أحمد الشطري: تقنية الاسترجاع في رواية قصر الثعلب لإبراهيم سبتي

في روايته (قصر الثعلب) الصادرة عن دار الفؤاد للنشر في القاهرة عام 2019، اعتمد القاص والروائي ابراهيم سبتي اسلوب (الرؤية الذاتية او الرؤية الداخلية)، ووفقا لهذا الاسلوب فان الراوي سيكون عالما بقدر ما تعلم الشخصية التي يتحدث من خلالها، والتي ستكون مشاركة في سير الاحداث ومجرياتها، كما اشار الى ذلك
تودوروف في تقسيماته للرواة، وقد اتاح هذا الاسلوب للراوي حرية التنقل في سرد الاحداث، سواء على الصعيد المكاني او الزماني، كما مكنه ايضا من الانتقال الحر بين السرد الوصفي و الحواري الذي غالبا ما يكون (مونولوجيا). وغالبا ما تتيح هذه التداعيات المونولوجية للراوي استخدام تقنية الاسترجاع هذه التقنية التي تفتح الفضاء السردي للتنقلات المكانية والزمانية المختلفة.
وقد قسم جيرار جنيت الاسترجاع في كتابه(خطاب الحكاية) الى ثلاثة انواع:
1- “الاسترجاع الخارجي: وهو الذي يقع خارج سعة الحكاية الاولى
2- الاسترجاع الداخلي: وهو الذي يتناول خط العمل نفسه الذي تتناوله الحكاية الاولى.
3- الاسترجاع المختلط: وهو ذلك الذي يجمع بين النوعين الداخلي والخارجي”
ولكل نوع من هذه الانواع اثره الخاص وفاعليته في خلق حالة من التنوع كفيلة بكسر رتابة السرد، وفتح فضاءات زمانية ومكانية متنوعة، تساهم في البناء التصاعدي للحكاية الرئيسية، وتمتين خيوط التفاعل والانجذاب النفسي لدى المتلقي مع مسيرة الحدث السردي.
وفي روايته هذه استخدم ابراهيم سبتي الانواع الثلاثة للاسترجاع كوسيلة للتنقل بين حشد الحكايات التي تجري في فضاءات متعددة؛ لتصب في الخط العام لسير الحكاية الرئيسية، مشكلة صورة اشبه ما تكون بصورة الروافد التي تتخلى عن ذاتيتها لصالح المجرى العام للنهر الكبير، إن هذه الحكايات الفرعية والتي ترتبط احداثها مرة بذات الراوي ومرة بذوات الآخرين يتم الاستعانة بها؛ لتقوية مسار الاحداث التي تجري في اطار الحكاية الاولى. وخلق مفارقات زمانية تسهم في الاثراء البلاغي للعملية السردية، ومن الامثلة التي يمكن لنا ايرادها هنا و التي حفلت بها الرواية، تلك الانتقالة التي قام بها الراوي لسرد حكاية عبد الهادي صديقه الذي توفي في الهند على اثر عجز كلوي. وقصة خليل اخي عبد الهادي الذي مات مختنقا في احدى الشاحنات في طريق هجرته اللاشرعية الى النمسا. فقد جاءت هاتان الحكايتان لترسمان صورة استباقية للمستقبل المجهول الذي من الممكن ان تؤول اليه رحلته، ولذلك فهو يستخدم نتائجهما كمحفز؛ لتجنب ذلك المصير المرعب، وقد شكلت هاتان القصتان نموذجا للاسترجاع الخارجي في مسار هذه الرواية.
بينما نجد استرجاعات اخرى تتعلق مرة بالماضي البعيد ومرة بالماضي القريب للشخصية الرئيسة، والتي تتمثل بالربط بين مشاعره في اللحظة الآنية تحت وطأة الخطر المحدق به، ومشاعره في لحظات حياته العسكرية اثناء شن قوات التحالف لهجومها على الجيش العراقي في ما سميت بعاصفة الصحراء، و صورة الطائرات التي راحت تلقي بقنابلها بالقرب منه، مؤكدا على الصورة البشعة لاحد الطيارين العابثين والذي كان يتسلى بقتل الجنود العزل، وهم يبحثون عن طريق آمن يعود بهم الى ديارهم.
لقد مثلت هذه الحكاية استذكارا داخليا يعكس صورة من الماضي البعيد، بينما تمثل الماضي القريب بحادثة التسليب التي تعرض لها الراوي وهو يسير في شارع الرشيد وسط بغداد في الفترة التي اعقبت الاحتلال، والتي شهدت حالة من الفوضى والانفلات الأمني.
كما تجسد النوع الثالث والمتمثل بالاسترجاع المشترك في انتقالة الراوي لسرد حادثة انفجار (السيارة الملغمة) التي استشهد فيها اخوه أحمد الناصري ومعه مجموعة من ابناء المنطقة قرب ملعب رياضي، وصورة ذلك الاب المكنى (ابو آدم الخباز) وهو يبكي اولاده الثلاث الذين استشهدوا في ذلك الانفجار، والصورة الوصفية التي رسم لنا فيها شخصية اخيه أحمد الناصري ومدى تعلقه بالبطل الهوليودي.
لقد ساهمت هذه الاسترجاعات بشكل وآخر في تمتين مسار الحكاية الرئيسية، واعطائها مدى وسعة على صعيد البعدين الزماني والمكاني. وان كانت بعض الاسترجاعات تبدو للوهلة الاولى وكأنها مجرد حشو لا علاقة واضحة له في البناء التصاعدي للحكاية، الا انه بلا شك يشكل دفقا اضافيا في تنمية التفاعل النفسي مع الحدث للراوي والمتلقي على حد سواء.
ارتكزت نقطة انطلاق الحكاية على ركيزتين تمثلت احداهما بمجريات رواية قرأها الراوي وتأثر بها، بينما تمثلت الاخرى بمجريات حلم بني على حالة من اعجاب منتحلة بنجم سينمائي امريكي، اذ ان الشخصية الرئيسة في الرواية لم يكن هو المعجب بهذا النجم الذي اصبح عامل تهديد لحياته، وانما كان المعجب هو اخوه الذي استشهد بانفجار سيارة مفخخة.
ورغم ان نهاية الرواية والتي توضح بان مجرياتها هي عبارة عن حلم تبدد مع لحظة استيقاظ الشخصية الرئيسة، الا اننا نشعر وكأن الروائي قد حاول ان يخلق لنا نوعا من المفارقة، ولولا اشارته في بداية سرده لأحداث الرواية بانها مجرد حلم، لكان لعنصر المفارقة وقعا اكثر عمقا واقوى اثرا في نفس المتلقي، الا ان ابتداء الراوي السرد بجملة (حلمت ذات ليلة خريفية) ساهم في تحديد ملامح الصورة التي ستنتهي بها الحكاية. ولعل الروائي بإشارته الى ان مصدر الحكي هو (الحلم)، اراد ان يوحي لنا بانه لم يشأ ان يدخل عنصر المفارقة في لعبته السردية، رغم ان استخدام ذلك كان من الممكن ان يكسب الرواية باعثا ادهاشيّاً وجماليّاً يضاف الى جماليات السرد الأخرى.
ان رواية قصر الثعلب بما حفلت به من احداث تمثل سجلا توثيقيا لوقائع مأساوية شهدها العراق في فترة التسعينات وما بعدها، وتكشف عن حجم الرعب والآلام التي خلفتها تلك الوقائع المأساوية في نفوس الذين عاشوا مجرياتها.
وقد تمتعت الرواية بلغة منسابة محملة بالكثير من عناصر التشويق والادهاش تكشف عن مدى تمكن ابراهيم سبتي من ادواته الابداعية.

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: حامد عبدالحسين حميدي…. فاعلية النقد.

*سمعت، ذات محاضرة لاستاذ هجر كتابة القصة القصيرة، التي كان مغرماً بها الى حد، لم …

محمد الماغوط: تراتيل المواجع على أرصفة المقاهي
إبراهيم مشارة

محمد الماغوط (سلمية ،حماه 1934/دمشق2006 ) ظاهرة شعرية حديثة بامتياز في الأدب العربي الحديث وهو …

نـجيــب طــلال: باب ما جاء في احتفالية النــضــال (02) !!

بــاب الــنـضـــال : وبناء على ما سبق قوله ؛ فالنضال أساسا وظيفة ذاتية تلقائية لا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *