اللغةُ النصيّة، وأسلوبية الكاتب التجديدي في الإدهاش التصويري..
قراءة موجزة في القصة القصيرة ” حصانُها الجامح” للكاتب العراقي مديح الصادق
سعد الساعدي/العراق

في محاولة نقدية تجديدية لقراءة أي نصٍّ، أو عمل ابداعي انتجه الجهد الإنساني اليوم نقف عند ما طرحناه في نظريتنا النقدية الجديدة ” التحليل والارتقاء.. مدرسة النقد التجديدية” ولو بشكل موجز، لإعانة المتلقي بتشكيل الصورة الحقيقية للعمل الإبداعي التي على ضوئها تتبين الماهيّة الحقيقية للنص أو (الانبعاث الناتج) وفكرته العامة من خلال مرتكزات مهمة كثيرة، نأخذ بعضاً منها في تحليل قصة قصيرة كتبها البروفيسور مديح الصادق على صفحته الشخصية في الفيسبوك لفسح المجال لقراءات جديدة لمن تعجبه القصة، وقبل ذلك نعرض النص للقراءة كانطباع أولي:
النص
حصانُها الجامح… قصَّة قصيرة.
بقلم مديح الصادق...
” لا ترمِ المرأة، ولو بزهرة. من قالها مجنون فعلاً، أو نصف مجنون؛ إما أنه شاعر حالم، كما هم الشعراء في خيالهم سارحون دوماً، أو عاشق مهووس استنفذ الحيلة في أن يستميل من أحبَّ؛ فألقى الخطاب في حضرتها كما يُلقى الطعم لأسماك النهر أو البحر، تمهيداً لأسرها، ثم بكلِّ ما توفرت لديه من قيود تسنَّى له تكبيلها، والأمر سهل، فلكلِّ قيد ما يبرِّره، وتحت عنوان واحد تندرج جميعها، أعراف المجتمع، تقاليد العشيرة، شرائع الدين، وحينذاك لا تكفيه زهور حديقته ليقذفها عليها، بل يستحضر كلَّ قواميس الألفاظ التي تحطّ من قدرها، أصلية كانت أم مُعرَّبة، وقد يكون طوق نجاة له اعتراضها؛ فيمين الطلاق جاهز مثلما الزوجة الأخرى جاهزة، وإن تعدَّدت النساء فلا ضير، إن كنَّ وفق العدد المسموح، وصاحب الشأن بمال الحرام أو الحلال محشوٌّ جيبه، وبالعقاقير مُستعين.

بامتعاض ما كانت به تقرأ عنها أزاحتْ، جسدَها ألقتْ على سريرها الناعم المُعطَّر كما كان ليلة عرسها، وكلّ شيء كما كان حولها، الليلة خلاف باقي الليالي، اكتملت زينتها، البدلة الأنيقة التصقت بالجسم، شعرها الطويل الأسود الفاحم قد داعب ما تحت العجيزة منها، ووجهها الحنطي، للسمرة مائل؛ جماله الطبيعي أغناها عن الإيغال بصبغه، سندانة اللبلاب تسلقت قضبان الشرفة حتى باتت تشبه لوحاتها التي تحاكي الطبيعة في ألوانها، أمامها على الحائط الصورة التي يحتفظ بها الأزواج مدى العمر، ليلة زفافهما، البدلة البيضاء لم يزل ناصعاً بياضها، صناديق الهدايا التي رصفت حسب تواريخها، صندوق الموسيقا وما فيه مما كان بأيام جنون العشق يُذكِّرهما، في الركن الآخر أنواط، نياشين، باجات، دروع تكريم، وعلى كلّ منها تأريخه والمناسبة، ذاك لمهرجان شعر كانت فيه مُميَّزة، هذا لمعرض فني تألقت فيه، ففازت لوحاتها، الآخر يوم الشهادة العليا بامتياز حصدت، وهنا درع تكريم لامرأة في مجال حقوق المرأة كانت ناشطة، ألا يكفي كلّ هذا زوجاً، إن كان عاقلاً؛ كي بها يفاخر، وبما نالت يرفع رأسه؟ أهملت السؤال فهي مقدَّماً أدركت جوابه، ومن يُدرك الجواب لا يعنيه سؤاله.

أيا جسدي الفاتن، ويا شعري الطويل، وصدري الناهد، أيها الوجه الذي به تغنّى الذين لم يكتموا ما أثار عندهم، مَنْ غزلاً كتب القصائد في طرف خفيَّ لكَ مُلمِّحاً، أو مَنْ، إعجاباً، رسم اللوحات التي من تقاسيمك اقتربت، والأوقح من هذا وذاك عميد الكليَّة ذو أثمن ساعة، وأنواع الخواتم، بالمسبحة الطويلة التي بالفضة قد رُصِّعت، وعلى جبينه آثار تعبِّد قد وُسمت؛ إذ عرضَ التعيين عليك مقابل أن له تستسلمي، وما الأمر صعب؛ فلكلِّ ما يصعب مخرج.
أمّا أنتِ، أيتها المسكينة الجائعة التي ما لذَّ وطابَ من أصناف الطعام تحيطها، لا باقة فككتِ، ولا رغيفاً قد ثلمتِ، العروض على الشاشة ازدحمت، والصوت فيك يصرخ من أعماقك، والبركان يستعر، الرغبة الجامحة التي يغذيها ما عنه تبحثين في محطاتك، أو ما تثيره فيك أحاديث ذوات الأزواج من زميلاتك، وما به يُلمِّح المُعجبون من أصدقائك، ماذا بوسعها أن تفعل، ابنة حواء؛ إن هي ما بين السندان والمطرقة انحشرت؟ الزوج لعوب، فُتحت له الأبواب كعجل حبله على قرونه، الكسب الحرام قد أغناه بعد فقر، وقد استبدل القميص الذي رقَّعته له يوماً، والياقة التي على البطانة قد قلبتها؛ بفاخر اللباس، وأنواع المركبات والحماية، والجواز الدبلوماسي، وحسب ما به يسمح الشرع تعدَّدت زوجاته، والعشيقات؛ فكان نصيبها هي الهجر، ومن كل ما هو من حقها قد حُرمتْ، وكم من ليلة حتى الصباح على كل الجهات تقلَّبتْ!.
أمام خيارين هي الليلة، صبراً لا تطيق بعد اليوم، الاستسلام لما به حُكِمت من زوجها الذي رفض الطلاق، ناهيك عمّا به مُقيَّدة ممّا حولها، أو إعلان الثورة، حصانها الجامح صائل بانتظار أن تُطلق عنانه، وإذ ذاك يُحطِّم السواتر، والعوائقَ يرفس، الفارس عند الباب يعدّ الدقائق مُحكِماً لاثنين سرجَه، وهي على وجه الكمال قد جهَزتْ، وما لهذا اليوم ممّا خفَّ حمله قد أحضرتْ، وليكنْ ما يكون بعدها، ساعة الصفر قد أزفتْ.
دورة الوداع دارت بغرفتها، دسَّت الألبوم فيما حملتْ، ساخناً كان دمعها، والغصَّة ما فارقتْ صدرها، يداً مدَّتْ تفتح الباب، ونحو صورة على الحائط جيدها لوَتْ، الباب ها قد فُتحتْ، الطبل يُقرَع، والأغاني، الكيكة والشموع قد أُشعلتْ، ثلاث نغمات سوبرانو صدحتْ: عيد ميلاد سعيد لك يا ماما، (هبي نيو يير، ماما)…”.

تمهيد:
إنّ الدور الاشتغالي النقدي التجديدي لمثل هكذا نصٍّ بعيداً عن أية سفسطة نقدية سائرة الى الآن في الكثير من القراءات والدراسات النقدية ينطلق عبر محاور ثلاثة كجزء تعريفي أولي، وليس بشكل تفصيلي كسرد مطول غارق بالمصطلحات التي تحتاج لتفسير جديد يسطّح الموضوع، ويرسل رسالة مشوشة للمتلقي (القارئ) أو المشاهد المتابع.

التحليل:
يأتي التحليل هنا عبر محاور ثلاثة كجزء معرفي منفصل يكشف النص وجوهرة بشكلٍ أقل من التفصيل الطويل:
أولاً: محاور جمالية اللغة النصيّة – الوصفية
لكل عمل أدبي محور أو عدة محاور يدور حولها أو داخلها النص، أو هي المرتكز الحقيقي المبتغى، يعرفها بكل تأكيد النّاص وصاحب العمل. أحياناً يقف قريباً منها الناقد، أو يتجاوزها لنقطة ليست هي المركز الحقيقي، وبذا يخسـر المتلقي معرفة يسعى اليها، وبالتالي قد يصاحب ذلك شكّ من منتِج الابداع طالما المتصدي له من أصحاب الخبرة والشأن. في حين لو تمّت التعرية بالشكل المنطقي المفهوم استناداً لتحليل معمّق، وتفكيك نقيّ، وفهم كامل للنص قام به الناقد وجلاه للعيان، فستكون عملية الفهم والمشاركة بأقصـى درجات الصواب التي يتمناها الكاتب، ويهتم بها المتلقي كمعين مساند لاحق قد يشارك في رجع الصدى، أو التغذية المرتدة كما عرَفناها في علم الاتصال.
إنَّ معرفة جدلية المرتكزات الثلاث: اللغة، المعنى، والجمال هي أولى الدواعي للوقوف على سرٍّ من أسرار الإبداع في معرفة بؤرة النص المركزية أو الثانوية، فقد تكون هناك بؤر متعددة يتضمنها النص فيما لو لم ينشأ تضاد وتعارض بين الناقد والكاتب (النّاص) باتفاق تام، أو شبه تام تحليلياً ضمن اطار جو اللغة النصيّة. أما لو حصل العكس فالمتأثر الوحيد هو المتلقي الذي يقف متوسطاً الرأيين.
منذ الاستهلال الاول برزت صورة المرأة؛ هي المحور المحرّك للعمل، والدافع الرئيس لتتالي اللاحق فيما بعد، وبذا هي واحدة من البؤر الفاعلة كون القصة تدور عنها؛ أية امرأة كانت هي فلا يعيننا شأنها وخصوصيتها، بقدر عمق الرسالة التي انطلقت من وصف ما بها، في اشارة من الكاتب للكثير ممن يشبهنها بحالتها تلك؛ جسّدَ ورسم مجموعة صور جاءت بها القصة.
جزء من استظهار ذاتية العمل الأدبي وجوهره، قد تأتي من التأويل الشامل للنص كبنية متّحدة، أو العلم التام بالنوعية والكيفية التي سار عليها الكاتب هنا، وأنتج نصّاً يستحق الاصطفاف ضمن المسيرة الإبداعية. التوظيف برؤية اجتماعية دائرة، مع السيكولوجية البنائية للنص، أعطته وظيفة خاصة فيها الكثير من التساؤلات مع النفس، والهواجس الداخلية للمتلقي. هذه الوظيفة من أخطر وأهم الغايات التي يجب أن يتقنها الكاتب، ويتحرّاها الناقد للكشف والتحليل بما يتّسع وقته، وهي التي تسهل عليه لاحقاً اكمال مهمته بأقل جهد، لينتج عملاً إبداعياً جديداً، كخطاب اقناعي مستَنبَط تحليلياً، مُوجه من كاتب النصّ.
ضمن هذا الاطار أجد أن مديح الصادق وقف على جرح عميق في ظاهرة وإن كانت قديمة، لكنها تجددت باتساع الفساد الفكري، والنفسي، والمادي ضمن فوضى عارمة جالت وصالت في البلاد؛ البلاد المعروفة من هي، ولم يحدّدها الكاتب كمكان لمسرح الأحداث؛ تركها لمخيلة القارئ الذي شغله بكثير من التفكير ليستنتج ويتوقع ويظل في حالة ترقّب مستمر لم تؤول اليه الحالة، وهذه خاصية تحسب للكاتب، وأي كاتب آخر سار على نهجها.
اذا كانت بؤرة النص الواضحة هي المرأة؛ يمكننا كقراء قبل كل شيء اضافة تبئيرات فرعية أخرى منها: الحرمان، الكبت، القلق، فقد العدالة، الفقر، الفساد، الخوف اليأس، الويلات، والاحلام بحياة سعيدة. من كل واحدة من تلك البؤر يمكن تحليل أمور كثيرة سعى اليها الكاتب بقصد، أو دون قصد، لكنها يقيناً لم تأتِ بعفوية السرد والتزويق الكتابي والبلاغي، وهذا يعطي بشكل انطباعي أكثر من بقية الاشكال مدى رؤية امكانية التوسعة لناقد يسعى الى تشكيل أبداع خاص به يستمده من مبدع النص، سواء كان مديح الصادق أو غيره حين تلامسه غزارة من المعاني الكثيرة كما في هذه القصة، والتي تُعدّ (المعاني) فيها من المرتكزات الفاعلة بمعرفة قوة أو ضعف النص.
عند معرفة المنبع الأصيل لهذه القصة، والذي تتفرع منه دلالات ما سعى اليه كاتبها، أو ملتقياتها دون غيرها ضمن وظيفته الإشتغالية كسارد، هو في حقيقته البؤرة الحقيقة للنص ومحوره التي ستجعل بيد الناقد التجديدي الدليل الذي لا يقبل الشك في أن ما يقوم به اجرائياً هو تحديد اطار النص كحفرة عميقة بتحليل مضمون النص، لها أبواب عديدة يمكن دخولها بلا سقوط مؤذٍ، لأن مسافاتها قصيرة بعمق معقول كما يشبهها بعض من قال ذلك.

ثانياً: خلفية الناص الثقافية والعامة
كشـرط أولي مهم بقدر، معرفة خلفية الكاتب الكتابية؛ هل هي واقعية، نقدية، فنتازية، أو هو ممن يميلون للأساطير والميثولوجيا في كتاباتهم، أو الخيال بكل ما يتبنونه مثلاً، وهكذا.
هذه المعرفة كعوامل تساعد في تحليل نصوص الكاتب، أو العمل الابداعي له، والوقوف عند تشكيلاته المتنوعة كعوامل تشويقية تبتعد عن التعقيد. بالنسبة لكاتبنا لمن لا يعرفه – وهو غني عن التعريف- يعد واحداً من كتاب القصة القصيرة الواقعيين النقديين الذين تمتاز كتاباتهم بالاهتمام التراثي المحلي المنطلق من بيئة الجنوب؛ من مدينة ميسان (ميشان) التي كانت في يوم ما مملكة عريقة ذات تاريخ مجيد بقيت آثاره الروحية والأخلاقية الى اليوم، متجذرة في نفوس أهل تلك المدينة. ترعرع الكاتب في ناحية أو قضاء المشرح؛ أحد تفرعات نهر دجلة الخالد، وكتب من هناك، وكتب بعيداً أيضاً وهو في المهجر (كندا حالياً).
نزعة روحية تنطلق من نفسية حزينة واضحة على كتابات مديح الصادق حتى وإن كتب شعر الغزل، وهو الشاعر القدير لأنه المعلّق بين اثنتين: حنينه للوطن الذي يراه جريحاً، وبعده عنه لظروف سببها الظلم، وما تعرض له مع غيره أيام النظام السابق، اضافة ليقينه بعدم وجود فرصة استحقاقه الدور الحقيقي لو عاد اليه، وهو الخبير العليم بما جرى ويجري كل يوم.
مديح الصادق هو أحد اساتذة اللغة العربية المتمرسين المجددين فيها بدرجة (بروفيسور)؛ من المهتمين باللغة وفنونها؛ كتب بأغلب الأجناس الأدبية، اضافة لإدارته الكثير من المؤسسات الثقافية والأدبية، لذا فهو صاحب ملكة فكرية مؤهِّلة لإنتاج ابداع لا ينضب بكتابات ممتعة، طابعها التشويق الممتزج بنكهة جمال اللغة التي يكتب بها كما في لغة قصة “حصانُها الجامح” لا يمكن لناقد البحث عن نواقص في مفرداتها لأنه ابن اللغة ودليل غيره للنهل من مناهلها، ما جعل من اسلوبيته الكتابية، عبر المنظور البلاغي، أنْ تحتل مكانتها العالية بكل جدارة، ومع هذا فهو بشر كغيره لا يمكن وصفه بالمعصوم، لكنَّ اختصاصه فرض عليه الالتزام بالعصمة اللغوية، واستغلال كل الصور البلاغية لإيصال رسالته عبر قناة اتصالية سهلة لجمهور واسع.
اذن، يمكن القول: أن الرسائل التي يبعث بها كمرسل نجحت بتحقيق هدفها الى متلقٍ باحثٍ عن الجديد الممتع طالما ابتعد الكاتب عن التزويق اللفظي الفارغ. بيانته ومعانيه البديعية التزمت قانون الكتابة الاحترافي، وهذا يكفي لنعرف من هو كاتبنا، وكيف أنَّ نتاجاته مادة دسمة للمهتمين بشأن النقد إن كانوا نقاداً، ومتعة تَلقِّي تليق بالمتلقي الباحث عنها.
ونؤكد مرة أخرى أن العمل التجديدي هو التنوع اللغوي الجميل بكل معاني اللغة وانزياحاتها، والصور التشبيهية المباغتة للمتلقي (الشعرية والحكائية) لإيجاد حالة تفاعل مستمر بين الكاتب والمتلقي والناقد من أجل ظهور كتلة بنيوية جديدة يمكن تسميتها: النص المتفاعل؛ هذا النص الجديد للناقد فيه الدور الأهم لخلق عملية ابداعية متطورة عبر مسيرتها الآنية واللاحقة، حتى ظهور ما يتفوق عليها ضمن المسيرة الانسانية، وهذا ما يلاحظ على مديح الصادق أيضاً ككاتب تجديدي اليوم، وناقد واقعي، و محلِّل ينهج سبيل اللغة في وصفه، وكتاباته.
القصة التي بين أيدينا كانت رغبتنا الدخول اليها من هذا الباب، وليس من الأبواب التقليدية ضمن تحليل النص، بذكر معاني كلماته المعجمية، على سيرة أصحاب المنهج الكلاسيكي الذي لم يعد نافعاً بصوره تلك، مهما كثرت فيها المصطلحات العربية والاجنبية، حتى بات القارئ ينفر منها لأنها لا تغني، ولا تسمن من جوعٍ، غير سدّ فراغات متناثرة بكومة قشٍّ، يتطاير مع أقرب هبّة ريح، وإن كانت خفيفة.
كتابات الاستاذ الصادق، ومن يكتب على شاكلته، أو شاكلتها، تجعل المهتم بشؤون النقد واعياً لعمله، مستريحاً في اشتغالاته من معرفة العوامل المساعدة في تحليل نصوص الكاتب، أو الوقوف عند العمل الابداعي له، و تشكيلاته المتنوعة كعوامل تشويقية تبتعد عن التعقيد، وهذا ما التزمنا السير عليه هنا بعيداً عن اضافة الغموض على ترميزات معينة، أو ربما كنايات مبهمة قد يأتي بها العمل الإبداعي التجديدي؛ أي عمل بخصوصيةٍ فنية لا يجيدها إلاّ قلة من العارفين بما يجب أن يكون، والانطلاق بلغة سهلة حين يأتي النص بلغة سهلة أيضاً، خارج خرافات الكتابات السوريالية.

ثالثاً: إثارة تساؤلات التلقّي
في القصة القصيرة “حصانُها الجامح” أثار الكاتب – ضمناً- مجموعة تساؤلات مضمرة لدى القارئ من خلال نقد حالة، أو هي الآن ظاهرة اجتماعية منها مثلا:
هل ستقتل الزوجة زوجها الذي أهملها؟ كيف يكون ذلك؟ ما هو الأسلوب الذي تستخدمه للتخلص منه؟ هل بتجمّلها وزينتها تلك الليلة ستعيده اليها؟ هل حاولت الانتقام منه بخيانته مع آخر طالما أغرقت نفسها بالرجوع لأيام من تغزّل بها ذات يوم؟ هل هي راضية عن نفسها بما هي عليه الآن؟ أين أهلها حين لم نعرف مِنَ الكاتب مسانداً لها؟ أين كان أولادها، وهل تعلم بمجيئهم تلك اللية، أم هم حقيقة من فاجأوها؟
بهذه النهاية غير المتوقعة ختم الكاتب قصته مخيباً آمال المتابع له بتوقعاته وأسئلته تلك مع نفسه، وهذا شيء جديد في الكثير من الكتابات التجديدية المخالفة للتوقع من أجل الإدهاش التصويري، وغلق المخيلة بلا سابق انذار. مع أن النهاية سعيدة جاءت في خضم صراع نفسي عقيم للزوجة، لكنها بارقة أمل أحيت فيها بعض طعم للحياة لم تتمناها بهذا الشكل من زوجٍ عاقٍ، لا همِّ له غير ملذاته وفق دستور الأعراف المريضة، والنفوس الشريرة.
جاءت هذه القصة بطريقة مغايرة الى حدٍّ ما كتابات الأستاذ مديح الصادق السابقة المهتمة بطبيعة البيئة والناس فيها، بفقد عاملين سابقين له يعدّهما البعض مهمين؛ الزمان، والمكان؛ الذي أسلفنا بإشارة أنه تعبير مضمر، بكناية مضمرة عن بلاده، ورجالها الجدد. الافتقاد للزمان له مردود ايجابي هنا على تصوّر استمرارية الحدث، وادراك معانيه بوضع الاحتمالات المتنوعة، ونحن نرى أنه أجاد في اخفائه، عكس من يمجّد الزمان والتوقيت من بعض الخانقين أنفسهم بالقوالب القديمة.
تبقى ملاحظة أخيرة لابد للقارئ من معرفتها؛ انَّ الكاتب ومن يقرأ له وفق المعيار الموضوعي المطلوب، لا دخل له بنوعية العلاقة والمعرفة السابقة طالما أن هناك نصّ فيه مسحة ابداعية تستحق التأمل. المعرفة السابقة ضرورية جداً للناقد التجديدي لتوسعة رقعة التحليل لديه، وبذا يضيف ابداعاً للإبداع المشتغل عليه الى واحة ثقافة الانسانية برمتها، وليس انحيازاً لشخص دون آخر على حساب القيمة النقدية، والدلالة الصدقية في الاختيار، وإن لم يتمكن من ذلك فلا تثريب عليه. وبرأيي، أنّ هذه الطريقة (المعرفة قدر الامكان) هي من أهم مصاديق دعوتنا في التزام المنهج الجديد في النظرية النقدية التجديدية لنشر أكبر قدر من ابداع المبدعين والارتقاء بهم.

شاهد أيضاً

د. علاء العبادي: قراءة في “برق الأضحى” للشاعر و الناقد مقداد مسعود

يكاد البرق في انثيالاتِ ذاكرتنا الجمعية يرتبطُ بالخير و السعادة على الرغم من وهلة الخشية …

الشعرية والمتعلقات الذاتية في نصوص الشاعرة التونسية سهام محمد
الإهداء إلى شهداء انتفاضة التحرير المجيدة
كتابة: علاء حمد – العراق

إشارة : أمام هذا النشاط الثر والمُثقل بالأطروحات الجديدة للناقد العراقي المبدع “علاء حمد” لابُدّ …

شوقي كريم حسن: عمر السراي.. فتوة الشعر.

*في ظل الفوضى التي اطاحت بالشعر، وجعلته يرفل في دروب الضياع، والتراجع، والاوهام التي ابعدته …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *