صباح هرمز: “وحدها شجرة الرمان” لسنان أنطوان

قد لا يكون أختيار سنان أنطوان لموضوع غسل جثث الموتى بحد ذاته من الأهمية، بقدرما تكمن أهميته بالطقوس والشعائر التي تتم بها غسل هذه الجثث، هذه الطقوس التي تعجز أقوى إرادة الإنسان أن تصمد بوجهها، لما تتسم بالهلع، وتبعث على الإشمئزاز والقرف و الغثيان، رغم أنها عملية تطهير، وهنا تكمن المفارقة، ظاهرا من النجاسة، وباطنا في تصفية النفس البشرية من الضغائن، مثلها مثل الأحداث الكارثية التي مرت بالشعب العراقي، إبتداء من الحرب العراقية- الإيرانية، مرورا بحرب الخليج، وإنتهاء بالإحتلال الأمريكي، وما جاء به من سياسيي الصدفة، وتوازيها من حيث إلتقاء كلا المنحين، الحرب وطقوس غسل الموتى في مصب واحد، ألا وهو الموت.
تدور أحداث هذه الرواية في العاصمة بغداد، وإنتقاء مكان الرواية له مدلوله، بتعميم ما يحدث من الإنفلات الأمني في القتل على الهوية، والضحايا التي تزهق أرواحها يوميا نتيجة الإنفجارات في كل المدن العراقية، وليس بغداد وحدها. والمكان فيها أهم من الأحداث، لا الأحداث التي تقع في الفضاء الضيق والمحصورة داخل مغيسل الموتى، وإنما الأحداث التي تقع في الفضاء الواسع للرواية. والمكان هنا رمز، تؤكده التقنية المكانية، لتفاعل المكان الخارجي مع المكان الداخلي، أي بتوازي ما يحدث في الفضاء الواسع مع ما يحدث في المغيسل، إذ في كلا المكانين يحضر الأجل. ليصبح المكان بؤرة الصراع في الرواية.
وبالرغم من أن الرواية تقع في مئتين وأربع وخمسين صفحة، إلآ أن شخصياتها قليلة، قياسا بحجمها، وهذا ما يكاد أن ينطبق على أحداثها، للتشابه القائم بين هذه الأحداث من جهة، ومنحها المعنى نفسه من جهة أخرى. إن أهم شخصيات الرواية هما ساردها (جواد) الطالب في كلية الفنون الجميلة – قسم الفنون التشكيلية، والعامل في مغيسل الموتى مع أبيه، ثم يعمل لوحده بعد موت أبيه، ويعاونه فيه حمودي، وشخصية (ريم) الطالبة في كلية الفنون الجميلة- قسم المسرح- بالإضافة الى الأم الرامزة الى الوطن، لأن أبنها جواد يتركها، سعيا للرحيل الى المنفى، إلآ أن السلطات الأردنية، تعود به مضطرا الى العراق، وإستشهاد أبنها الطبيب في الحرب العراقية- الأيرانية، وشخصية الأب الرامزة الى الشعب العراقي بقوة أعصابه، وحبه لأولاده، وتربيتهم والعناية بهم، وتحمله للمصاعب الكبيرة، ناهيك عن شخصية حمودي الرامزة الى الطبقة المسحوقة من عامة الشعب الذي راح ضحية إحدى العمليات الإرهابية في سوق الشورجة ببغداد.
نزع المؤلف الى تقسيم روايته على أرقام، تبدأ من الرقم (1)، وتنتهي بالرقم (55). مكرسا (11) منها للحلم، والبقية البالغ عددها (44) لسرد الأحداث. وعمد الى أن تشرع بالحلم، كونه كابوسا وأملا في آن، يلتقي سارده مع الموت و يسعى الى مواجهته. وتبدأ وتنتهي كل الأحلام، ما عدا حلم أو حلمين، في مغيسل الموتى، أو إقترانا بهذا المكان. والحلم الأول هو أكثر الأحلام غموضا، لإيجازه فحوى أحداث الرواية بمصطلحات ورموز بعيدة عن تصورات المتلقي، ولكن ربط عري ريم، ( بدون أن يأتي على ذكر أسمها)، وهي تنام على دكة مرمر مماثلة للدكة التي تمدد عليها جثة الميت، ودعوة السارد (جواد) أن يغسلها بماء المطر، (دون أن يأتي على ذكر أسمه أيضا)، يسهل القصد من توظيف الدكة والماء معا، لعدم وجود الماء في المنطقة الرملية التي يلتقيان فيها، بالإيحاء الى مكان مغيسل الموتى الذي يعمل فيه جواد مع أبيه.
إن المؤلف لكون هذا الحلم، مدخلا للرواية، يسعى الى تهيئة المتلقي لإستقبال مديات العلاقات القائمة بين ريم وجواد، وتصوير الأجزاء المهمة منه بأسلوب درامي، كما في لقطة إختطاف ريم من قبل أزلام البعث. بينما لم يستخدم هذا الأسلوب في علاقة جواد الجنسية مع ريم، وإصابة ثدييها بمرض السرطان، وهجرتها له، بعودتها من الغربة، وأكتفى بسردها في جملة واحدة، لتتأرجح كفة مشهد الإختطاف على العلاقة الجنسية، وإصابة ريم بالسرطان، بإعتبار أن الحروب العراقية هي الأساس في النتائج التي أفضت إليها. وأبرزها هجرة الشعب العراقي.

الروائي سنان أنطوان

يشبه عري جواد وريم في هذا الحلم، وهما في فضاء لا أحد فيه ما عداهما، بعري آدم وحواء في الجنة، والخطيئة التي أرتكباها لأكلهما من شجرة التفاح التي حرمهما منها الله. وقد عادت ريم من الغربة، وتطلب من جواد أن يغسلها، حتى يكونا سوية، في إشارة الى طردهما من الجنة، ومواجهة عذابات الحياة. أما، ما هي خطيئتهما، فهي أغلب الظن، ممارستهما للعملية الجنسية بتخطيهما للشرائع السماوية، مثلهما مثل آدم وحواء. إن تشبيه جواد وريم بآدم وحواء، ليس بوصفهما أنموذجا للخطيئة وإنما في كونهما ضحية، إقترانا بما أفرزته الحروب الثلاث، فضلا عن غزو داعش لمعظم الأراضي العراقية، وتعاقب الحكومات الفاسدة على دست الحكم، ما أدى الى تدمير الشعب العراقي، نفسيا وإجتماعيا وإقتصاديا.
إن إستحضار الماضي في عملية إختطاف ريم، وملاحقة الموت لجواد حتى في منامه، إيماءة الى الوضع الأمني غير المستقر، ودليل الى أن الشعب العراقي كان يعيش برغد وسعادة، ولكن بدخول حكوماته في حروب مع دول الجوار، طفقت هذه السعادة تنفلت من بين يديه، ويحل محلها الدمار والموت. فبدلا من إنزال العقاب بالحكام، يناله الشعب، متمثلا هذا العقاب بجواد وريم، وهنا تكمن المفارقة، شأنها شأن المفارقة القائمة بين مكان مغيسل الموتى، وطريقة غسل الموتى من جهة، وبين نجاسة الماء التي تسقي شجرة الرمان، وثمار هذه الشجرة التي تثمر وتأكل من جهة أخرى. أي بين الآسن والنظيف، والأسود والأبيض، والشر والخير.
إن بنية هذا النص تقوم على تقنية المكان من خلال التعويل على المفارقة، وضخه بالمدلولات، والإشتغال على مستويات التكوين، والتناص.
إن إشتغال المؤلف في مكان معين أكثر من الأماكن الأخرى في النص، لا يلغي تقنية الأماكن الثانوية التي أشتغل عليها المؤلف، أو يقلل من شأنها، ذلك أن المتن الحكائي للنص هو الذي يقوده السير بهذا الإتجاه، وتبني هذا المنحى. كما في إشتغاله على مكان ( مغيسل أجساد الموتى) أكثر من الأماكن الأخرى كالدور والشوارع والأبنية، إذ أن فاعلية ضغط وإقتحام المكان الخارجي للمكان الداخلي المتمثل بالمغيسل، أفضى الى تجسيد تقنية المكان. وتوظيف مثل هذه التقنية، تؤدي الى عدم حصر المكان في مدلول معين، وإنما تمنحه الشمولية، بإعتباره علامة، تزيد من نشاط المكان نفسه، وتعمق مغزاه. بدليل أن مغيسل الموتى، يمكن قراءته وتأويله بمختلف الإتجاهات، بوصفه مثلا، رمزا لبيت كل العراقيين، طالما لا ينجو أحدهم من زيارته.
وبمثل ما أشتغل أنطوان على تقنية المكان، كذلك فقد أشتغل على مستويات التكوين المكاني الذي يعبرعن الخلجات التي تدور في ذهنية الشخصية المحورية، أزاء الأمكنة التي يتفاعل معها في الرواية، سلبا أو إيجابا. فقد تفاعل الأب إيجابا مع المغيسل، بينما أبنه بعكسه، تفاعل سلبا.
( تعجبت من قدرة أبي على العودة الى إيقاع الحياة العادية بسهولة بعد كل مرة يغسل فيها، أو بعد كل يوم يقضيه هنا كأن شيئا لم يكن. كأنه ينتقل من غرفة الى أخرى ويترك الموت وراءه، وكأن الموت خرج مع التابوت وذهب الى المقبرة وعادت الحياة الى المكان. أما أنا فكنت أشعر بحضور الموت في المكان كله حتى بعد أن رحلت الجثة وخيل لي بأن الموت كان يلاحقني الى البيت. أستحوذت علي حقيقة أن كل ما يشتريه لنا أبي كان بفضل الموت وحتى ما نأكله كان الموت هو الذي يشتريه لنا).
إن التعميذ والتطهير صنوان، تعود العملية الأولى للديانة المسيحية، والثانية للديانة الأسلامية، ولكن الطريقة التي يستخدمها المؤلف في غسل ريم بمياه المطر، أقرب الى الأولى منها الى الثانية، ذلك أن الطفل أثناء تعميذه من قبل الكاهن، يمسد بسبابته بقطرة ماء على أنفه، وفوق حاجبيه، وربما أراد المؤلف بهذه الطريقة أن يعيد ريم الى طفولتها، ومن خلال هذه الطفولة الى البراءة، لتتجرد من كل الذنوب الذي سببتها لنفسها، وأخطأت بحق جواد، وتواجه ربها، وهي عفيفة النفس، طاهرة. (ذلك أنها هاجرت الى الخارج، دون أن تبلغ جوادا لإصابتها بمرض السرطان)، وبهدف بلوغ هذه الشفرة، فقد أستخدم المؤلف في حدود صفحة ونصف الصفحة، مفردة (غسلني) ست مرات، ومفردة (المطر) خمس مرات.
إن حلم السارد، بقدر ما أتسم بالشفافية، بالقدر ذاته كان مشبعا بالضبابية، عبر توظيف الماضي لإستحضاره، ما أدى أن ينقلب هذا الحلم الى كابوس، حتى قبل قدوم أفراد العصابة. لذلك فمن الطبيعي أن يسير الحلم الى نهايته على النهج الذي بدأ فيه. وهذا ما فعله المؤلف بعد قدوم العصابة، إذ مثلما أشاع جوا غريبا، بلقاء جواد لريم وهي نائمة على دكة مرمر في مكان مكشوف بلا جدران أو سقف، هذا الجو الأقرب الى الفنتازيا منه الى الواقع، كذلك فقد أشاع نفس الجو أثر محاولة جواد حماية ريم، وذلك من خلال سقوط رأسه على الأرض وتدحرجه على الرمل ككرة، ورآى جسده الى يسار الدكة راكعا وسط بركة من الدماء. وتظل هذه الغرائبية متشبثة بالحلم حتى بعد إنتهائه، إذ يصبح الحلم واقعا، أو إنه كذلك، بتسلل المطر من الخارج: (سمعت صوت تساقطه على زجاج النافذة قرب سريري.).
وفي الحلم الثاني، وإن لا يأتي المؤلف على ذكر الشيخ الهرم الذي أيقظ جواد من نومه، طالبا منه أن يكتب أسماء الذين سيقطف أرواحهم يوم غد، فإن هوية هذا الشيخ واضحة، وهو الملائكة، ويطلب منه كذلك، للدلالة على العدد الكبير من العراقيين الذين تزهق أرواحهم يوميا: (أغمض عينيه وأخذ يقرأ مئات الأسماء المختلفة). وفي هذا الحلم كالحلم الأول، تطهر أجساد الموتى، أو بمعنى أدق، نزولا تحت رغبة الملائكة، تطهر في مغيسل جواد.
وأحداث الحلم الثالث، تقع أيضا على الدكة، لكنها ليست في المغيسل، بل في مكان آخر بلا نوافذ وبسقف عال وبأضواء نيون. في إيماءة الى الفضاء الواسع لجغرافية العراق: (كانت الدكة طويلة جدا، تمتد لعشرات الأمتار وعليها حزام أبيض متحرك أصطفت عليه الجثث)، أي لم يعد للدكة وسعا لإستيعاب ضحايا الحزام الناسف . أما أصحاب البزة الزرقاء فهم رجال المطافيء، يحاولون إطفاء الحرائق، وإنتشال الضحايا، وإلقائها بلا مبالاة في شاحنة كبيرة.
وإذا كان المكان يوحي الى عموم العراق، والحزام الأبيض الى الحزام الناسف، فإن الطاسة، توحي الى مغيسل الموتى، تحديدا لمغيسل والد جواد، ذلك لإستخدامها في المحل، وما يزيد من هذا الإحتمال، إحتمال كون المكان محل مغيسل الموتى، رؤية جواد لوالده، وقد جلس في الزاوية على كرسي ومسبحته بيده، كما كان في السابق، وهو يصرخ: ماذا تنتظر؟ في إشارة لدعوته الى الإسراع في غسل أجساد الموتى. ويوحي الحلم الرابع الى دفن الموتى بدون تطهير، والحلم الخامس الى فقدان ريم لأنوثتها، لوقوع الرمانين من ثدييها، في إشارة الى بترهما، والحلم السادس الى مخالفة جواد لقوانين غسل الموتى، والسابع الى تخلي جواد عن عمله رغما عنه، والثامن الى موت الشعب العراقي بأكمله، والتاسع الى الموت أيضا، والعاشر الى وقاحة الميلشيات، والحادي عشر الى عدم إستثناء أي فرد من الشعب العراقي من الموت، وقد فقد كل واحد منهم أحد أعضاء جسمه، وبلغت هذه الظاهرة حدا، بات من الضروري، حفظ الأعضاء المبتورة لتركيبها في الأجساد القادمة كل يوم. وتذكرنا الجملة الأخيرة برواية ( فرانكشتاين في بغداد) لأحمد سعداوي، تحديدا بشخصية هادي العتاك، وهو يقوم بتركيب الأجساد المبتورة.
ترى هل ثمة خطوط، أو حتى خيط مشترك بين هاتين الروايتين اللتين صدرتا في العام نفسه 2013 ؟
يبدو لي أن التناص القائم بن هذين النصين يتمحور في أربعة خطوط هي:
1- طقوس غسل جثث الموتى. في (وحدها شجرة الرمان)، بطريقة لا يستطيع ممارستها إلآ أصحاب الأعصاب الفولاذية، يقابلها في ( فرانكنشتاين في بغداد)، نفس الطريقة البشعة التي تعجز أقوى الإرادات التعامل مع الأعضاء المبتورة بتركيبها لجثث ضحايا الإنفجارات الإرهابية:( تقدم هادي أكثر داخل الحيز الضيق حول الجثة، وجلس قريبا من الرأس. كان موضع الأنف مشوها بالكامل. وكأنه تعرض لقضمة من حيوان متوحش. كان الأنف مفقودا. فتح هادي الكيس الجنفاصي المطوي عدة طيات، ثم أخرج ذلك الشيء الذي بحث عنه طويلا خلال الأيام الماضية، وظل مع ذلك خائفا من مواجهته. أخرج هادي أنفا طازجا ما زال الدم القاني المتجمد عالقا به، ثم بيد مرتجفة وضعه في الثغرة السوداء داخل وجه الجثة، فبدا وكأنه في مكانه تماما، كأنه أنف هذه الجثة وقد عاد إليها. . . ).
وحدها شجرة الرمان:( أدخلت يدي ببطء الى الكيس. كان ملمسه غريبا وبشرته متصلبة كأنها بلاستيك سميك. شعرت بالتقزز وحملت الرأس الى الخارج. أحترت كيف أضعه على الدكة. حاولت أن أضعه كما أضع رأس أي ميت لكنه مال جانبا بحيث أصبح خده الأيمن على الدكة. . .).
2- رهبة المكان الداخلي. في (وحدها شجرة الرمان) محل غسل الجثث:(دكة المرمر التي يغسل عليها الموتى، ترتفع طرفها الشمالي قليلا، كي يسيل الماء ولا يتجمع، كان عمر المكان أكثر من ستة عقود. . كانت الجدران والسقف مطلية بلون أبيض مائل الى الصفرة، ولكن الزمن والرطوبة كانا قد جعلا بعض المواضع ، خصوصا في السقف، تتقشر وتبدو كأوراق خريفية على وشك السقوط. . .). وفي ( فرانكشتاين في بغداد) بيت هادي العتاك:(إنه ليس بيته، وهو ليس بيتا على وجه الدقة. فأغلب ما فيه مهدم، وليس هناك سوى غرفة في العمق ذات سقف متصدع. . . دخل الى سقيفة خشبية صنعها من بقايا الآثاث والقضبان الحديدية والكناتير المخلعة المسندة بنصف حائط قائم لوحده. قرفص هادي عند طرف منها . كانت المساحة المتبقية مشغولة بشكل كامل بجثة عظيمة. جثة رجل عار تنز من بعض أجزاء جسده المجرح سوائل لزجة. . .).
3- ضحايا كلا النصين بفعل العمليات الإرهابية والحروب.
4- تحدث كل العمليات الإرهابية في الفضاء الواسع( الخارجي) وتغسل الجثث وتركب الأعضاء المبتورة في الفضاء الضيق (الداخلي)، محل المغيسل و البيت.
معظم الأحداث في هذه الرواية، تفضي الى مغيسل الموتى، ما عدا الأحداث الجارية في بناية معهد الفنون الجميلة، ودار (أبو أمير)، و(أبو ريم)، بالإضافة الى الأحداث الجارية في شوارع المدينة، والبالغ عددها بحدود خمسا وعشرين. ما يعني أن أكثر من نصف الرواية، مكرسة لهذا الغرض، وتسير على هذا النهج، من بدايتها الى النهاية.
إن وجود ريم وجواد في مكان يوحي الى (الصحراء)، لكون أرضه رملية، وعدم وجود الماء فيه، لا يعني أن المكان هو كذلك، بدليل أن توفر الوسائل المستخدمة في مغيسل الموتى كدكة مرمر، ينفي هذا الشيء، ويؤكد أنه المغيسل الذي يعمل فيه جواد مع أبيه، وأن ريم قبل موتها، أو بعده، لا فرق، (لأن هذا المشهد سوريالي)، عادت من الغربة، طلبا لتطهير جسدها من قبل جواد. والأجساد لا تطهر إلآ في المغيسل.
-غسلني حبيبي .. غسلني حتى نصير سوية.
-إبيش؟ ماكو شي هنا؟
-غسلني حبيبي.
والأحداث المدرجة تحت الرقم (2 و3و4و5)، تنحو المنحى نفسه، بختامها في مغيسل الموتى، ولكن تصور من منظور واقعي، وبإيجاد مسوغ تحقق بلوغ المغيسل. فأحداث الرقم (2)، متمثلة بالأم وأبنها جواد، ينشدان هذا الهدف، بحجة جلب طعام الغداء للوالد الذي نسيه في ذلك اليوم. غير أن الهدف الحقيقي للمؤلف من هذه الزيارة هو إطلاع جواد على الجو العام للمغيسل، لأنها أول زيارة له.، أي ملاحظة ما يجري في مدخل الممر الضيق فقط، حيث ينتظر فيه أقرباء الميت ومعارفه لحين الإنتهاء من غسله، دون أن يسمح له أن يرى ما يحدث في الداخل، مع أنه سمع صوت مياه تدلق بإستمرار، ورآى رجلا بالغا يبكي.
-يمة ليش يبجي هالرجال؟
وضعت سبابتها على فمها لتسكتني وهمست: عيب.
أما أحداث الرقم (3)، متمثلة بجواد، يبلغ المغيسل لإخبار والده بإستشهاد شقيقه أمير الذي يكبره بخمس سنوات. ربما فقط لأنه أراد أن يكون أول من يعانق والده ويقبله ويبكي على صدره. وكانت هذه المرة الوحيدة التي يبكي فيها والده:
(. . . عانقته بقوة أكبر وشعرت بأننا تبادلنا أدوار الأبن والأب لدقائق. بللت دموعه الحارة خدي. . . ).
وجملة: (كانت هذه المرة الوحيدة التي يبكي فيها والده). تذكرني برواية: ( أنا شلومو الكردي والزمن) لسمير النقاش، وقد جلس شلومو البالغ مائة عاما في سربره، وهو يتحدث عن تمسكه بتقاليد وعادات عصره، وقوة عزيمته التي لا تقهر، هذه العزيمة التي حدته ألآ يبكي طوال عمره سوى مرتين. . .
ومرد بكاء الأثنين، شلومو وأبوجواد، مصدره من منبع واحد. فإذا كان أبو جواد قد بكى لإستشهاد أبنه أمير، فإن شلومو بكى لإستشهاد أسمر زوجته، وإستشهاد أطفاله الثلاثة: ( مرة يوم ذبحوا أسمر أم البنين (زوجته) ومرة يوم قتلوا أستير الصغيرة وأستير وناحوم).
وأحداث الرقم (4) متمثلة بجواد أيضا، لمراقبة كيفية تعامل والده وحمودي مع الجثة أثناء غسلها، وإطلاعه على موجودات المحل لكل الدواليب التي تحتوي على المواد اللازمة لتطهير جسد الميت، مثل السدر والكافور والقطن والأكفان. . .و . . . و. . . والرقم (5) لإقشعرار جلد المتلقي من خلال إحساس جواد بنفس الشيء، وهو يرى الشاب الذي دهسته سيارة مسرعة، وكأن قطيعا من الذئاب هجم عليه وسلخ الكثير من جلده ونهش لحمه.
لم يلجأ المؤلف الى تصوير مشهد غسل جثث الموتى، إلآ بعد موت أمير. كقاريء وإنطلاقا من نظرية التلقي عند هانس ياوس في أفق التوقع، كنت أتوقع بعكس ذلك، أن يأتي تصوير مشهد غسيل جثث الموتى قبل موت أمير، لأن هذه الأسبقية لم تكن لتضاعف فاجعة إستشهاده فقط، وإنما كانت، لأن المتلقي (عرف كيف يغسل جسد الميت) ستخلق لديه نوعا من الذهول، يختلف عن الذهول في غسل أجساد الموتى الذين لا يعرف عنهم المتلقي أية معلومة، ولعل هذا الذهول، يقوده الى السؤال التالي، وهو سؤال يتجاوز الذهول، ويبلغ حد الخوف والهلع والرعب: ترى هل أن أبا أمير سيقوم بغسل جسد أبنه؟!
تهرب المؤلف من الإجابة على هذا السؤال، وحجب موضوع تطهيره عن المتلقي، وحسنا فعل، أقول حسنا فعل، إقترانا بمسرحية عطيل لشكسبير، حيث يحجب مشهد خنق ديزدمونة من قبل عطيل أمام الجمهور. بينما عندما يموت الأب لا تتوانى الأم بأن تطلب من أبنها جواد لأن يقوم بغسل جسد أبيه، ورغم ذلك لا يستطيع أن يلبي طلبها. ويكتفي بأن يدير ظهره لحمودي الذي يقوم بدلا عنه بأداء المهمة.
لا تسير أحداث الرواية بشكل متسلسل ومنتظم، أو بصورة تقليدية، بل بقفزات زمنية، يتقدم فيها في كثير من الأحيان الماضي على الحاضر، ولعل التعويل على هذا المنحى في بنائها الفني= الميتا – سردي، جعل من المؤلف ألآ يولي الأهمية المطلوبة لتقدم أو تأخر تصوير مشهد غسل الميت، قبل إستشهاد أمير. وأتبع هذ الأسلوب من بداية الرواية، تحديدا في مشهد إختطاف ريم، وفي القرار الذي يتخذه جواد، بالعمل في مهنة الصباغة، والتخلي عن المغيسل، وفي مشاهد أخرى كثيرة.
كما أنه يتبع أسلوب سرد التفاصيل، بعد وقوع الأحداث، كما في موت أمير مثلا، إذ بدون الإشارة اليه، يباغت المتلقي بهذا الخبر بعد مرور عشر صفحات تقريبا من الرواية، وإذا كان قد أتبع الأسلوب نفسه مع ريم في مطلع الرواية، بالإشارة في جملة مقتضبة الى كل ما يجري لها من أحداث، فإن التصدي لهذه الأحداث لا تأتي إلآ بعد مرور خمسين صفحة من الرواية. وهذه الطريقة تجعل المتلقي في تفاعل معها، وأكثر إنشدادا للتواصل، وطلبا لمزيد من المتعة، تحقيقا للهدف المنشود، الا وهو النهاية الناجزة للرواية.
يحتل المكان المرتبة الأولى في هذه الرواية، وأقصد بالمكان هنا، محل مغيسل الميت، بدكته المرمر، وجدرانه وسقفه المطلية بلون أبيض مائل الى الصفرة، والتوابيت المصطفة في إحدى زوايا الغرفة، وتأتي طريقة تطهير الميت بالمرتبة الثانية، بمسح بطن الميت براحة اليد للتاكيد من خروج كل شيء، وغسل شعر الميت وفرك رأسه، وقلبه على جانبه، وغسل الجانب الأيمن، بادئا بالرأس ثم الوجه، فرقبته وكتفه وذراعه وكفه، بالإضافة الى وضع القطن بين فخذيه وآليتيه. . .الخ . . .
في الصفحات السبع المدرجة تحت الرقم (4)، يصور المؤلف على لسان السارد (جواد) محل والده، حيث تغسل أجساد الموتى، بلغة السينما، من لحظة وقوفه أمام عتبة المحل، وهو يشعر بشيء من الرهبة الى أن أنتهى والده من غسل الميت ، حيث تقيأ وتوعك لأيام.
ترى هل أراد المؤلف في أختياره لهذا المكان الذي تقترن به ماهية العمل، أن يحذو المتلقي، حذو بطل روايته (جواد) في شعوره بشيء من الرهبة، أو حتى التقيؤ، وتوعك لأيام؟!
تذكرني الإجابة على هذا السؤال بالأساليب التي يلجأ اليها المنضوون تحت لواء مسرح العبث من أجل بث الملل لدى المتلقي.
ولكن أكثر المشاهد رعبا، هو مشهد، فتح رجل عجوز لعينيه أثناء الغسل، وهز رأسه، في محاولة منه للنهوض، ومشهد غسل رأس مقطوع بدون جسم، ومشهد الرجل الذي مات محترقا، وقد غيرت الحروق الشديدة التي ألتهمت بشرته لونها في كل موضع.
إن غرائبية هذا المحل لا تكمن في بنايته العتيقة والمتهرئة والمواد التي تحتويه فقط، وإنما أيضا في تعامل المشتغلين فيه (كأبو جواد، وحمودي) مع أكل الطعام وشرب الشاي والإستماع الى الموسيقى، بشكل طبيعي، وكما يتعاملون معها في البيت.
في الوقت الذي كان جواد فيه، في طريقه الى محل الوالد، لإبلاغه عن إستشهاد أخيه أمير:( كان أبوه جالسا في الزاوية اليسرى في الغرفة الجانبية على الكرسي الخشبي يستمع الى الراديو كعادته).
وعندما أبلغته بذلك:( أحسست بأنه يريد الوقوف فخففت ذراعي ووقف ومسح دموعه. . . أطفأ الراديو. . ).
( دخل أبي وعلق سترته في المخزن ثم عاد ودلف الى الغرفة وجلس على الكرسي الخشبي وأدار الراديو).
( كان أبي طربا لصوت زهور حسين القادم من الراديو ومن الماضي. تداخلت أصوات ملاعقنا وهي تحرك الشاي في الأقداح الصغيرة. . .).
(قال له الصوت إنهم سيذهبون الى السيارة لجلب الميت. أسكت ابي الراديو الذي كان يبث أغنية قديمة. . . )
وبمقابل الوجه الدميم لما يجري في البلد، بشقي فضاءه الواسع والضيق، الخارج والداخل، من قتل ودمار ونهب وتجويع وتخويف وتشويه، يبرز الوجه الآخر لردم ما تم تخريبه، معبرا عنه بممارسة العملية الجنسية، بالترميز الى الأمل والخير والعطاء. ولكن لغلبة الوجه القبيح على الوجه الوسيم، والشر على الخير، وهذا هو ديدن المجتمع المتخلف المبني على قانون الغاب الذي يفترس فيه القوي الضعيف، فقد غاب سعي الخيرين مع أحلام الشعب العراقي، ببناء هذا الوطن على أسس سليمة، تستلهم مقوماته من الحضارة والتقدم. فهاجرت ريم وغيداء الى المنفى رغما عنهما، وتحت ضغط الظروف القاسية التي أجبرتهما على ذلك، ريم بسبب حروب صدام، وغيداء بسبب الحرب الطائفية للميلشيات بعد عام 2003.
وبالرغم من ذلك، فقد أستطاع المؤلف، تصوير العمليتين الجنسيتين بأدق تفاصيلهما، على نحو خاص بين جواد وريم، وأن يكسب توظيف ما يبررهما، وذلك من خلال إبراز السمات الجمالية والنزعة الإنسانية فيهما، بعكس الروايات التي تسعى الى إقحام الجنس فيها من أجل إثارة الغريزة الجنسية لدى المتلقي، وبمنآى عن التعويل على مسوغات توظيفه، تمهيدا لمواجهة الوجه الآخر المتمثل بالشر، عبر التزاوج بشجرة الرمان النابتة في الحديقة الصغيرة للمغيسل، والتي تروى من مياه الموتى، وتعطي ثمارها منها، فإن كلا العمليتين، العملية الجنسية، وعملية الإرواء، تصبان في نفس الخانة، وهي الولادة، وإعطاء الثمار. وما زاد من جمالية وإنسانية العمليتين الجنسيتين، وألق شجرة الرمان في حديقة المغيسل، هو صدور المبادرة بممارسة الجنس من قبل ريم وغيداء وليس جوادا، مثلهما مثل إغواء حواء لآدم، ذلك أن ريم هي التي تدعو جوادا بحجة طعام الغداء الى منزل أبيها، بينما غيداء تبادر بالدخول الى غرفته في الجولة الثانية للغزل. أما ما زاد من ألق شجرة الرمان فهو إنجذاب والد جواد اليها، وحبه الشديد لها:( كان هناك باب يؤدي الى حديقة صغيرة فيها شجرة الرمان التي كان أبي يحبها كثيرا).، وفي نهاية الرواية، يتضح سبب حب والده لها، وهو: (لأنها تشرب ماء الموت منذ عقود لكنها تظل تورق كل ربيع وتزهر وتثمر. وكان يقول إن في كل رمانة حبة من حبات الجنة).
ترى هل ثمة جسر يمتد بين حبات رمانات الجنة، وجنة جواد وريم المطرودين منها، كما طرد البلبل؟! أي بداية الرواية بنهايتها.
إن المحاورة التي يجريها جواد مع البلبل في الصفحة الأخيرة من الرواية، أثناء هبوطه على أحد أغصان شجرة الرمان العالية، تجيبنا على هذا السؤال. وذلك من خلال غناء البلبل أثناء رؤيته لجواد. غنى البلبل لربما طلبا لبناء عش له فوق أحد أغصان شجرة المغيسل. ولكن عندما جاءوا برجل ميت، طار. ما معناه إن الشعب العراقي يهرب من وطنه الى الخارج، لإفتقاره الى الإستقرار والراحة والأمان. وما جواد وريم إلآ هذا البلبل المطرود، والرجل الميت، أحد أفراد العصابة. أو كما يقول السارد:( الأحياء يموتون أو يسافرون. . .). الأحياء يموتون بالتفجيرات والأحزمة الناسفة، وهم ميتين أيضا إذا سافروا، لأنهم يتركون الجنة، ويدخلون الجحيم . ( والموتى دائما يجيئون)، بمعنى أدق أن العراق اصبح أنهارا من الدماء. لذلك أن الحياة والموت، كما يقول جواد:( الواحد يسقي الآخر كأسه. وكان والده وشجرة الرمان يعرفان هذا). مشبها جواد نفسه بشجرة الرمان، ولكن بأغصان مقطوعة ومكسورة ومدفونة مع جثث الموتى. أي أنه إن لم يكن ميتا، فهو شبه ميت، مثله مثل الشعب العراقي. ولا يعرف بهذه الحقيقة أحد، سوى والده وشجرة الرمان.
قد لا تشير الجملة التي ترافقها مفردة ( عادة) الى الإيحاء بوقوع شيء مهم، كما جاء في جملة: ( كانت يدها اليمنى تقبض على يدي بقوة كعادتها، وكأني سأهرب أو أطير بعيدا عنها). ولكن أن تأتي وبعد صفحة واحدة، بالمعنى ذاته، وبحذف مفردة عادة، وبصياغة مختلفة بعض الشيء عن الجملة الأولى، كما في :( أمسكت بيدي ثانية وأستدرنا كي نقفل عائدين نحو البيت). فهنا، تستوقفنا هذه الجملة، ليس بسبب تكرارها فحسب، بل لتأكيدها أيضا وإلحاحها في خشية الأم من إصابة أبنها جواد بمكروه، وبمعنى آخر، إن المؤلف في جرعتين، إحداهما خفيفة، والثانية شديدة، أراد أن يوحي للمتلقي بوقوع شيء كبير ومهم، وهو إستشهاد شقيق جواد (أمير).
( أزحت الستارة فرأيت سيارة أجرة وفوقها تابوت لف بعلم. . . ).
وإذا كانت الجملتان السابقتان توحيان الى الموت، عبر مفردتي ( تقبض وأمسكت)، فإن إشتراك ريم مع طالبين آخرين لمعهد الفنون الجميلة في أداء تمرين لقارب، يتخيلوا أنه يغرق، بدون كلمات، (البانتومايم)، وتكرار مفردة الغرق أربع مرات، وفي رقعة لا تتعدى صفحتين، إشارة واضحة، كون ريم هي الشخصية الرئيسة في الرواية، وليس الطالبين الآخرين، أن هذه المفردة موجهة لها تحديدا، بالإيحاء الى المشاكل التي ستواجهها. ولعل قول جواد لها:( جنت أريد أخلصج من الغرك بس ما أعرف أعوم)، دليل قاطع الى أنها غرقت، وأنه لم يقدر على إنقاذها، ولكن لم تغرق لا في مياه البحار ولا الأنهار، وإنما في أتون الحروب والفساد الذي أستشرى في العراق، وأصبح ظاهرة.
كما أن جملة: (أول مرة رأيتها فيها كانت ترتدي السواد)، توحي الى معنيين في آن، فهي من جهة تقترن بالتفسير السابق، أي (بالغرق)، ومن جهة أخرى توحي الى إنجذابه إليها، ذلك بقدر إقتران هذه الجملة بالغرق، بنفس القدر تقترن بجملة:( بدت لي كائنا شعريا في ذلك الصباح).
إن عدم إدراك ريم قصد سؤال جواد فيما إذا كانت تحبه، والمقصود زوجها، إيماءة الى انها لم تكن تحبه، ولعل نظرتها الى الأمام دون أن تقول شيئا، إيماءة مضافة الى الإيماة الأولى وتأكيد الى عدم إنجذابها اليه بالمرة:
جنت تحبيه ؟
منو ؟
أستغربت بأنها لم تدرك أنني أقصد زوجها.
وتدخل جملة ( لا تستعجل) ضمن الإطار نفسه، ولكن بالإنجذاب اليه، أي الى جواد.
وهذا ما ينطيق أيضا على نحتها من قبل جواد، ولكن شريطة أن تكون عارية.
إن ضحكتها الطويلة، بالإقتران مع قولها:( لا بالله ؟ هذي قديمة. جربها على غيري. لو تطلع نخلة برأسك ما أرضى!)، تمهيد لممارسة الجنس مع جواد. وهذا ما يحدث بعد سطور قليلة من الحوار الدائر بينهما. إذ تأخذه بسيارتها الى بيتها.
إن أختيار المؤلف بدراسة بطليه جواد وريم في معهد الفنون الجميلة بفرعيه التشكيل والمسرح، لم يأت عن فراغ، بقدر ما جاء إتساقا مع منحى شخصيتهما في الرواية، أي مع ما يسمح للشخصية، تمرير مسوغها ضمن تحركها ضمن حدودها المرسومة، لمد جسر من التواصل بين الخيال والواقع، أو بين ما لا يمكن تطبيقه في الواقع، ويمكن تطبيقه في الخيال، ينقلب عن طريق هذا الربط الخيال الى الواقع، كما في تدريب ريم لمشهد غرق السفينة، ودعوة جواد لرسم ريم وهي عارية، إذ مهد التدريب، ترجمته على أرض الواقع من خلال إصابة ريم بالسرطان وهجرتها لجواد، وحث جواد لدعوة ليلى، كونه تشكيليا لرسمها وهي عارية، لتصبح هذه الدعوة واقعا أيضا .
نشرت رواية ( إعجام) لسنان أنطوان للمرة الأولى عام 2002 عن دار الآداب، بينما لم تطبع روايته التي نحن بصددها إلآ في عام 2013 عن دار الجمل، أسوق هذه المقدمة لغرض تبيان الفارق الزمني بين طبع هاتين الروايتين، وبالتالي أسبقية صدور (إعجام )على (وحدها شجرة الرمان)، ما يعني إذا كان ثمة بعض المشاهد، متكررة في نفس الروايتين، أو ما يشبه أوجه التقارب بينهما، فإن هذا التكرار والشبه، هو بتأثير الرواية الأولى على الثانية، كما جاء في مشهد إستلقاء السارد عاريا على ظهره فوق حبات الرمل البيضاء تحت سماء حالكة في إعجام، شبيها بالمشهد الأول الذي يأتي في وحدها شجرة الرمان، ومثله مشهد ممارسة العملية الجنسية بين السارد وأريج في إعجام، وبين جواد وريم في وحدها شجرة الرمان، إذ في كلا الروايتين الشخصيات الأربع طلاب، والعنصر النسوي هو الذي يهيؤ الأجواء المناسبة لممارسة العملية الجنسية بمسوغ غياب والديهما ريم وأريج من البيت.
في إعجام: – ماكو أحد بالبيت. ماما بالدوام وبابا مسافر.
في وحدها شجرة الرمان: – زوجة أبوية مسافرة للموصل وبابا بالشغل.
ما من شخصية من شخصيات الرواية، تبلغ هدفها المنشود، إن لم ينلها الإحباط وتلق السقوط، ومرده هو الجو السوداوي العام الذي يغلف هذه الشخصيات، متمثلا بالموت المجاني في كل رقعة جغرافية من أرض العراق، لذا فلا مفر للمؤلف، غير أن يقود شخصياته بهذا الإتجاه، وهو إتجاه يتوقعه المتلقي. ولكن لا يحبذه هانس ياوس، صاحب نظرية التواصل الأدبي عن طريق تمرس المتلقي بالذات الواعية، بوصفه ينسجم مع منحى المؤلف، الأمر الذي يؤدي الى عدم إنتاج معنى النص من جديد، وبالتالي بنائه بإعتباره نصا مستقلا بحد ذاته. وثمة آخرون من منظري الأدب، يرون عكس ذلك، أي كلما كانت تتطابق توقعات المتلقي مع المؤلف، كانت المتعة أكبر والفائدة أعم.
ومع إنني أميل الى نظرية هانس ياوس، لأنها تعول على القاريء الممتاز، بعكس تطابق توقع المتلقي مع المؤلف لأنها تعول على القاريء السطحي، أجد نفسي هنا متعاطفا مع المنحى الثاني، ذلك أن المؤلف الذي يضع شخصياته في أتون حرب تدوم أكثر من ثلاثين عاما، لا بد أن تلاقي هذه الشخصيات ما لاقته في هذه الرواية بالتعويل على الموت كفكرة رئيسة للرواية.

ملاحظة:
يأتي سنان أنطوان في الصفحة (84) من رواية ( فهرس) وهي الرواية التي كتبها بعد ثلاث سنوات من كتابته ( وحدها شجرة الرمان)، على ذكر الكيفية التي كتب فيها الرواية التي نحن بصددها وكما يلي:
(في آذار 2004، قرأت مقالة في جريدة نيويورك تايمز عن غسل الموتى. تحدثت الصحيفة عن رجل في الثالثة والثلاثين، أسمه رعد عبود، يغسل الجثث منذ كان في الثالثة عشرة. ويتذكر الجثث التي كانت تأتي في الثمانينيات عندما كان النظام يعدم ضحاياه. ظن رعد أن الوضع سيتحسن بعد 2003، ولكن ما حدث هو الأسوأ تماما. يبدأ عمله في السابعة صباحا ولا ينتهي إلآ في الخامسة عصرا. يشعر بمسؤوليته تجاه الموتى لكنه يكتئب كلما سمع الأخبار لأنه يعرف أن الجثث ستتراكم تحت يديه. نفسيته تعبانة وقد أتخذ قرارا بأنه سيكون آخر مغسلجي في عائلته (لن أسمح لأبني أن يرث هذه المهنة، لقد دمرتني).
مسحت دمعة سقطت على خدي وأنا أقرأ المقالة. أعدت قراءتها حالما أنتهيت. هزتني تفاصيل وطقوس الغسل وظللت أفكر برعد وهول ما يلاقيه كل صباح. عندما وصلت الى المكتب قصصت المقالة ووضعتها في ملف جديد. وبحثت في الأنترنيت عن الموضوع وتفاصيله. خطرت لي فكرة أن أكتب رواية عن رعد عبود ومن هم مثله. ثم شعرت بالذنب وكأنني أخون ودود والرواية التي احلم بكتابتها عنه! ذهبت الى مكتبة الجامعة وأستخرجت عددا من كتب الفقه التي تتحدث عن أحكام غسل الموتى وصورت الأجزاء الخاصة بالموضوع وأضفتها الى الملف. وجدت لقاء صحفيا مع أحد المغسلجية فطبعته وأضفته الى الملف. تخيلت أن سارد الرواية سيكون من عائلة تمتهن هذه المهنة. وسيكون بغداديا من الكاظمية، لا من النجف مثل رعد. لكنه سيتجه نحو الفن منذ طفولته وسيرفض أن يكون مغسلجيا وسيسبب هذا صراعا مع والده. تشكلت الكثير من التفاصيل وفكرت بها كثيرا حتى أصبحت حقائق واضحة بالنسبة لي وصرت ارى المغيسل والشخصيات تتحدث. لكن كان علي أن أضع كل ذلك على الورق. ولم أكتب شيئا حاولت كثيرا ولم أنجح. وظل الملف كما هو).

شاهد أيضاً

ثلاثة جياد بين الروائي أري دي لوكا والقاص محمود عبد الوهاب والشاعر بلند الحيدري
مقداد مسعود

إلى .. أخي وصديقي ولدي الغالي مسعود 1- 2 حين اشتريت نسخة ً من رواية …

من أقوال الروائية “إيزابيل أللندي”

# الأم والوطن لا يمكن المزاح فيهما: إنهما مقدسان # حيث توجد النساء، توجد الحضارة …

شكيب كاظم: ناقدٌ ومحللٌ ادبى كفأ
عبد الهادى الزعر

كم أكن سعيدا حين أقرأ شيئا لشكيب كاظم – – ثقافة موسوعية مزادنة بالغنى والعمق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *