ديك الزمن الجميل (نصّ تسجيليّ)
سلام عبود

لم يلتفت إلى الخلف. سار الأستاذ رياض، مدرّس اللغة الإنجليزيّة في ثانوية عليّ الغربيّ، وهو يقاوم بشدّة الرغبة الملحّة في الالتفات إلى الخلف. ولم يفعل ذلك إلاّ بعد أن تأكّد أنّ بناية مقرّ الحزب في عليّ الغربيّ، التي غادرها منذ دقائق، غرقت تماماً في الظلام، وأنّها لم تعد تُرى من هذه المسافة البعيدة.
التفت الأستاذ رياض إلى الخلف مرّة ثانية على عجل، ثمّ تلاها بالتفاتة ثالثة ورابعة خاطفتين. لا أحد يمشي خلفه. اطمأنّ قلبه، وانعطفت به قدماه في اتجاه الجسر. عبر جسر المدينة الرجراج، الطويل، واقترب من بناية دار الضيافة، من دون أن يستعيد وعيه تماماً.
كلّ ما يشعر به الآن هو أنّه مخلوق بلا جسد، يسير، كالغبار، محمولاً على موجة هوائيّة جارفة، وأنّه قادم توًّا من عالم آخر، غير قابل للوصف، وأنّه قبل أن يعود إلى بيتهم في حاجة ماسة إلى مقابلة شخص ما، صديق ما، أحد ما، لكي يحسّ ويتأكّد أنّه طليق حقًّا، وأنّ الكابوس المرعب انقضى فعلاً، وأنّه الآن يمشي على قدميه، حرًّا.
الطريق من بناية مقرّ الحزب حتّى دار الضيافة يعمّها ظلام الليل وبرودة أوائل الربيع، ورائحة المطر العالقة في الهواء. كتلة متماسكة من الصمت والعتمة والرطوبة تجعله يشعر أنّه لم يزل أسيراً في قبضة الرعب، الذي عاشه قبل دقائق.
لن أعود إلى البيت وأنا على هذه الحال. فكّر بعقل مشوش، وهو يحاول أن يحسم أمره. يجب أن يختار واحداً من أمرين: أن يبدّد قلقه أوّلاً بسبب ما جرى له، أو أن يذهب إلى البيت، لكي يُطمئِن أمّه وأخاه منير. فمن المؤكّد أنّهما قلقان عليه بسبب غيابه. فهو لم يتأخر يوماً عن العودة إلى البيت عقب انتهاء الدوام الرسميّ.
اقترب أكثر من بناية دار الضيافة. رأى كتلة البيت الغارقة في الظلام، تنتصب مثل كومة هائلة من السخام. هنا يسكن زملاؤه المدرّسون القادمون من خارج المدينة، متّخذين من الدار العتيقة، الواقعة خارج المدينة، مسكناً لهم.
فجأة استيقظت حواسّه كلّها. التقطت أذناه صوتاً طليقاً لديك يصيح. صوتٌ حرّ، مزهوّ برنينه، تخترق نغماته الطويلة حلكة المساء. أغمض عينيه وراح ينصت إلى صدى الصوت المتردّد في مخيلته والسابح في الفضاء المظلم الرطب. صوت يشبه زغرودة تطلقها أفواه فرحة ولكن في مأتم، فتمزّق طقوس الموت وتشيع الارتباك. نسي كابوسه ولبث يتعقّب صوت الديك. هل يُعقل أن يصيح الديك الآن، والساعة لم تتجاوز التاسعة مساء! هل هذا من أثر الكابوس؟ فكّر وهو يشكّ في صدق حواسّه. لكنّ الصوت المنغّم تكرّر مجدّداً بالزهو ذاته، فشقّ جدار العتمة واخترق أحاسيسه المشوّشة، وجعله يصدّق أنّ ما يسمعه ليس بقيّة أو تتمّة لمشاهد الكابوس، التي عاشها قبل دقائق، وأنّ ما يحدث جزء من الواقع.
الواقع! أيّ واقع؟ وهل ما يحدث هنا له علاقة بالواقع؟
دخل البناية العتيقة المكوّنة من ثلاث غرف مغبّرة، متآكلة، مليئة بالحشرات والأوساخ، فألفى زملاءه المدرّسين، غارقين بنشوة طاغية من الصخب العبثيّ.
سكارى! فكّر رياض. اليوم هو الخميس والجو ينذر بالمطر، وقد جلسوا جميعهم في البناية، متّخذين من إحدى الغرفتين الأماميتين مجلساً للسكر. وضعوا قوارير العرق والمقبّلات على الأرض وتحلّقوا حولها جميعاً. حتّى الذين لا يشربون العرق يشاركون في التهام المقبّلات والثرثرة بصخب. جميعهم هنا، عدا محسن وعباس وقرطاس. اعتزل الثلاثة في غرفة البيت الثالثة، الواقعة في ركن البيت الخلفيّ، ولبثوا طوال الوقت يتهامسون بغضب وحقد دفين. ومن حين إلى آخر، يخرج أحدهم من معتزله ويعود سريعاً إلى الغرفة، وهو يحاول تجنّب الاصطدام أو الاحتكاك بزملائه العابثين، الكفرة.
اخترق رياض الغرفة الصاخبة ولم يعره أحد اهتماماً خاصًّا. لكنّ الأكثر قسوة على قلبه أنّهم لم يلحظوا ما فيه من كدر وهمّ وغمّ، ولم يشجّعه أحد منهم على فتح فمه والنطق بحرف واحد. صاح كلّ واحد منهم على انفراد وبلا مبالاة: “هلّو بالوردة!” وعادوا إلى ضجيجهم، فابتلعتهم موجة الصياح والثرثرة الحادّة، العالية، الساخرة. ومن دون مقدمات وجد رياض نفسه محشوراً في قلب المكان، وغدا بطرفة عين جزءاً مهملاً من فوضاه وضجيجه، فرداً في عصبة من السكارى العابثين، يجلسون متّحدين في مواجهة مجموعة صغيرة، صامتة، مستفزّة، حانقة، اعتزلت الغرفة المقابلة.
قال غازي وهو يقدّم إليه كأس العرق:
– اشرب حليب سباع والعن يزيد!
أخذ رياض الكأس. شربها دفعة واحدة، على غير عادته، فأحسّ بقوّة سريان العرق في فمه وجوفه. تناول مسرعاً قطعة من الطرشي، وضعها في فمه وراح يتابع اختلاط حموضة الطرشي بمرارة العرق وهما تمتزجان في فمه صانعتين مذاقاً حارقاً، مهيّجاً، أشعل في نفسه الرغبة في أن يسارر غازي بما حدث له. لكنّه تردّد. ربّما يشي بي! فكّر رياض:الشيوعيون يتحاورن مع البعث للدخول في جبهة واحدة. ربّما يشي بي.
لكنّ مفعول العرق وضحكة غازي المجلجلة جعلته يقلّل من مخاطر الوشاية. غازي أقربهم إليه. وفوق هذا وذاك هو أكثرهم خبرة بالعمل السياسيّ، فقد كان ممثلا للحزب الشيوعيّ في صفوف المعلمين.
جاءه صوت عدنان من الجهة المقابلة:
– اليوم أنت منفتح النفس للشرب!
قام عدنان من مكانه، وحشر نفسه بينه وبين غازي، ففوت عليه فرصة الاختلاء بغازي.
لا يهمّ، يستطيع أن يتحدّث مع عدنان في الموضوع، على الرغم من أنّه لا يثق به ثقة تامّة.
قال رياض من دون أن يوجّه حديثه إلى أحد:
– الإنسان لا يعرف من أين تقع المشاكل على رأسه!
ردّ غازي على عجل:
– لا مشاكل ولا هم يحزنون، لا تدوّخ رأسك “أبو الروض”. اشرب من قارورة العرق التي تخصّني، وفي المرّة القادمة أشرب أنا على حسابك. اتفقنا!
نطق غازي كلماته مسرعاً وانطلق راكضاً باتجاه الباب، وهو يلمح شبح أحد المدرّسين الثلاثة القاطنين في الغرفة الداخليّة. رأى شبح قرطاس يتسلّل خفيّة، بحذر، ليملأ الإبريق بالماء، قبل الذهاب إلى مرحاض البيت. توقف غازي بباب الغرفة وأشار إلى المجموعة العابثة وصاح بصوت عال، ليسمع سكان الغرفة الداخليّة:
– اشرب عزيزي “أبو الروض” في صحّة دولة الديك الأسود.
ردّ عدنان ساخراً:
– قل: الديك الأحمر، ولا تحرّف الواقع!
أجابه غازي ضاحكاً:
– اللعنة على البرجوازيّات كلّها: الصغيرة والمتوسطة والكبيرة!
أمّا قرطاس فقد تسمّر في مكانه حانقاً، ثمّ قذف بضع كلمات غامضة في الظلام، لم تُسمع بوضوح، بسبب الضحكات، لكنّها فُسّرت من قبل الجميع على أنّها لعنات موجهة إلى الكفرة، الزنادقة. حمل قرطاس الإبريق وذهب غاضباً، فانطلقت الضحكات تتعقّبه، مثل سهام، حتّى دخوله المرحاض.
قال صبحي وهو يشير إلى سكان الغرفة الداخليّة:
– سيُجنّ المؤمنون اليوم!
ردّ عليه رياض مسرعاً:
– تعني بسبب العرق؟
نطق رياض سؤاله وهو يفكّر في أنّه ربّما سيسبّب لنفسه مواجهة غير مستحبة مع زملائه المدرّسين في الغرفة المقابلة. فهو يعرف أنّهم متديّنون، لا يطيقون شاربي الخمر، لكنّهم لا يستطيعون أن يفعلوا شيئاً. الأغلبيّة من المدرّسين تقف ضدّهم. هم لا يتعدّون ثلاثة أشخاص. إثنان منهم من أرياف مدينة البصرة، وثالثهم من ريف مدينة العمارة. فشل الثلاثة في الحصول على سكن مستقلّ في أحياء المدينة، التي ترفض تأجير بيوتها للغرباء العزّاب، فقرّروا أن يسكنوا، مكرهين، في الغرفة القابعة في ركن خلفي من بناية دار الضيافة. فكّر رياض بأنّه ربّما سيُدخل نفسه في معركة لا ناقة ولا جمل له فيها. ليس من المستحبّ إثارة مشاعر الآخرين، ولا تجوز المشاركة في خلافات الزملاء، المسلمين خاصّة، المتعلّقة بالدين والعبادة.
أجابه صبحي:
– ليس لهذا السبب. السبب أكبر وأهمّ، ستعرفه بنفسك إذا فكّرت قليلاً في الأمر، ولم يأخذك السكر بسرعة كالعادة.
لم يفهم رياض شيئاً مما قاله صبحي. لكنّه أحسّ بصواب ما قاله في ما يتعلّق بالسكر. فقد جعلته جرعة العرق السريعة والكبيرة يفقد توازنه. التنمّل يسري في أطراف شفتيه، ولسانه صار أكثر ثقلاً.
بدأت الغرفة تدور دورات خفيّة، ينقلب سقفها ثمّ يعود مسرعاً إلى موضعه. أهي جرعة العرق المستكيّ الحادّة أم حالته النفسيّة المضطربة؟ لا يهمّ السبب. ما يهمّه الآن هو الرغبة في نسيان إحساسه بالدوار المفاجئ. أراد رياض أن يذهب إلى الحنفيّة ليغسل وجهه، لكنّه خشي من تعليقات زملائه إذا لاحظوا ترنّحه في المشي، فمال نحو صبحي وهو يقرّر أن يفتح حديثاً عن الكابوس.
علاقته بصبحي غامضة، كغموض موقف صبحي من السياسة. فهو عضو في نقابة المعلمين الحكوميّة، يتعرّض منذ أسابيع إلى ضغط شديد، لكي يحوّل عضويّته النقابيّة إلى عضويّة حزبيّة. ما زال صبحي يتأرجح بين الرفض والقبول. تساءل رياض في سرّه: ربّما سيغدو عدوًّا شرساً في القريب العاجل، فيحرّف كلامه ويشي به حتماً! ولكن، ربّما لن يفعل ذلك، وربّما هو، بحكم صلته ببعض النقابيين البعثيين، يعرف شيئاً لا يعرفه الآخرون. همّ رياض بفتح حوار مع صبحي يوصله إلى الكابوس. ولكن، قبل أن يفتح فمه، تغيّر فجأة ترتيب الجالسين. قام صبحي وذهب مسرعاً ليستطلع ردود فعل سكان الغرفة المقابلة، فأصبح رياض يجلس بجوار مهدي، الذي كان يستمع، وهو شبه نائم، إلى مدرس التاريخ عبدالحسين ” أبو فرقد”. دقّ رياض كأسه الفارغة بكأس عبد الحسين فصحا مهدي من نومه. ابتسم لرياض وراح يصغي مجدّداً إلى حديث عبد الحسين بعينين نصف مفتوحتين.
عاد صبحي مسرعاً وهزّ كتف مهدي عابثاً، لإيقاظه، وهو يقول مخاطباً رياض:
– هل فهمت الموضوع الآن؟
أجاب رياض وهو يطمع بحرقة أن يجد مجدّداً طريقاً إلى موضوع الكابوس:
– أنا اليوم، اليوم بشكل خاصّ، في حالة لا تسمح لي بأن أفهم شيئاً، و…
لم يمهله عبد الحسين كي يكمل جملته الأخيرة، فردّ قائلاً:
– ستفهم حينما يدبّ هذا في عروقك.
نطق عبد الحسين كلماته وهو يدقّ كأسه ضاحكاً بكأس غازي، الذي شرب كأسه المترعة دفعة واحدة بشيء من المباهاة، ثمّ اندفع إلى الخارج مسرعاً، فتعالت الصيحات من الغرفة تنادي عليه:
– سيموت المسكين.
– سل الملا عباس والإمام قرطاس، قل لهما هل يجوز لنا أن نأكله بعد أن شرب حليب السباع وانحرف عن السراط المستقيم؟
صاح عبد الحسين:
– سيخنقه هذا المجنون. أقسم بمقدّساتي سيخنقه! اتركه يستريح قليلاً، فهو لم يفق بعد من سكرته الأولى.
ردّ غازي وهو يتجه إلى سقف الدار، صاعداّ الدرج بقفزات سريعة:
– لو سمعتم صوته الحنون مرّة أخرى، لأدركتم فوراً، أنّه مرتاح أكثر من تسعة وتسعين بالمئة من الشعب العراقيّ.
أحسّ غازي أنّ التعليق، الذي فلت من لسانه كان مباشراً وفاضحاً، فأضاف وهو يلهث:
– على أيّة حال إنّه مرتاح الضمير، يستمتع بعذوبة المساء الجميل .
مال عبد الحسين إلى صديقه المقرّب مهدي، شبه النائم، وقال مواصلاً حديثه الذي انقطع ونسيه بعد دخول رياض:
– أغاتي! لقد قعد هنا. كان يقعد هنا. هنا، قرب الأستاذ رياض بالضبط، قرب هذه الحفرة، التي في الحائط. هذه الحفرة كانت موقداً في أيّام العزّ، حينما كانت دار الضيافة الحقيرة هذه داراً حقيقيّة للاستراحة. بمقدّساتي لم يكن يدخلها سوى الأعيان والشخصيّات المحترمة.
قال صبحي ضاحكاً:
– لا داعي للقسم ” أبو فرقد”. لماذا تحلف، نحن نصدّقك.
– إذا صدّقتني أو لم تصدّقني، فأنا لا أشتري تصديقك بفلس. أنا أكلّم حبيبي مهدي” أبو هشّومي”.
رفع مهدي رأسه الثقيل حينما مرّ غازي، محتكًّا به، وهو عائد من جولته الفاشلة للقبض على الديك. قال مهدي وهو يفتح عينيه بإعياء موجها حديثه إلى غازي:
– “أبو فرقد” الورد! لا تسمع كلامه، هذا ليس لديه سوى السخافات. وأنت يا غويزي! من الأفضل أن تسدّ حلقك وتبقى مشغولاً ببنائك الفوقيّ وبديكك الطبقيّ السخيف، ولا تحاول أن تقطع حديث حبيبي “أبو فرقد” الشيّق. أكمل حبيبي ” أبو فرقد”! أكمل!
نطق مهدي كلماته وهو يفيق فجأة، ساعياً إلى طرد النعاس بالكلام، مشيراً إلى غازي بإصبع متراخية، معقوفة، بدت لرياض مثل مخلب طويل لحيوان منقرض.
عقّب غازي قائلاً:
– صحا الأثول!
التهم غازي بضع حبّات من الحمّص وأضاف:
– يا بهيمة! اسمع جيّداً أوّلاً واعرف من الذي كان يحدثك، ثمّ ردّ بعد ذلك.
قال عبد الحسين لمهدي:
– … المهم يا أغاتي وتاج راسي، هنا في هذا المكان نظم القصيدة كلّها، من مطلعها حتّى خاتمتها.
تساءل عدنان وهو يعود إلى الجلوس جوار رياض، الذي لبث يحاول عبثاً طرد الخدر من وجهه وأطرافه:
– وأمّ عوف؟
أجابه عبد الحسين:
– أمّ عوف! أمّ عوف أغاتي لا أكثر من أعرابيّة. ولكنّها والحقّ يقال كانت في نظره هي الملهمة.
مدّ عدنان يده وراء رياض خفيّة وقرصه في ظهره وغمزه باسماً حينما سمع كلمة ملهمة، ثمّ استدار إلى عبد الحسين وقال وهو يواصل قرص رياض خفية في ظهره:
– أبو فرقد! أعتقد أنّ كلّ المصائب سببها الإلهام والملهمات. أليس كذلك؟
عقّب غازي مقلّداً صوت عبد الحسين:
– أغاتي، بمقدّساتي كلامك صحيح. الملهمات سبب المشاكل. هناك مثل يقول إذا حدثت مشكلة ففتش عن المرأة.
ردّ عبد الحسين مستفزاً:
– بمقدّساتي لا يوجد مثل هذا المثل. هذا من اختلاقاتك المسقوفيّة.
صاح غازي بانفعال:
– ما رأيكم يا جماعة؟ ما رأيك أستاذ رياض؟ أنت حجّة في اللغة الإنجليزيّة، وأنا واثق ثقة مطلقة أنّك سمعت بهذا المثل، لأنّه مثل غربيّ.
لم يجب رياض، بل ترنمّ بصوت منغّم، مضطرب وهو يسعى لأنّ يغيّر مجرى الحديث، ويبعده عن مساره الاستفزايّ، الذي جعل قلبه يخفق بسرعة معمّقاً القلق في نفسه:
– يا أمّ عوف عجيبات ليالينا!
نطق رياض كلماته وهو مطرق إلى الأرض. أحسّ كما لو أنّ الحديث بأكمله موجه إليه شخصيًّا. ربّما أخفقوا في القبض على الديك، واتفقوا هذه المرّة أن يجعلوا منّي مادة للتسلية… نعم، لماذا لا. يجوز، هم معتاودن على هذا. يتّخذون أحدهم هدفاً ويشرعون في قصّه قصًّا. هذه هي أساليبهم.
انكمش وجه رياض ومدّ يده الثقيلة لا إراديًّا وتناول حفنة من الحمّص، تناثرت بعض حبّاتها على الأرض، فراح يلتقطقها وهو ينظر إلى وجوه الآخرين، ساعياً إلى كشف علامات السخرية المحتملة، المرتسمة على وجوههم، إن وجدت. استقرّت نظراته على وجه عبد الحسين، الذي بدا معجباً بتعقيبه الغامض، المبتور. أحسّ رياض بشيء من الطمأنينة فراح ينصت إلى عبد الحسين، الذي تلقف حبل الكلام فأسرع يتحدث من دون انقطاع، ومن دون أن يلتفت إلى أحد، سوى زميله المقرّب مهدي، الذي كان نائماً ورأسه يغطس بين كتفيه.
فجأة تململ غازي. قام على عجل. صبّ كأساً لنفسه، جرعها دفعة واحدة بخيلاء وانطلق راكضاً.
أثارت انطلاقته عاصفة من الصياح. ركض خارجاً من الغرفة وتسلّق الدرج. لبث يتصارع لدقائق مع شيء ما يختفي في الظلام، ثّم صاح صيحة المنتصر:
– بالأحضان يا حبيب الرحمن!
انقطع صوت غازي فساد صمت مفاجئ. لكنّ غازي ظهر بغتة هابطاً الدرج بقفزات سريعة جنونيّة، وهو يحتضن ديكاً كبيراً أحمر اللون. تقدّم به إلى الغرفة، فقام الجميع والتفّوا حوله بفرح وهم يتصايحون. حتّى مهدي صحا من نومه وقام متهلل الوجه يشاركهم صياحهم. جلس غازي في وسط الغرفة وفتح منقار الديك، بينما شرع عدنان يصبّ في جوف الديك قطرات من العرق المستكيّ. ازداد الصياح وتعالت الضحكات. أغلق غازي منقار الديك، وهزّ الديك عدّة هزّات، ثم قبّله في منقاره ووضعه على الأرض برقّة وهو يمسد ريشه بحنان، ويقول:
– لا تخف يا ملاكي الطاهر، لا تخف!
قفز الديك على الأرض مسرعاً، لكنّه انكفأ على وجهه، وظلّ ممدّداً، ملويّ الرقبة ورأسه تحت صدره. صمت مطبق ساد الغرفة. صمت بدا طويلاً جدًّا لرياض، الذي لبث ينظر إلى الديك بتعاطف خفيّ. أحسّ رياض بنوبة دوار عنيفة وهو ينظر مترنّحاً إلى الديك، المسجّى على الأرض. كاد أن يفقد توازنه، لفرط قوّة الصمت المحيط به. أحسّ أنّ الصمت الثقيل يدفعه بيديه القويتين من ظهره، فأوشك أن يهوى فوق الديك. لكنّ الديك صحا من هجعته وانطلق قافزاً. ترنّح في مشيته. أخذ يخطو شيئاً فشيئاً باعتدال، ثمّ سار متبخترا، بثقة وكبرياء.
قفز الديك ووقف على حنفيّة الماء المنتصبة في باحة الدار، في مواجهة غرفة المعتزلين، وراح يطلق صياحه بنغمات عالية، ممطوطة، تردّدت أصداؤها في الدار وعبرت أسوار الظلمة المحيطه بها، رافقتها موجة صاخبة من الصيحات والضحكات، اختلطت بها كلمات غاضبة ولعنات أطلقها سكان الغرفة المقابلة، وهم يراقبون بانفعال مكتوم وحنق ما يحدث لديكهم، الذي وقع ضحيّة لعبث زملائهم الكفرة، السرسريّة.
ترك رياض الغرفة من دون أن يخبر أحداً. تسلّل إلى الخارج بصمت كما دخل، من غير أن يلحظه أحد. باب الدار الخارجيّ مفتوح على الظلمة السادرة. حال خروجه واجه كوناً معتماً، يشبه ستاراً كثيفاً مثقلاً بالمخاوف والأسرار العدوانيّة. وحينما لفّته كتلة الظلام الهائلة أحسّ أنّه ديك سكران، ديك مُسك بالقوّة، فتحوا فمه وصبوا فيه قطرات الرعب القاتلة. إنّه ديك المساء. ديك الزمن الجميل، كما اتّفق غازي ومنافسه مسؤول الشعبة جبّار الساعديّ. ربمّا هو ليس بأفضل حال من هذا الديك الأحمق. في الأقلّ استطاع هذا الديك أن يخدع نفسه، وأن يخدع الآخرين ويتباهي بصياحه، أمّا هو فلم يتمكن من فتح فمه، لم يقو حتّى على الصياح، ولم يسمح له أحد أن ينطق كلمة واحدة عن كلّ ذلك الرعب الذي عاشه منذ خروجه من المدرسة عصراً.
ربّما تستطيع أمّه أن تستمع إليه، ربّما ستتفهمه أكثر مما يتفهمه هؤلاء السكارى العابثون. ربمّا سيخيفها ويحزنها ما حدث له، لكنّه واثق من أنّها ستستمع إليه وتشاركه أحزانه، ستواسيه. نعم، لا بدّ أن يخبرها. حتّى أخوه لا بدّ أن أن يعرف كلّ ما جرى له عصر ومساء هذا اليوم. ربّما لن يصدّقه، ربّما سيظنّ أنّه يكذب عليه لكي يخيفه ويرغمه على الانصياع إلى ما يريده، وما يريده الآخرون، ما يريده جبّار الساعديّ تحديداً، وما يريده الحزب. ربّما سيظنّ أخوه ذلك، لكنّه رغماً عن ذلك سيخبره، صدّق أم لم يصدّق، سيخبره بكلّ شيء، منذ اللحظة التي خرج فيها من ثانوية على الغربيّ المختلطة عصراً، حتّى مغادرته مقرّ الحزب مساء.
الأفكار التي كانت تدور في رأسه حينما خرج من المدرسة عصر اليوم كانت مزيجاً من الأحلام الفارغة والرغبات المستحيلة. أحلام فارغة ورغبات مستحيلة، مُترِبة، هكذا اعتاد هو أن يسمي أفكاره غير المرتّبة. وعلى الرغم من أنّ عبارة أحلام فارغة خالية من الدلالة الحصريّة. إلّا أن عبارة رغبات متربة مثيرة حقًّا. ربّما هي صالحة لأن تكون عنواناً لقصيدة جديدة. مزمز الكلمات في فمه، ثمّ ابتلعها كعادته، حينما يستطعم مذاق العبارات اللذيذة. راح يتحسّس نكهتها وهو يمازح نفسه، فأحسّها طيّبة المذاق حقـًّا. هذا شعر وحقّ آلهة الأولمب! فكّر هازلاً. هكذا تولد لديه مطالع القصائد. مزيج من الدعابة اللغويّة والجدّ الحياتيّ القاتل، مزيج من الأحلام المستحيلة والرغبات المتربة. هذا هو الشعر الخالص، الشعر حينما يتماهى مع الأحلام!
الطريق الترابيّة، التي شقّتها الأقدام، تتفرع من باب المدرسة وتقود إلى الجسر، الذي يربط ضفّتي المدينة، والذي يفصل قلب المدينة عن الجزء الخارجيّ، المحاذي للطريق الدوليّة، التي تربط بين العمارة وبغداد، حيث تنتشر مجموعة من المطاعم والاستراحات القذرة. على مقربة من الطريق تقبع بناية دار الضيافة العتيقة، وحيدة، مثل كائن منبوذ. هناك يسكن أصدقاؤه المدرّسين، الذين يفدون إلى مدينة عليّ الغربيّ للتدريس. سار رياض صامتاً صحبة زميله عدنان، مدرس اللغة الإنجليزيّة للصفوف المتوسطة والابتدائيّة، الذي اعتاد أن يسير معه جزءاً من الطريق، قبل أن يتّجه إلى دار الضيافة، بينما يسير هو متّجها إلى بيتهم في الضفة الثانيّة. في تلك البقعة المتربة، وفي تلك اللحظة غير المتوقعة، أحسّ بالقصيدة تطارده. ليس القصيدة كلّها، بل مطلعها، عباراتها السائبة، التائهة: رغبات متربة وأحلام مستحيلة. نعم أحلام مستحيلة. دقّ قلبه دقّات مضطربة حينما توقف تفكيره عند كلمة أحلام.
أحلام هي أكبر طالبة في الصف الثاني الثانويّ وأنضجهن. وهي تبدو، قياساً بعمره وأعمار زملائه الجدد، حديثي التعيين، قريبة من سنهم. لكنّها تغدو أكبر منهم بكثير حينما تُميل عباءتها قليلاً، كاشفة بقعة غير مرئيّة من ثيابها عند الصدر أو الرقبة، وعندما تنهمك في القراءة والكتابة وتنسى نفسها، أو تتناساها، فتنزلق عباءتها قليلاً، إلى الجانب، قرب تكويرة نهديها.
أحلام ليست جزءاً من أحلامه فحسب، بل هي الجزء المترب من هذه الأحلام. هي الحلم في ثوبه العصيّ، في ثوبه الأكثر استحالة. هي مسلمة وهو صابئيّ. هي بنت المدينة وهو غريب، طارئ، جاء مع أخوه الأصغر وأمّه، للعمل في المدينة عند تعيينه فيها قبل عام. وفوق هذا كلّه هي أخت زغير والي، المقاول الأميّ، الثري، صديق كبار مسؤولي المحافظة. هي أخت أثرى الرجال وأقربهم إلى السلطة، وهو ابن أفقر العوائل وأبعدها عن السلطة. هل توجد أحلام أكثر استحالة وترابيّة من أحلامه هذه! هو يراها أحلاماً ليست مستحيلة ومتربة فحسب، بل هي طين في طين. والأمرّ من كلّ هذا أنّ “أحلام” مخطوبة. خطيبها شاب من أقاربها؛ بلطجيّ معروف، ومشروع “نصف ضابط”، خطبها وتركها حتّى يعود من دورته العسكريّة ” نائب ضابط موس”.
حينما تسير أحلام، ملتفّة بعباءة تسوّر جسدها، من قمّة رأسها حتّى أخمص قدميها، تترك فتحة دائريّة طليقة بحجم وجهها، مثل شبّاك سحريّ، تنظر منه إلى العالم. هذ المنظر ليس غريباً في عليّ الغربيّ، كلّ نساء المدينة يفعلن ذلك. لكنّ أحلام ليست ككل النساء، تتميّز عنهنّ في أمر خطير: إصبعها التي تقبض على طرف العباءة، ويلتمع عليها خاتم الخطوبة الذهبيّ الكبير، مذكّرة الجميع بخطيبها العسكريّ،الأحمق، المتهوّر، الذي يخشاه الجميع، وهو أوّلهم.
التماعة واحدة من خاتمها كفيلة بإغراق رياض في سيل جارف من القلق والمخاوف والاضطرابات اللامتناهية، وكفيلة بإحالة يومه إلى كومة من الأتربة والحرائق الدائمة.
الأحلام في عليّ الغربيّ، مثل غيرها من بقاع الأرض، بالمجّان. لذلك اعتاد رياض أن لا يمنع نفسه من تذكّر أحلام بين حين وآخر. حينما تلحّ عليه صورتها، لا يطردها، وأحياناً يقوم ببعض الخيانات الكبيرة، حينما يستدعيها بنفسه إلى خياله. هو لا يعرف لماذا يحدث هذا مع أحلام أكثر من غيرها. هي ليست أجمل الطالبات. على العكس، هناك من الفتيات من يتمتعن بجمال باهر، هو مزيج من تلاقح تاريخيّ بين عشائر هذه المنطقة الحدوديّة، التي تختلط فيها الدماء العربيّة والفارسيّة والفيليّة. لكنّها الأكثر استحالة. الأكثر تعفّراً بتراب المحال. هي القصيدة الوغد، العصيّة، المخيفة، المكتوبة على غبار الصمت، والمنقوشة بإزميل الخيال المجنون وخبل الشهوة. هي المحظورات والتحريمات كلّها.
– زبدة!
طفرت الكلمة من فمّ عدنان، حالما أصبحا وحيدين، وهما يبتعدان عن طريق المدرسة. التفت رياض حوله إلى كلّ جانب، وهمس بخوف:
– ألعن مذهبك! لا تفتح هذا الموضوع مجدّداً، لا تورّطنا!
– أورّطك بماذا يا أستاذ؟ أنا أقول لك زبدة. أنا أحكي عن مشتقّات الحليب. هل تعرف ماذا تعني الزبدة؟
– أنت تحكي كما لو أنّك تراها الآن عارية أمامك.
– أقسم بربي، سمه ما تشاء: شميت هيّه، الله، إخناتون، أقسم أنّها حينما تخلع عباءتها تكشف عن ثورة طبقيّة عارمة من النوع الكلاسيكيّ الخالص.
– غريبة! هذه أوّل مرّة اسمعك تستخدم تعبيراً سياسيًّا، وأيّ تعبير: ثورة! أنت غير طبيعيّ اليوم.
– هل تعرف لماذا أتحدث في السياسة الآن؟ هل تريد حقـًّا أن تعرف؟ قل نعم وسأجيبك. لا، لا تقل، سأجيبك بالمجان. السبب لأنّني اعتبرها، وكلّ امرأة حارقة خارقة مثلها، أنّها هي السياسة. هي الحزب الأوحد، والحزب القائد، والحزب الرائد…
– أسكت! الله يلعنك، اسكت…!
– سكتُّ. ولكن، ما رأيك بتفسيري السياسيّ؟
– ولكنّها تلميذة، وأنت أستاذ. أين الأمانة الأخلاقيّة والمهنيّة؟
– ليست تلميذتي على أيّة حال، هي تلميذتك أنت.
– الأمر لا يختلف، نحن مدرّسان في المدرسة نفسها.
– لا “أبو الروض”، يختلف. يختلف الأمر كثيراً يا أستاذ. أنا أنظر إليها عن بعد، كما لو أنّني شجرة في بستان وهي الفراشة. أمّا أنت فتنظر إليها وأنت تحترق، كما لو أنّها هي النار وأنت مجرد عود يابس ملقى في ضرامها. أليس هذا شعراً؟ قل لي بربك، أليس هذا شعراً؟ لو أنّني لن أنساه عند وصولي إلى البيت سأكتبه باللغة الإنجليزيّة مباشرة، قبل أن يبدأ الجماعة بالسكر كالعادة. يجب أن تعرف يا أستاذ، يا شاعر، يا إليوت عليّ الغربيّ، بأنّك لست وحدك وذلك المخبّل عبد النبيّ من يؤلّف الشعر في هذه المدينة البائسة، الـ…
– المُترِبة.
– عاش حلقك! المتربة والمتذبّنة. على فكرة ، كلمة متذبّنة مأخوذة من الذبّان. ما رأيك في هذا الاشتقاق؟ أليس جديداً؟ نلتقي في الليل عندنا في دار… خرابة الضيافة! ستأتي؟
– طبعاً.
ردّ رياض وسار وحيداً.
يستطيع عدنان أن يقول أيّ شيء يخطر بباله. فهو ليس صابئيًّا أوّلاً، وهو ابن مدير شرطة سابق ثانياً. وعلى الرغم من أنّ أباه محال على التقاعد، لكنّه يملك رصيداً كبيراً في الحكومة، ويحظى بثقة الحزب، وفوق كلّ هذا هو من عائلة غنيّة. لذلك يستطيع أن يقول ما يشاء، وأن يخطئ من حين إلى آخر. هو لا يحس بالموانع المستحيلة وبهذه السدود التي أحسّها.
قبل أن يضع قدمه على الجسر شعر بارتجاج هيكل الجسر، المكوّن من سلسلة مترابطة من الكتل العائمة، المتلاصقة. لطالما أحسّ هنا، على الجسر، أنّه موجة ماء طافية في الفضاء، يرجّها كائن خرافيّ، وهو يحمل الأرض على ظهره، ويمشي بها إلى كوكبه البعيد المجهول.
زبدة! هل هي حقًّا زبدة! لا، طبعاً هي ليست زبدة، ولا تنتسب إلى الحليب ومشتقّاته. هي مائلة إلى السمرة. هي سمراء أكثر من كونها بيضاء. لذلك لا يجوز أن توضع ضمن مشتـقّات الحليب. ولكن، يمكن وضعها ضمن مشتقّات الجحيم، أو يمكن قراءتها كقصيدة بودليريّة رهيبة عن مشتقّات الذبحات العاطفيّة الوطنيّة. قصيدة ترابيّة عن العيون السود، المثيرة، الحارقة، المختبئة خلف ظلمة التقاليد اللعينة. صدر رجراج، صاخب، ملجوم بوثاق جبّار من العفّة المصطنعة والتمنّع الزائف وقوانين التحريم. جسد ثائر، مسجون تحت أستار البرقع الأسود. جسد مستأسد، مختال، حالما تمسّه الريح، تشرع في تجسيمه، ناحتة تفاصيله الخارجيّة العدوانيّة، صانعة منه تمثالاً من تراب وظلمة وحريق.
– أستاذ رياض! كيف الحال؟ لو تسمح من فضلك، أريد أن أتحدث معك دقيقة واحدة فقط، لو تسمح!
بهت رياض. خفق قلبه بشدّة وهو يسمع الكلمات. رجل ضئيل خرج من نهاية الجسر ووقف أمامه باحترام شديد.
حضور الرجل المفاجئ جعله يحسّ كما لو أنّ الرجل كان يتابع أحلامه ويراقبها خفية. ردّ رياض بحذر وارتباك:
– أنا بخير. شكراً جزيلاً. تفضل.
– السيد مسؤول الشعبة يريدك.
– مسؤول الشعبة؟
– نعم، الرفيق جبّار الساعديّ، ينتظرك في بناية مقرّ الحزب.
– يريدني أنا؟
– نعم، أنت الأستاذ رياض، معلم اللغة الإنجليزيّة في ثانوية عليّ الغربيّ. هل يوجد خطأ في كلامي؟
-لا، العفو منك، ولكن ماذا يريد؟
– لا أعرف، ولكنّه ينتظرك.
تساءل رياض وهو يبتلع ريقه:
– الآن؟
نطق الكلمة وهو يفكّر في الاسترسال مع محدّثه، لكي يمنح نفسه فرصة أطول للتخلص من الخوف الذي دهمه بقوّة، فأضاف وهو يرسم ابتسامة يابسة على شفتيه:
– أنا كما ترى قادم من المدرسة، سأذهب إلى البيت لأستبدل ملابسي وأذهب فوراً إلى الأستاذ.
-لا يا أستاذ، الرفيق جبّار قال الآن.
– سأذهب حالاً. ولكن، هل أذهب بنفسي؟
– طبعا أستاذ.
ردّ الرجل وهو يبتسم، ثمّ أضاف حينما أحسّ بارتباك رياض:
– لا تقلق! هو يريدك في موضوع شخصيّ.
التوجه إلى مقر الحزب فوراً، بدلاً من الذهاب إلى البيت، سيجنّب أمّه هول الصدمة. من الأفضل أن يذهب حالاً ويكتم الأمر عن أهله.
سار في اتجاه بناية المقرّ وهو لا يعرف كيف يوازن بين خطواته. كلّما اقترب أكثر ازداد وجيب قلبه وضاقت أنفاسه. لم ير أحداً ممن مرّوا قربه في الطريق. صورة واحدة مثلت أمام عينيه وحجبت كلّ ما عداها من صور: صورة جبّار الساعديّ. شابّ داكن البشرة، ضئيل الحجم، قلق التعابير، شديد الحماسة لتنفيذ الأوامر، سريع القرارات، وشعبيّ إلى أبعد الحدود. العبد! وقعت في قبضة العبد! إحساس غريب، كريه، تملّكه، نبع من بقعة غامضة، مجهولة في ذاته. شعور مقيت بالازدراء، يشبه عداء المخذولين، نهض في روحه، ليخفّف به هول اللقاء، ويمنح نفسه قوّة على مواجهة أسوإ الاحتمالات. جبّار أحد أبناء العبيد، الذين خدموا في بيوت الإقطاعيين. كان ذلك قبل ثورة تموز 1958. جبّار أكبر منه ببضع سنوات. كثيراً ما جاء عندهم في كوخهم القصبيّ، الواقع على مجرى النهر، قرب قرية العدل، حينما كانوا صغاراً. وعلى الرغم من غرابة لونه الأسود، وتحاشي أولاد الفلاحين من الاختلاط به وبأهله، ومعاملتهم بشيء من التعالي والازدراء، لأنّهم عبيد، إلا أنّه لم يكن يحسّ بذلك الشعور العدائيّ نحو جبّار. كانت أمّه، التي تتعاطف مع عوائل العبيد، لا تمنعه من اللعب معه. ربّما لأنّه مثله لا ينتسب إلى هذا الوسط الفلاحيّ العشائريّ. جبّار مختلف بلونه ونسبه. هو وأهله مختلفون أيضاً، مثل جبّار وأهله. لكنّه لا يحسّ بالاستصغار مثل جبّار، لأنّ أباه علمّه أنّهم أهل هذه الأرض منذ أن خلقها الله. هم ليسوا مسلمين، وليسوا فلاحين أيضاً. هم يعملون في صناعة القوارب النهريّة. هو ابن هذه الأرض، ولد عليها هو وأجداده الأقدمون، وعاشوا فيها مختلفين عن الآخرين، ولكن، لبثوا آمنين مأمونين، أمناء.
هو وجبّار الساعديّ لعبا معاً. سبحا، تعاركا، اصطادا الزرازير والأسماك، وركضا خلف الجواميس. حتّى أنّهما اشتركا في ألعاب الكبار الخطيرة أيضاً. فغير مرّة حرسا الطريق المؤدّية إلى بيتهم، حينما كان ابن عمّه، المعلم الشيوعيّ، يأتي إليهم من مدينة العمارة. في كوخ القوارب كان ابن عمّه يعقد اجتماعاته السريّة ببعض الفلاحين الناقمين على الإقطاع والحكومة الملكيّة. كان الفلاحون يأتون إلى بيتهم بحجّة إصلاح قواربهم أو شراء قوارب جديدة. هو يتذكّر جيّداً كيف كانا، هو جبّار، يقفان على الجرف وعيونهما لا تفارق مجرى النهر، ينظران إلى البعيد، وحالما يأتي أحد الغرباء في اتجاه بيتهم يسرعان إلى ابن عمّه لتنبيهه. لهذا السبب هو لا يحبّ السياسة، بل يكرهها. لا يحبّ المصير المأساويّ، الذي وقع فيه ابن عمّه بعد سقوط ثورة تموز، حينما جرى تعذيبه، وتنفيذ الإعدام به غير مرّة، حتّى غدا أسطورة ذلك الزمن المشؤوم. كانوا في كلّ مرّة يعصبون عينيه، ويضعونه أمام حفرة، ويعطون أمراً بإطلاق النار؛ وحينما يسمع قعقعة السلاح يهتف عالياً بحياة الشعب والحزب الشيوعيّ. لكنّهم يكتفون بإطلاق النار في الهواء. أسطورة الزمن البطوليّ المنقرض يدور الآن، في المقاهي والمنتديات، مبشّراً بولادة الزمن الجميل، زمن البعث، واضعاً نفسه في خدمة جهاز الأمن، هو وأبنه الكبير. نعم، هو يخاف هذا المصير المتقلّب، الملتبس، المعقّد. لذلك يتحاشى السياسة، ولا يتدخّل في مشاكلها أبداً، أبداً. ترى هل فعلها ابن عمّه به، أو ربّما ابنه اللئيم؟ لم لا، الساقط يفعل أيّ شيء، أيّ شيء!
عند الباب قابله شخص جامد الوجه، نطق بضع كلمات وهو يشير إلى كرسيّ في باحة المقر:
– انتظر هنا، سيأتي الرفيق بعد قليل.
الآن يجلس قلقاً، في مقر حزب السلطة، بانتظار صديق طفولته، لأمر لا بدّ أن يكون سياسيًّا. من يدري، ربّما لا يكون كذلك! ربـّما يكون جبّار قد تذكّره حينما عرف بوجوده في المدينة فأراد أن… لا، لا يمكن، لا يمكن لجبّار أن ينسى أنّهما استخدِما يوماً ما في لعبة خطيرة من ألعاب الكبار. هل يريد أن يستخدم هذا للضغط عليه؟ ربّما، فهم يريدون أن يصبح الجميع أعضاء في حزبهم.
– ليس في الحزب حصراً، تستطيع أن تكون عضواً ديموقراطيًّا في النقابة. العمل النقابيّ عمل ديموقراطيّ، لا صلة له بالسياسة والأحزاب، فما حجّتك الآن؟
مرّت في مخيلة رياض صورة مدير مدرسته أسعد الحديثيّ، حينما استدعاه قبل أيّام، بعد أن رفض عرضه السابق بالانضمام إلى الحزب أو النقابة.
أجاب رياض:
– أنا كما تعرف شاعر مستقلّ، أريد أن أكون مخلصاً لإبداعي.
ردّ أسعد قائلاً بنفاد صبر:
– كن شاعراً كما تشاء. ولكن، هل من العيب أن يكون الشاعر مخلصاً للشعب والجماهير؟
– كلّا من دون شك، أنا مخلص لهما في شعري، فأنا وطنيّ، مستقلّ.
لم يعقّب المدير. امتعض، ولكن لم يتمكّن من الردّ أو مواصلة الحديث. أحسّ رياض أنّه نجا من الفخّ بأعجوبة. وعلى الرغم من أنّه تخلّص من قبضة المدير المحكمة، إلّا أنّه يدرك أنّهم سيكرّرون المحاولة معه، كما فعلوا مع صبحي، الذي بدأوا معه بالعمل في النقابة، ثمّ شرعوا يضغطون في اتجاه تحويله إلى عضويّة الحزب. هل يريد جبّار تكرار الأمر؟ هل سيذكّره بطفولتهما ليضغط عليه من خلال ذلك الماضي، الذي لم يكن مسؤولاً عنه؟ وهل من اللائق والمفيد أن يذكّره هو أيضاً بتلك اللحظات الطفوليّة البريئة، الجميلة، التي عاشاها معاً؟ كيف سيقابله؟ هل سيبتسم؟ سيصافحه؟ يقوم بمعانقته؟ نعم، لماذا لا. ألم يكن صديق الطفولة. ياه، كم هي بعيدة أزمان الطفولة!
مرّت ساعات ثقيلة، جامدة، وهو ينتظر في البناية الفارغة، ضعيفة الإنارة، مثل حيوان صغير محبوس في قفص حجريّ. لبث ينظر بملل وخوف وقلق إلى ظلمة ليل الربيع الكثيفة. الأضواء القادمة من خارج البناية تصل شاحبة، مصفرّة؛ والأصوات تمرّ مروراً سريعاً يخمش القلب. سيّارة أخرى تمرّ من غير أن تتوقف. يتابع صوت حركتها من بعيد ويستمع إلى دنوها من البناية بقلب راجف، ثمّ يحسّ بانفراج حالما تستمرّ في سيرها ولا تتوقف. وشوشات لأصوات تتحاور أو تهمس تقترب فتسرع دقّات قلبه، لكنّها تختفي في السكون والظلام، اللذين يبعثان في نفسه رهبة أشدّ عنفاً من رهبة الأنوار والحركة القادمة من الخارج.
هل هو معتقل هنا؟ هل نسوه؟ إلى متى سيظلّ جالساً في هذا القفص المظلم؟ أيحقّ له، لو يجرؤ، لو يقدر… أن يقوم من مكانه، الذي يتسمّر فيه، حيث تركه موظف أو حارس المقرّ الذي أمره بالجلوس والانتظار حتّى يأتي “الرفيق”. من المؤكّد أنّهم نسوه! ربّما أنّهم قرّروا أن ينسوه. نعم، قرّروا ذلك، حتّى يشلّ الخوف قلبه.
سيّارة بطيئة اقتربت وتوقفت بهدوء قرب باب المقرّ. ترجّل منها شخص ما. أغلق باب السيّارة بحيطة تامّة. تحرّكت أقدام في مدخل البناية، ثمّ تقدمت صوبه. أنير المصباح القريب من مقعده، فوجد رياض نفسه وجهاً لوجه أمام جبّار الساعديّ.
– أنا مشغول جدًّا كما ترى. مساء الخير. تفضّل. تفضّل إلى غرفتي، يا أستاذ رياض.
سار رياض خلفه وهو يفكّر بفرح أنّه اجتاز المحطّة الأولى الصعبة بنجاح تامّ. لم يقع مغشيًّا عليه، ولم يتلقّ ركلة من أحد. كلّ شيء مرّ على أحسن حال. ربّما هو لا يريد به شراً. ربّما هو يريد أن يكتفي بالسلام والتحيّة. وربّما يريد أن يسأل عن نشاط منير. نعم، فأخوه منير أضحى مزعجاً، يسبّب لهم قلقاً شديداً بانضمامه إلى شبيبة الحزب الشيوعيّ. هو يعرف، رغم إنكار منيرّ، أنّ أخاه يكذب، وأنّه يلتقيهم سرًّا في مدينة العمارة. ربّما يريد جبّار، بحكم الصداقة القديمة، أن ينبّهه إلى خطورة مثل هذا السلوك! ولكن… ربّما غير ذلك. هل يُعقل أن يكون بسبب أحلام؟ لا، أحلام ليس لها مكان هنا. هو لم يتبادل معها يوماً كلمة واحدة، خارج نطاق الدرس. ربّما يكون هو أقلّ المدرّسين صلة بها. ولكن، ربّما تكون هذه الصلة الأقلّ، هي الصلة الأكثر مدعاة للملاحظة، بثوانيها المثيرة، ولحظاتها الملتهبة، التي اعتاد أن ينهيها على عجل قبل أن تفضحه عيناه، وتشي به رعشات أعماقه. ربّما لاحظوا ذلك! محال! ما صلة هذا بمسؤول الشعبة وبالحزب؟
جلس في مواجهة جبّار الساعديّ، تفصله عنه منضدة عريضة تتكدّس فوقها الأوراق والملفّات بإهمال. نظر رياض خلسة، بخجل، إلى صديق طفولته. جسم جبّار الضيئل غارق في الكرسيّ تماماً، لا يكاد يظهر منه سوى رأس ماكر، يتقدّمه حنك مستدقّ، تليه أرنبة أنف مفلطحة، ثم جبين يطلق بريقاً معتماً، وشعر غير مشذّب. تنبّه جبّار إلى نظرات رياض فأسرع يجرّ الكرسيّ متقدّماً نحو المنضدة. وضع صدره فوق المنضدة، فبدا لرياض أشبه بعنكبوت يتسلّق نحوه. التمعت عينا العنكبوت السوداوان، فأدرك رياض أنّ الزمن البعيد، الذي كانا يلعبان فيه في مجاري الأنهار، ويركضان فيه خلف الجواميس والطيور قد انمحى من خيال هذا الرجل البارد، الغريب، الذي شرع يتحدث عن أمور لا تعنيه، عن المسؤوليّات الحزبيّة والثورة والأعداء الداخليين والبناء والتحالف الوطنيّ وتماسك الجبهة الداخليّة والزمن الجميل…
– هل تعرف لماذا طلبت منك أن تحضر؟
ألقى جبّار سؤاله على غير توقع، بانعطافة حادّة، مفاجئة، لم يكن رياض قد أعدّ نفسه لها.
– لا.
أجاب رياض بخوف، ولكن برغبة حقيقيّة في أن يعرف. فعلى الرغم من أنّ جبّار الساعديّ لبث بارداً، خالياً من الودّ الخاص، إلًا أنّ تعابيره تخلو من أمارات الشرّ أو الحقد. هو يجلس أمامه كما لو أنّه يطلب منه أن يذكّره بشيء لا يقوى هو بنفسه على تذكّره. نظر رياض إلى الوجه الغامق بخجل وحذر وهو لا يستطيع إلاّ أن يراه طفلاً، طفلاً لم ولن يكبر أبداً، الطفل الذي كان في ذلك الزمن البعيد الجميل. ولكن، كيف ينظر جبّار إليه؟ كيف يراه؟ أيّة صورة يرى الآن أمامه؟
– كنت أعتقد أنّك نبيه وفطن أكثر من هذا. على أيّة حال الموضوع يتعلّق بالمدرسة.
إذاً، الأمر يتعلق بمنير، بأخيه، وليس به. فكّر رياض، وهو يحسّ بقدر يسير من الانفراج. فلا أحد في عائلتهم له صلة بالشيوعيين عدا منير. فهو على الرغم من علاقته وصداقته بزملائه المدرّسين الشيوعيين في المدرسة، ورغم علاقة الصداقة التي تربطه بشاعر المدينة، الشيوعيّ السابق، المنشقّ، عبد النبيّ، إلا أنّه لا يشاركهم أفكارهم الخاصّة، ولا يتعامل معهم سياسيًّا.
الجميع هنا يعرفون أنّه لا يحبّذ الاشتراك في عمل سياسيّ لأيّة جهة كانت. هو باختصار شديد: مستقلّ. نعم هو وطنيّ، لكنّه مستقلّ. لم يفرّط رياض في استقلاله حتّى حينما أخبره الشيوعيون أنّهم سيكونون في تحالف مع السلطة في خندق واحد، وأنّ تحالفهم يمنحهم الحقّ في العمل العلنيّ الشرعيّ، كشركاء في بناء الوطن وحماية الثورة الوطنيّة الديموقراطيّة وبناء الاشتراكيّة. لم يطمئن قلبه، وظلّ بعيداً عن متاعب السياسة. أنا شاعر، وطنيّ مستقلّ، أجابهم. وحينما ردّوا عليه: شاعر نعم، ولكن شاعر جبان، من جماعة الفن للفن. ردّ عليهم بمكر: لكلّ امرئ عيوبه، وعيبي أنّني شاعر وطنيّ مستقلّ. هذا ما أقدر عليه.
– لم أكن أعتقد أنّك ماكر إلى هذا الحدّ!
خرجت الكلمات من فم جبّار هادئة، بطيئة، كما لو أنّه كان يخطّها حرفاً حرفاً. صدمته كلمة ماكر، ارتعش وأجاب من دون أن يعي ماذا قال:
– أنا؟ ماذا تعني يا…
توقف لسانه عن النطق وهو يفكّر في الصفة التي يتوجب عليه استخدامها وهو يخاطب جبّار الساعديّ. لكنّ جبّار الساعديّ لم يمهله، عجّل يقول، كما لو كان يلقّنه:
– يا رفيق. قل بدون تكلفة يا رفيق.
– يا رفيق! ماذا تعني بالمكر، يا رفيق؟
– أعني “مسيو”.
– يا رفيق لم أفهم قصدك.
– هذا يعني أنّ ظنّي في محلّه. أنت حقًّا ماكر. هل نسيت كلمة “مسيو”؟
– أقسم بالله العليّ العظيم أنا لا أعرف عن أيّ شيء تتحدث، يا رفيق.
– بأيّ ربّ تقسم؟ ربّنا أم ربّكم؟ أم ربّ المسيو؟
– بشرفي أنا عاجز تماماً عن الفهم.
– أنا أفهّمك. ألم تستخدم كلمة “مسيو” في الصف الثاني المختلط قبل أيّام؟
– استخدمتها في الصف المختلط والصفوف غير المختلطة.
– إذاً، لماذا هذا التغابي والتظاهر بالبراءة؟
– وهل أخطأت في شيء؟
– هذا يعني أنك تعترف. كنت أظنّك بريئاً بحقّ، وأنّهم يفترون عليك زوراً. لكنّك تعترف أمامي وجهاً لوجه، من دون خوف، ومن دون خجل وحياء، ومن دون تأنيب ضمير أيضاً. تعترف أمامي بأنّك قلتها في الصف المختلط أمام الفتيات.
– أنا لا أعرف كيف أردّ.
– طبعا أنت لا تعرف. وماذا تريد أن تردّ؟
أهي أحلام، وشيت به! ولكنّه لم يقل الكلمة لأحلام شخصيًّا. وردت كلمة “مسيو” في حوار بين إنجليزيّ وفرنسيّ يتبادلان عبارات التحيّة في درس المحادثة. هو لم يفعل شيئاً سوى أن قرأ دور الفرنسيّ واكتفى الطلاب بقراءة دور الرجل الإنجليزيّ. صبحي لا يعرف شيئاً عن الموضوع. ترى هل وشى به عدنان؟ أليس هو منافسه في تدريس المادة؟ هل كان يستدرجه في حواره المتكرّر والجريء عنها وعن حزب البعث؟ ربّما، من أين أتى بتلك الجرأة السياسيّة، التي تتناقض تماماً مع سلوكه المعتاد وطباعه! لا، لا يمكن، عدنان صديق طيّب، رغم تلوّنه ودلاله. ربّما يكون صبحي، الذي جاءه باكياً قبل أيام شاكياً له من أنّهم يريدون ارغامه على الدخول في الحزب، فاضطر إلى مواساته والتخفيف عنه. ربّما كان يتصنّع لغرض استدراجه. لكّنه لا يعرف شيئا يتعلّق بدرس المحادثة.
– هلّو مسيو رياض! أين شردت أفكارك؟ هل أنت معي؟ اخبرني هل قلت للفتيات كلمة “مسيو” فقط أم ألحقتها بكلمة “بَنجور”؟
– نعم، قلت “بُونجور”. ولكن يا رفيق أنا قرأت جزءاً من الحوار، وقرأ التلاميذ الجزء الآخر بشكل تمثيليّ.
– وقلت لهم بنبرة خاصّة “بَنجور مسيو”، ثمّ ابتسمت مثل مراهق! هل حدث هذا أم لم يحدث؟
– حدث. لأنّ الكلمة كما قلت لك جزء من درس الحوار. هل تريد منّي أن أترك تعليم هذا الدرس؟ لو طلبت المدرسة منّي حذفه لحذفته، ولكن لم يطلب أحد منّي ذلك.
– وابتسمت مثل مراهق؟
– المرء يبتسم عادة حينما يحيّي الناس.
– لا تغالط أو تتشاطر، ولا تحرّف أقوالي. أنا أتحدث عن “بَنجور” و”مسيو” والضحكة المخنّثة، التي رافقت نطق الكلمتين. هذا لا يوجد في الحوار. أليس كذلك؟
– يا رفيق هذا الكلام موجود في أيّ حوار اعتياديّ، ولا يحتوي على شيء مخالف للأدب.
– حتّى لو تمّ توجيهه إلى التلميذات العفيفات القاصرات، اللواتي هنّ أمانة في أعناقكم؟
– يا رفيق كلمة “مسيو” تخصّ الرجال، ولا يمكن أن تُستخدم لغرض غير شريف حينما توجه إلى امرأة، لأنّها ستكون إهانة لا …
– أكمل… لا تكون ماذا؟
بحث رياض عن لعاب يليّن به قاع فمه، لكنّه لم يعثر إلّا على لحم ناشف، فأحسّ أنّ فمه ومجرى تنفسه كلّه جافّ كالحجر. فتح فمه، فاندفعت منه كلمات تجرّ بعضها بعضاً من دون ترتيب أو نظام أو منطق:
– لا تكون غزلاً. إذا كان المقصود بذلك هذا، أعني إذا كان ذاك، الذي هو المقصود بذلك…
– بالضبط! أنت الآن تفهم جيّداً ما المقصود. أنا قلت لنفسي منذ البدء إنّك ماكر. تلفّ، تلفّ، تدور وتناور، لكنّك في الأخير تعترف بجريمتك. بالمناسبة، صديقك الشاعر المخبّل عبد النبيّ ناور مثلك. لفّ ولفّ وتفلسف، وفي النهاية اضطر إلى الاعتراف كما تفعل أنت الآن. جلس هنا، في المكان نفسه، الذي تجلس أنت فيه الآن، جلس مثل كلب ذليل، واعترف بأنّه غنّى في الغابة. لولا رأفتنا بأهله وتدخّل بعض الأصدقاء، لنفّذت فيه الحكم الذي قرّرته قيادة الحزب.
هو لا يحتاج إلى من يذكّره بما حدث لصديقه الشاعر عبد النبيّ. لقد عاش تلك القصّة المرعبة ساعة بساعة. هل سيفعلون به ما فعلوه بعبد النبيّ؟ هل يُعقل أنّهم سيجعلون كلمة “مسيو” حجّة ويفعلون به ما اعتزموا أن يفعلوه بعبد النبيّ؟ يحلقون شعر رأسه وحاجبيه، ويصبغون وجهه بالمساحيق، ويركبونه حماراً بالمقلوب، ويدورون به في السوق والأزقّة! ألم تكن تهمة عبد النبيّ أكثر سخفاً من تهمة “مسيو”؟ ألم يتّهموه بأنّه سكر وغنّى وعربد في الغابة، فأزعج أبناء الشعب الوادعين؟ ألا يعرف الناس جميعاً أنّ غابة أشجارالغَرَب البعيدة الموحشة تخلو من البشر، ولا تعيش فيها سوى الكلاب الضالّة، وأنّ جميع الشباب يسكرون هناك، بمن فيهم البعثيّون. ألا يعرف الجميع أن سبب تلك التهمة يكمن في عناد عبدالنبيّ وعدم انصياعه لهم، وأنّه استفزهم قبل الحادث بيومين حينما قرأ قصيدة عموديّة على بعض أصدقائه، الذين يأتون إليه في مطعمه الصغير في سوق المدينة، فأزعج مضمونها رجال الحزب في المدينة. القصيدة سبب ذلك، ولكن ما سبب تلفيقهم حكاية “مسيو” و “بُونجور” ضده؟
هل سيكتفي جبّار بتذكيره بمصير عبدالنبيّ، أم أنّه ينوي تطبيق القصاص عليه عمليًّا ؟ أليست تهمته مشابهة: هتك عفّة فتيات المدينة القاصرات من طريق تعليمهنّ كلمة “مسيو” و”بُونجور” مصحوبتين بابتسامة مخنّثة!
أحسّ رياض أنّه لا يقوى على النطق، وحتّى لو استطاع، فما عساه أن يقول. للحظات ظنّ أنّه يعيش في كابوس، أو في فيلم من أفلام اللامعقول، لولا صوت جبّار الذي جاءه ساخراً وقطع عليه استغراقه في الكابوس العجيب:
– يبدو أنّك نمت، ربّما سرحت تفكّر في مصير صديقك الشاعر وغنائه في الغابة، صديقك عبدالنبيّ الحمار!
نطق كلمة حمار بطريقة مضخّمة، ساخرة.
تمالك رياض نفسه وهو يقول بصوت يشبه الهذيان:
– هذه سرياليّة.
نطق الكلمتين وسكت، فردّ جبّار الساعديّ على الفور بغلظة:
– ماذا قلت؟
– قلت سرياليّة.
– وماذا تعني بهذا؟
لا يعرف رياض من أين أتته هذه الجرأة المفاجئة على الردّ. نظر إلى جبّار الساعديّ وهو يشعر أنّه رغم خوفه لم يزل يتفوّق على جبّار، في الأقل، بمعارفه. لم يفكّر، بل نطق لا إراديًّا مثل معلّم يشرح معنى كلمة صعبة لتلميذ أحمق، ضعيف الإدراك:
– تعني مسرح اللامعقول، وأدب اللامعقول.
– نعم، بالضبط كما قيل لي. مسرحيّة! ها، مسرحيّة! قل لي يا سيد رياض: ما هي مهنتك؟ هل أنت مدرّس أم ممثّل أم مخرج في هذه المسرحيّة اللاأخلاقيّة؟
– أنت تعرف ما هي مهنتي.
– لا تتفلسف، ولا تستغلّ رأفتي بك، ولا تحاول أن تتحامق مثل صاحبك الشاعر المنحطّ، فأنا لا أحبّ المتفلسفين. لقد اعترفت بتهمك، وكان الأجدر بك أن تفعل هذا منذ البدء لكي تريحني وتريح نفسك.
– أنا آسف يا رفيق.
– ليس المهمّ الأسف، المهمّ أن يتعلّم الإنسان من إخطائه، وأنا أسألك الآن ماذا تعلّمت من هذا الخطأ القبيح؟
لم يجب رياض، ولم يطلب منه جبّار أن يجيب. نطق سؤاله وسكت. سحب جسده إلى الخلف فاختفى جسمه الضئيل في الكرسي الوثير، وغار جسده حتّى الصدر تحت المنضدة الواسعة، العالية، وشرع ينظر بجمود وسكون في وجه رياض، كما لو كان يستحضر شيئاً ما، أو كما لو كان يحاول العثور على شيء ما. طال الصمت. فكّر رياض في أن يقول شيئاً، لكنّه لم يفعل، لأنّه لم يكن واثقاً من ّ أنّه قادر على الكلام، وحتّى لو استطاع ماذا سيقول له. لبث رياض يتبادل الصمت مع جبّار الغاطس خلف المنضدة، منتظراً أن يبدأ جبّار بالحديث، لكنّه لم يفعل. لبث جبّار مختبئاً، محصّناً بالصمت، ينظر إلى رياض بهدوء من موقعه، بالضبط كما كان يفعل وهو طفل، حينما كان يختبئ بين أعواد القصب والبردي، مثل ثعبان.
– هل تنتظر شيئاً ما؟
نطق جبّار الساعديً فجأة بصوت محايد، كما لو أنّه ليس صوته، ولم يصدر منه، وإنّما صدر من الكتلة، الداكنة، المبهمة،الغارقة في الكرسيّ. صوت بارد، ميّت، يشبه اللاشيء. ولكن، رغم ذلك، حرّك صوتُ جبّار السكونَ القائمَ بينهما، ومنح رياض فرصة مفاجئة لأن يتمتم من دون وعي قائلاً:
– شكراً يا رفيق.
– هل تنتظر أحداً؟
– يعني، هل أستطيع الذهاب؟
– وهل منعك أحد؟
– شكراً جزيلاً يارفيق، في أمان الله.
نطق رياض كلماته بعسر، وهو يجرّ نفساً عميقاً. نهض متخاذلاً، حذراً، ثمّ سار متعثّراً نحو الباب. وقبل أن يخرج جاءه الصوت البارد مجدّداً، ولكن أكثر علواً هذه المرّة:
– تذكّر: لا “مسيو” بعد اليوم، لا “مسيو” ولا “بَنجور”!
ردّ رياض من دون أن يلتفت إلى الخلف:
– لا “مسيو” ولا “بُونجور” يا رفيق.
– ليس لي، قل هذا لمن يهمّه الأمر. هل فهمت؟ قل هذا غداً لمديرك، للأستاذ أسعد الحديثي. حاول أن تعتذر منه، قبل بدء الدوام. قل له لا “مسيو” بعد اليوم. هل فهمت؟
حاول رياض أن يلتفت إلى مصدر الصوت، لكنّه لم يستطع، لبث يستمع وهو واقف في مواجهة الباب. وحينما انقطع الصوت سار مرتطماً بحافّة الباب. تمالك نفسه ثمّ خطا مضطرباً، وهو يحس أنّه لم يزل مطارداً من قبل الصوت البارد والوجه الضعيف المعتم، الذي لا يربطه رابط، من قريب أو بعيد، بذلك الوجه الصغير، البائس، المنبوذ، الذي لعب وسبح وركض معه خلف الزرازير والجواميس في ذلك الزمن البعيد، الميّت.
اندفع رياض سائراً على غير هدي، باتجاه الضفّة الثانية للمدينة. سار على الجسر الرجراج فأحسّ بنفسه قشّة يابسة طافية على موجة تائهة في بحر، وأنّه مطارد من الظلمة ومن دوّامات الغبار، التي تثيرها قدماه الثقيلتان، وأنّه لا ينفك يسمع صوتاً لديك غبيّ يصيح في أوائل الليل، متوهّماً فجراً كاذباً.

# في حال تطابق الأحداث والأشخاص والأماكن والأسماء مع الواقع، فهذا ليس من باب المصادفة على الإطلاق.

شاهد أيضاً

مقداد مسعود: الأخضر بن يوسف

وَلِهٌ بهذا الليلِ . في النهارات : أنتَ منشغلٌ بالأرض تجتث ُ ما تكدّسَ في …

بعض ذكرياتي فترة الدخول المدرسي(2/2) بقلم: سعيد بوخليط

العمل في المقاهي كالجلوس المتعفف داخل فضائها،يقدم لصاحبه أطباق حكايات حياتية متعددة،تنطوي على ألغاز ثرية …

الأيام الأولى في أوستن، 1998 / جيمس كيلمان
ترجمة صالح الرزوق

من أجل ماك على الطريق السريع للحياة ، سيكون هناك فرص تكسبها على الطريق السريع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *