهو يرصدها معنى بمعنى، لكي يوصلنا إلى معنى المعنى من خلال شيئية الشيء من جهة ومن خلال الانزياحات التي اعتمدها الشاعر في الأشياء من جهة أخرى ..
الصورُ التي تُعلق على واجهات المدن
تحتفي وحدها بالبقاء.
يلوذ بها سكير يتمايل كسعفةٍ،
يبول عليها،
( ليفرغ ماشربه بعد أن أتعبه حدّ الثمالة )
يبتسم بسرّه :
لأن البول المتجه نحوها كخيط
يغسلها من الغبار،
وماتبقى عليها من فضلات العصافير.
يتذكر الصور القديمة
( للقا……….. )
وما جرى لها
مبعثرة في الطرقات،
يبصق عليها المارة.

من قصيدة : صور – ص 29 – غبار الأسئلة
الشيء الذي بحث عنه الشاعر هو ( صور ) بدون الـ التعريف، وذلك لانتشار الصور في المدينة والتي دلت على واقعها الكاذب والتي تعني للناس ( القائد الضرورة، بطل الحرب والسلام … الخ من تسميات فارغة ).. صور : تعني لنا أنّ هناك قياسات من الأشياء، وقد تابع الشاعر العراقي حبيب النايف، هذه القياسات والمعايير الواضحة، حيث أنها أدت إلى منبهات شيئية وتحولات تؤدي إلى التزيين والتقبيح والعجائبية والتغريبية، والتلميح والتصريح.. وإذا توقفنا مع المغزى فسوف نتوقف عند الواقع الغرائبي الذي تعيشه بغداد..
الصورُ التي تُعلق على واجهات المدن + تحتفي وحدها بالبقاء. + يلوذ بها سكير يتمايل كسعفةٍ، + يبول عليها، + ( ليفرغ ماشربه بعد أن أتعبه حدّ الثمالة ) + يبتسم بسرّه : + لأن البول المتجه نحوها كخيط + يغسلها من الغبار، + وماتبقى عليها من فضلات العصافير. + يتذكر الصور القديمة
( للقا……….. ) + وما جرى لها + مبعثرة في الطرقات، + يبصق عليها المارة.
ننظر إلى بعض الأفعال المثيرة للجدل في مقارنات عديدة، فمثلا فعل الإيثار يختلف عن فعل الاختلاف، ولكنهما يلتقيان في بوابة واحدة، وكذلك فعل الإيثار نفسه يختلف عن فعل التفضيل، ويلتقي أيضا معه في نفس البوابة؛ الالتقاء عادة يكون لتقريب الحدث الشعري، طالما نحن نبحر في جسد النص ومع قصيدة واحدة، مرسومة لتثير وتبين بعض المسميات المتواجدة في الواقع خارج التجريب؛ وكذلك تتبين الأشياء كحالة استدلالية اعتمدها الشاعر، فهو يشير إلى انفرادية الصور، وهنا يكون مع الفعل القصدي ليبين لنا فعله في بغداد – العراق، فلا يحتاج أن يذكر لنا تفاصيل الحدث الشعري، طالما هناك مبينات للصور الشعرية التي اعتمدها الشاعر في لغته التعيينية والتي أثارت بعض المواضيع المهمة التي انتابت العاصمة بغداد بفترات متفاوتة.. وربما مازالت هذه الفترات تكرر نفسها في وقتنا الراهن..
تمثل الصور التي نقلها الشاعر من أرض الواقع أيقونات، واستطاع أن ينشطها من خلال الإشارة إليها، وكذلك مايحدث لهذه الصور المعلقة على الحيطان والواجهات الواضحة للعموم:
سكير يتمايل كالسعفة = يبتسم سرا.. يدخل منطقة الفلاش باك ليتذكر صور ( القائد الضرورة )، ولكنه بما أنه ابن المنطقة الآنية فإنّ وجه المقارنة لايختلف إلا في الزمنية، فالماضي حضر الآن وذلك لاقتراب الوجه الفعال وتكرار نفس الديباجة الماضية ولكنها بوقت آني..

إشارات :
حبيب النايف.. شاعر عراقيّ.. أصدر عدة مجاميع شعرية
جزء من ملف طويل لكتاب عربة الشعر – الجزء الثالث
المادة خاصة بالناقد العراقي
علاء حمد .. عراقيّ مقيم في الدنمارك

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: حامد عبدالحسين حميدي…. فاعلية النقد.

*سمعت، ذات محاضرة لاستاذ هجر كتابة القصة القصيرة، التي كان مغرماً بها الى حد، لم …

محمد الماغوط: تراتيل المواجع على أرصفة المقاهي
إبراهيم مشارة

محمد الماغوط (سلمية ،حماه 1934/دمشق2006 ) ظاهرة شعرية حديثة بامتياز في الأدب العربي الحديث وهو …

نـجيــب طــلال: باب ما جاء في احتفالية النــضــال (02) !!

بــاب الــنـضـــال : وبناء على ما سبق قوله ؛ فالنضال أساسا وظيفة ذاتية تلقائية لا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *