علي السوداني : فلم سهرة طويل

هذا مشهد آخر ، كله مجلبة للشجن . ألشجن أقل ترويعاَ من الحزن . لم يكن فلم الليلة مغرياَ . كان أقرب الى السخف . بطل الفلم أرعن . بصّاص برقبته منظار يدور ليلاَ على نوافذ نصف مضاءة . ألأرعن اقتنص الليلة منظر رجل وأمرأة . ألرؤية ليست واضحة تماماَ . ظل باهت لشفاه تتماصص ، ثم يهوي الجسدان فوق سرير لا يبدو في المشهد ، وقد خلّفا للفتى الأرعن البصاص ، تفصيلات محرقة ، وكدمات زرق فوق المخيال . في النهار ، يدور ناظور البطل الذي قلت عنه قبل ثلاثة سطور أنه أرعن ، يدور على حبال الغسيل . يمر سريعاَ على البنطلونات والقمصان والبجامات والشراشف والمناشف ، ويتوقف طويلاَ قدّام حمالات الأثداء واللبسان الملونة . في هذا الآن من الفلم ، ثمة طرق مموسق فوق باب النزل . يرتبك البطل كما لو أنه واحد من قتلة هادي المهدي ، ويقوم بأخفاء الدربيل المكبر تحت السرير ، ويهرع لفتح الباب بعد بصة حريفة عبر العين التي تسميها الناس ، العين السحرية . أمرأة سمراء خلاسية ، بملابس لا تمنح المخيلة ، حرية الحركة والأنزياح . في هذا الآن من الزمان ، وقع طبل خفيف آخر على الباب . ليس باب البطل هذه المرة ، بل بابي . جارتنا السمينة الفطيرة العطرة ، طلبت شراباَ خافضاَ لحرارة البدن . فاتني من فلم السهرة خمس دقائق . جارتي السمينة ، ام زنود عارية ، غادرت ممتنة ، وأنا عدت الى مقعدي . ألمشهد صار عند شاطىء بحر . حوار مباغت بين المرأة القمحية المهيّجة ، وبين بطل الفلم الأرعن البصّاص . عرفت من أوشال الجدل ، أن المرأة الحلوة ، تشتغل عارضة أزياء ، والبطل الأرعن ، يهوى صيد السمك ، فضلاَ عن البصبصة . ألخلاسية طلبت من الأرعن أن يهديها أول سمكة تتفخخ بصنارته . ابتسم بطل الفلم وقال بطريقة ممسرحة بدقة : ان أهديتك سمكة ، فقد أكون وفّرت لك وجبة لذيذة واحدة ، لكن لو علّمتك مهنة صيد السمك ، لجعلتك العمر كله ، تنعمين بأطيب الوجبات . في هذه القولة المدوية ، قررت اعادة النظر ، بفكرتي الراسخة عن بطل الفلم الذي وصمته عشر مرات بأنه أرعن . ألحق الحق ، أنه ليس بأرعن ، وقولته الفائتة قبل سطر ونصف السطر ، لا يقولها الا نسكة الهند والصين وما حولها . ألفلم الذي قلت عنه في يمين السطر الثاني من هذا المكتوب ، بأنه أقرب الى السخف ، صار الآن فلماَ حكيماَ قوياَ هاماَ . في البدء ، قززني وجه البطل البصّاص . عينان مكحلتان ، وقرط لمّاع يتدندل من أرنبة الأذن اليسرى ، وآثار شق في خاصرة الشفة السفلى . وجه مضعضع تشيل تفصيلاته ، تأريخاَ مكتظاَ بالتخنيث . أنا اللحظة ، أحب هذا البطل الذي لم يعد أرعن ومخنثاَ . ثمة قطع جديد ، ليس في زمان الفلم ، انما في زمن ليلتي هذه . بكاء خفيف من الولد الجميل نؤاس . نؤاس محصور بولة . حملته الى الحمّام . نؤاس بال واستراح . أعدته الى سريره . من باب الغرفة ، لوحت له بالخمسة ، فردّ عليّ برشّة بوسات صوتية . عدت الى كرسيي المصلوب قدام الشاشة الصغيرة . ثمة قطع ثالث . اعلان باذخ عن عقال وياشماغ . اشهار منفّر عن حفاظات نسائية آمنة . دعاية ثالثة لفلم أمريكاني مدبلج صوب عربية شعبية ، يظهر فيه روبرت دي نيرو وهو يصرخ بوجه آل باشينو : يا زلمة حل عني ، فيرد عليه المكار باشينو ، بهدوء بديع يشبه هدوء سليم البصري : يبدو أن الملح والزاد ما غزّر بيك ، امشي ولّي يا طايح الحظ يا زبالة . هنا تتدخل بين الأثنين ، الجميلة المدهشة ، أنجيلينا جولي وتطلب منهما أن يتباوسا على نغم جملة مغناج : عيب يا جماعة ميصحش كده . الى هنا ينتهي الأعلان ، وتنتهي معه شهيتي في مواصلة سرد أحداث فلم الليلة الطويل . تصبحون على خير وعافية وسعد وبلاد ممكنة .
alialsoudani2011@gmail.com

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| مهند النابلسي : كيف تصبح كاتبا عظيما من وجهة نظر”ستيفن كينغ” …اضافة لوجهة نظري؟! .

  ابق متزوجا وانعم بصحة وعش حياة جيدة، امتلك الشجاعة للتخلي عن الأجزاء والجمل المملة، …

| بكر أبوبكر : النازية والصهيونية، ومحمود عباس .

ولد الزعيم النازي أدولف هتلر في 20 نيسان 1889 في مدينة براوناو النمساوية على نهر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.