الطين: المأزق والعلامة
قراءة في نصوص( أحزان صانع الطين)
قيس كاظم الجنابي

-1-
العنوان الذي اختاره الشاعر جبار الكواز، لمجموعة من نصوصه ( أحزان صائغ الطين)، وأردفه بعنوان ثانوي (نصوص) يشير الى وجود نوع من التشاكل بين نصوص الشاعر والنصوص الأسطورية القديمة؛ بما فيها ملحمة جلجامش ، مع نوع من التجريب ، في محاولة للخروج من النوع الكتابي المعاصر ، الى النوع الكتابي لحضارة الطين قبل اكتشاف المعادن، وهو ما يعرف بعصور ما قبل التاريخ؛ وهذا لا يعني العودة بالوعي الى فطرته الأولى، بقدر ما يعني العودة الى تراث بابل بحضاراتها المختلفة وجذورها المبكرة، مما يكشف لنا أن جذور أي أديب تبقى تحفر عميقاً في ذاكرته ، فتعيده الى ماضيه وطفولته الجذابة؛ فقد كان الصغار يلعبون بالطين ويصنعون لعبهم مع جدهم الكواز، فيتسلون ويبتكرون، وهذا ما يبدو على تجربة ناضجة مثل تجربة الشاعر جبار الكواز، حيث كان الجد يصنع الجرار ومعدات الانسان الطينية الأخرى، وهذه المهنة تعود في جذورها الى ما قبل عصر جلجامش وملحمته؛ مما يعني أن الاتصال بالطين هو اتصال حضاري واتصال جنيني، فالكوز رمز الخصب ،ورمز الارتواء ورمز النهرين دجلة والفرات، رمز للصناعات القريبة من حاجة الانسان، ولكنه ذهب الى ما هو أبعد من ذلك ، الى الذهب ودمى الطين التي تمثل الآلهة – الأم ،وهي تجلس على غرار دمى دور حلف فلا تشبه ما شاع في العبيد الجنوبي ، حيث تمثل على هيأة امرأة نحيفة ( هيفاء) ورأسها أشبه ما يكون برأس الحياة.[ مقدمة في تاريخ الحضارات( طه باقر)،1/ 232].
في نصه (الغابات العرجاء) ثمة عودة الى مهنة العائلة، حين يقول:” كنتُ أرمم جسدي وأقول لجدي الكواز خلف دواليب الطين ،رفقاً بي يا جدي لا تضغط بأصابع جنياتك قلبي”[منشورات الاتحاد العم للأدباء والكتاب في العراق، بغداد 2018م/ ص39-40].
ومن المرجح أن هذه العودة ليست عفوية، لأن ثمة حالات تنتاب الكبار في السن بعد عمر الستين، هي أنهم يعودون في ذاكرتهم الى مرحلة الطفولة والصبا، ويستذكرون ما عانوه وما فعلوه، فيعيدون صياغة حياتهم على وفق تلك الذكريات؛ ومن هنا فإن العودة الى مهنة الجد، أو الى الطين هي محاولة لقراءة التاريخ الشخصي وتاريخ المدينة، بحيث يجري التوازي بين الرؤيا / الحلم والماضي، فيصبح الماضي أشبه برؤيا حلمية خاصة، تستحضر الماضي ، وتبدع في ضوئه نزعاتها الذاتية ،والشعر نزعة ذاتية، بالدرجة الأولى، وهو جزء من مشروع الحداثة الذي تجري فيه كتابة مثل هذه النصوص التي تعود في جذورها الى نشأة الحضارات ولا تعود الى نشأة الشعر العربي منذ العصر الجاهلي، لهذا جاءت هذه النصوص خارج تقاليد الكتابة الشعرية ذاتها، والتي استهلكتها السنوات المبكرة من عمر الشاعر، وهو شاعر له ثقافة متقدمة في الموروث العربي والحضاري ،وفي تطور حركة الشعر العربي في العراق، لكنه اختار أن يغرد خارج السرب، وأن ينشئ لنفسه حضوره، ورؤاه ،وأن يتبنى مشروع الحداثة هذه وهو يقترب من المحاولات التجريبية لكتابات سومر و آشور، التي تحاكيها الطاقات الشعرية الجديدة في ظل رفض جلي للقيود وتنفس عنيد في فضاء الحرية الابداعية، خارج الأطر والمديات، بحيث يمكننا أن نعد هذه المجموعة للشاعر جبار الكواز خارج تاريخه الشعري الحقيقي ،وخارج موروثه الشخصي والعربي، فهي انفلات نحو الأكثر ألقاً وربما تمرداً.
-2-
بالرغم من أن مجموعته ( أحزان صائغ الذهب)، هي القصيدة الأولى في المجموعة، الا أنني أعتقد بأن نصه(المزامير هاجرت من الفراغ) هو أقرب الى عنوان المجموعة هذه؛ فهو يتحدث عن (الطين) ويقصد به الحضارات التي نشأت في مرحلة ما قبل التاريخ، بينما يشير نصه( أحزان صائغ الذهب) الى مرحلة ما بعد التاريخ ،فالذهب يشير الى عصر استخدام المعادن التاريخي؛ كما أن علامة الفراغ التي يتحدث عنها هي( علامة الخلود)،أو مأزق الخلود التي طرحتها ملحمة ( جلجامش)، لأن فيها احالات عدة منها علامة البغي، أو علامة العاهرة، وعلامة المتوحش (أنكيدو)،وعلامة البطل جلجامش. وهنا يحاول الشاعر صياغة تاريخه منذ أكواز الطين، وأوروك، ووفقاً لـ(سوسير) فإن اللغة نسق من العلامات تعبر عن الأفكار[ العلاماتية وعلم النص: منذر عياشي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء – بيروت،2004م/ ص17]. كما أن العلامة بدورها اشارة لمجموعة من البنى التي تساهم في تشكيل نظام معين لعمليات متشابهة الدلالة ، وفي حالة الشعار( كالصليب مثلاً) فإنه يمكن للشعارات الوصول الى المستوى الرمزي ، لأن شعر المسيحية يتحول الرمز للصليب.[ الانثروبولوجيا: دوران/ ص 36].
وهذا يعني أن الطين والذهب والشخصيات الأسطورية التي تحاكي جلجامش هي علامات واحالات رمزية لأحداث ومواقف وتصورات مخزونة في الذاكرة، تحاول أن تبرز الى السطح لتؤسس لها حضورها المعبر عنها عبر سيرورة متشابكة من النصوص لإنتاج صور ورموز في قصيدة الحداثة، التي حلّقت في فضاء واسع من الابداع والتصورات، لغرض تجاوز السائد والمألوف؛ لهذا يقول:
العلامات غدرت أناملها
لم يعد (كلكامش) من أسواره الميتة
سوى تغريبة الخلود
والعلامات هشة[ص51] ثم يكرر (العلامات غادرة، بخسة)،لأنها تعود به الى سنوات الغربة والعمل في خارج بلاده، فها هي(العلامات مدن، العلامات بشر)، مثل علامات بابل، حين يقول:
علامات بابل:
العلامات بشر
لم تنم في (بابل) اليوم سوى بعض الرمال
وأورثت غاباتها بصلاً وثوماً للجياع
وهم يغنون الغناء سلاسل الطمى الدفين
ما عاد في(بابل) الا العقعق المشؤوم ينذر بالأغاني
والأغاني لم تكن مناً وسلوى
فالنخيل الى المقابر خطوة تنمو[ص54] لذا تنتابه فؤوس ( كسرى) حين يجعل بابل رمزاً للعراق، فهي تعيش ( ما بين بابل والفرات)،والفجيعة تلد السنين، وهكذا هو تاريخ الطين، حضارات تنهار بفعل أقدام الغزاة ،وتؤسس على أنقاضها حضارات غاضبة مدمرة، ومن هنا جاء مأزق جلجامش في البحث عن الخلود، وهي الفكرة المهيمنة على الشاعر، كما في نصه( حينما في الحلة) الذي تشير الى سفر التكوين البابلي، والذي قال فيه( أني رأيتها وليمة للموت)، في اشارة الى مستهل ملحمة جلجامش، والى لغز الموت الذي هيمن عليها، وعلاقتها بالخصب والجنس ،والاله مردوخ ،ونبات اللفاح ، الذي يعد من النباتات المنشطة للجنس، والتي يشار اليها بوصفها عشبة الخلود، في بعض الأحيان، فالذكورة هي ضرورة وجودية للتناسل، ولكن الرواية التوراتية تشير الى قيام الأفعى بسرقة عشبة الخلود، وربما تلتقي هذا النص مع نص( أحزان صانع الذهب)، الذي تتضمن الاشارة الى أسفار الأفعى وأعمدة الملح، والقمح، لكن نصه(سرير بروكوست) الذي أشار فيه الى الأصابع المنقوعة بالدم، والأعمى الذي صار ضبعاً منذؤباً ،والعاهرة المجنونة، وزنوبيا، واللات و” العازر في محنته يرهن شبابه ليصنع لحيته من دنس العمر”[ص 86].
في اشارة الى خيانة العازر ، وناب الأفعى، التي سرقت العشبة ،والشجرة الملعونة التي طرد بسببها آدم من الجنة، وسهل شنعار. وهو من خلال رمزه (سنمار) المعماري الذي لم يلق الا الاغتيال ممن عمل له القصر، يتوغل في بناء النص ،عبر مستويين عموديين: واحد ضيق مضلل ،والثاني اعتيادي عمودي ، يمكن قراءتهما بطرق مختلفة في نوع من التجريب في كتابة النص الحديث، لكنه يتحول من (سنمار) الى بابل، وكأنه يكتب عن رحلته بينهما ،أو رحلات عمره بين الحلة ومدن العالم، حيث تهمن الهواجس والمعاناة وشظايا الذات على فكرة الكتابة ذاتها، حيث يشير الى أن جلجامش ” مازال يئن بين خرائب أوروك وهو يرى قاتلهُ القابع في الوقت المعتمر الظل”[ ص 97].
وهذا ما يسميه بـ( فجيعة الغبار)،وهو في عصر الفوضى والأحلام الضائعة ، وزمن المجانين أن يستخدم الحيوانات بصفة رموز لأفكار ورؤى في قصائده حتى أنه جعل نصه موزعاً على ثلاثة حيوانات( الضبع ، الثعلب، النسر)؛ بوصفها أطراسه الأسطورية التي بدأ معها في نصه(أحزان صائغ الطين)، حيث ترد الاشارة الى أطراس مياهه في روزنامة القتلى، وفي اشارة لاحقة احالة الى تحول الماء من الخصب الى الموت، من خلال قدرة الأسطورة على التعبير عن رمزية الأطراس الأسطورية عبر الاحالات الرمزية التي تتضمنها، ولعل الطين بالنسبة للكواز يحيل باستمرار الى مهنة الجد، وهي صناعة الجرار ،والتي تعتبر علامة دالة على الالوهية المؤنثة، وهي الجرة التي تتسع مجازاً واستعارة لتعني الرحم، حتى شكلها متماثل لرحم المرأة ؛ فالمرأة في فجر الحضارات هي التي اقترحت شكلها الفخاري ،وصارت الجرة – صندوقاً لخمورها وعطورها.[ الأطراس الأسطورية في الشعر العربي: ناجح المعموري، دار الشؤن الثقافية العامة، بغداد 2019م/ ص86]. كما في نصه ( قفص مردوخ) الذي تشير الى الصندوق ودلالة الجرة ،والجسد الانثوي، المضمرة في العمق حين يقول:” أنت / خاتمة الرُّقم الضاجة في كهف الأبنوس وتويج المسك/ وعصارة خمرة خمبابا/ أنت آخر ظل للوهم حين يباغت ” مريم” خلف جدار الرؤيا/ تأتين محاطة بالشك واليقين/ لست العاهرة الأولى / ولست القديسة في جوقة حراس وطنيين/ تدخلين كل فراغ في/ مثل نار في أطراف ظلام يابس”[ص 116].
تبدو احالات الخصب والانوثة، والرقم والرموز الطينية في هذا النص واضحة، حينما يبرز الكهف ممثلاً للرحم ومقروناً بالجسد، مع (مريم) وهي تعيش خلف جدار الرؤيا، وهي ربما احالة الى مريم العذراء(القديسة)؛ فضلاً عن العطر ،والتويج الذي يمثل قوة الاخصاب الانثوي للزهرة النباتية، وهي تستقبل اللقاح، من أجل الانجاب، كذلك يشبهها بالنار ، في محاولة منه لخلق صراعات داخلية، بين دلالة الماء ودلالة النار؛ فالماء يطغى على النار ، المرآة تطفي الحميّة لن نجد ، في مملكة المواد ، ما هو اكثر تضاداً من الماء والنار ،ولربما مثل الماء والنار التناقض المادي الأوحد حقاً[ الماء والأحلام: باشلار/ص148].
وفي هذا يقول الشاعر:” وتصوغ نار الكوثر قافزة من غابات سائلة/ ويختمر عجين التنور/ وحدي مسروق كهواء ،وحدي مشروب كماء/ وحدي محروق كشراب/ وأنت خلاصة صبري / فاحتجزيني في قفص القدرة”[ص 116].
فهذه الأشياء تمتلك قدرتها في الدلالة وفي التعبير عن الخصب/ الجسد، الماء ،والقفص ، الهواء ، التنور/ النار ،والتراب ؛ حيث الموجودات الأربعة التي يعتقد الانسان القديم أن الكون يتكون منها ،وهي( الماء ، النار، التراب ، الهواء)؛ حيث تتشكل هذه الموجودات في دلالاتها الرمزية لصناعة صورة رمزية للعالم، وهي أشبه بصراع الذكورة مع الانوثة.
-3-
وتسري هذه الرموز الأربعة ، في دلالاتها في سياق نصوصه جميعها، أما بشكل مباشر أو بشكل مضمر، فالذهب يحيل الى التراب والطين كذلك، والماء والخمر والدم، تحيل الى الماء، بحيث تصبح كينونة الانسان مرتبطة بالمحيط المولّد للخيال ؛أي العالم خارج هذه الأشياء الأربعة، التي تتحكم بجسد الأرض، حيث الأحلام والمرايا والصور واللوحات ،والأناشيد والأسفار، والتعاويذ والرياح والأشجار والأفاعي والتلال والعصي،؛ فضلاً عن الجنون والعمى، والحبال والسحر والرقى والتمائم ..وغيرها.
وهنا يبدو عالمه محاطاً بالمجانين والشياطين والصبوات والغابات ، وهو يتحرك على جسد التراب أو الطين، بحثاً عن حضارات آفلة، في محاولة لقراءة تاريخ بلاده منذ مردوخ وجلجامش وسنمار ،وناقة صالح وذئب يوسف وصندوق الماء ،والأفاعي والثعالب وشجرة الزقوم، ومهل الأحلام، ففي نصه(المحطات) تهيمن صورة النار على غالب النصوص، من خلال اضماره للمثل العربي المعروف (النار فاكهة الشتاء)،حيث يقول:
لها نكهة الموت
فاكهة من شتاء قديم
وتلويحة فارقت كفها
في سجل الدخان
وأجراسها
بشرٌ رائحون
بشرٌ قادمون[ص45].
فالنار لها صلة بالسيمياء، وهي نوع من العلامات التي ترتبط بالحواس الخمس جميعها، كالشم والبصر والمس والذوق، ولكنها لدى العرب ، بشكل خاص، ارتبطت بعلم الكيمياء، كأشكال المصابيح في المزارات والأضرحة ،وبعد تأسيس بغداد انطلقت فكرة تأسيس علم الكيمياء ، من خلال جهود جابر بن حيان الذي مزج التأثيرات الباطنية (العرفانية) بالعلم، ثم جاد أبو بكر بن زكريا الرازي ، فكتب كتابه (السيميائي)،و( سر الأسرار) وتبعه ابن سينا فيما بعد[ ينظر: ابداعات النار/ ص77-82]. وهكذا كانت النار تعبيراً عن صل الوجود، وتطور العلوم، لها نكهة الموت ،وله القدرة على الاستمرار، من خلال الرواح والمجيء الذي يسلكه البشر.
وليس تبدو الاحالات وحدها حاضرة لديه ،وإنما ثمة احالات أخرى الى القمصان والأردية ؛ فالرداء لدى العرب كناية عن النفس والجسد، وهنا يستحضر قميص يوسف ذي العلامة التي تشير الى ارتكاب الخطيئة؛ لهذا جعل للفرات قميصاً في نصه ( ثمة من يفترش الفضاء)، وكذلك ثمة قميص لسلمان داود محمد في نصه ( قميص سلمان داود محمد) الذي صار قريناً بمردوخ وأنكيدو ويوسف، حيث يقول:
قميص سلمان
في شارع ما
وفي مدينة ما وقبل محنة الغرق
مازال يبكي لهبا
لتستفيق من يأسها الطرق
غنّى لها بلادي[ص122] وفي نصه (محاولة لإكمال صورتي الشمسية) يتحوّل الى كيس أسود، لعله يشير الى الكيس الذي كانت قوات الاحتلال الأمريكية، تستخدمه في اعتقال مناهضيها، كما في قوله:
لا تدسّ رأسي في كيسك الأسود
ضع رأسي الحليق
فوق الرمح
والآن الآن
سأعطيك التفاصيل
تريث[ص148] في اشارة الى أساليب الغدر، و أنما يدعوه الى اشهار القتل كما كانت العرب تفعل حين ترفع رأس المقتول على الرمح، فالكيس كناية عن اخفاء القتل، ولعل نصه ( نكاية الاشراقات) يشير الى قطع رؤوس البشر، من خلال حديثه عن قطع (رؤوس البصل)، في اشارة الى أساليب الغدر.

شاهد أيضاً

ثلاثة جياد بين الروائي أري دي لوكا والقاص محمود عبد الوهاب والشاعر بلند الحيدري
مقداد مسعود

إلى .. أخي وصديقي ولدي الغالي مسعود 1- 2 حين اشتريت نسخة ً من رواية …

من أقوال الروائية “إيزابيل أللندي”

# الأم والوطن لا يمكن المزاح فيهما: إنهما مقدسان # حيث توجد النساء، توجد الحضارة …

شكيب كاظم: ناقدٌ ومحللٌ ادبى كفأ
عبد الهادى الزعر

كم أكن سعيدا حين أقرأ شيئا لشكيب كاظم – – ثقافة موسوعية مزادنة بالغنى والعمق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *