مروان ياسين الدليمي: رواية” العار” للكاتبة البنغلاديشية تسليمة نصرين: التطهُّر من جحيم العنف الطائفي

اثارت هذه الرواية عندما صدرت عام 1992 رد فعل عنيف جدا تجاه الكاتبة تسليمة نصرين من قبل جميع الاوساط الدينية والاحزاب الاسلامية المتطرفة في بنغلادش،إلى الحد الذي خصص أحد الاثرياء مكافاة نقدية ثمينة لمن يقتلها.وبناء على ذلك وجدت نفسها تقف أمام القضاء للمحاكمة ،لكن تداعيات القضية دفع العديد من المنظمات الدولية المعنية بحقوق الانسان وحرية الرأي والتعبيرللوقوف الى جانبها،ولتتمكن بعد ذلك من الهرب خارج البلاد واللجوء الى النرويج.
نقد التطرف
اشكالية هذه الرواية تعود الى ماأقدمت عليه من نقد قاس ٍ العنف الطائفي الذي باتت تشهده بنغلادش منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي من قِبل مجموعات اسلامية متشددة .وتأتي ايضا خصوصيتها وحساسيتها من أختيار الكاتبة لعائلة هندوسية وليس عائلة مسلمة تقع عليها تبعات العنف الطائفي،فبدا ذلك للجماعات الاسلامية المتطرفة إستفزازا ً وانحيازا ًصارخا ً للهندوس ضد المسلمين ،خاصة وأن الكاتبة إمرأة مسلمة ليصل الامر بهم الى أعتبار ذلك ارتدادا واضحا وصريحا من قبل الكاتبة عن الدين تستحق بموجبه القتل .
مقولة النص الفنية
الزمن في البناء السردي للرواية إنزاح الى محاورة تتأرجح مابين ديمومة البناء الواقعي والتعديل بأتجاه كسرالمسارالكلاسيكي وذلك بالعودة الدائمة الى الماضي،ومن خلال ذلك تعبُر نصرين بالسارد الى تبادل المواقع مابين الحاضر والماضي،ليصبح السرد هنا ميدانا لتشكيل بنية الحكاية الواقعية في مخيلة المتلقي،خاصة أن النص الروائي قد توفرت في بنيته تنصيصات تاريخية متعددة،الهدف من أستحضارها استجماع تحققات ٍحدَثية ٍبأرقامِها وتواريخها لتحييد التزييف والتلفيق في الخطاب الفكري الذي يبثه النص،فتم الكشف من خلالهاعن مفاصل واقعية عمّقت أرضية العنف التي تستدير حولها احداث وشخوص الرواية،وما لم ترد تلك التفاصيل بارقامها وتواريخها ماكان بالامكان إحداث هذا الوخز المؤلم في الضمير لدى القارىء،خاصة وان ولوج عالم السرد الروائي بطاقته التخييلية لمعالجة هذه الموضوعة من قبل المؤلفة لم يكن الهدف الرئيسي منه الاستغراق في منطقة تحديث الخطاب الشكلي للبناء الروائي،بقدر ما كان الوصول الى مخطوطة روائية تمارس ضغطا صريحا وادانة قاسية للعنف الطائفي.
مناظرة الواقع التاريخي
مايؤخذ على المشهد الثقافي في المنطقة العربية انه بقي اهتمامه منشغلا بالادب الاوربي ومن ثم ادب اميركا اللاتينية ،ولم ينعطف بأتجاه ماتنتجه المخيلة السردية الاسيوية(الصين ،اليابان ،شبه القارة الهندية ، الفلبين ، تايلند ..الخ ) لذا بقيت اجوبتنا ناقصة ولاتعكس في تجاذباتها الجدلية معنى وشكل المنظورالسردي بأوسع وأعمق صورة تقتضيها مقاييس الرؤية النقدية لمجمل الانتاج الروائي العالمي،رغم مع أن التناظر السردي الاسيوي فيه الكثيرمن التفاوت والقص الذي ينبغي إستكشافه والاطلاع عليه.
رواية العارنموذج للسرد الروائي الواقعي الذي نتأمل من خلاله واقعا معاصراً تعيشه بنغلادش بكل تفاصيله حتى هذه اللحظة،وكما اشرنا فقد أرتأت نصرين أن تطلق العديد من الارقام والاحداث والوقائع داخل النص باعتبارها وثائق تاريخية لتمكن القارىء من إعادة صياغة الاحداث حتى تصل الى ماكانت تخطط له من كشف ملابسات مؤلمة وفجائعية لتاريخ دموي يخضع لسلطة التخندق الديني بكل اشتباكات العلائق الاجتماعية داخل المجتمع البنغلاديشي الذي تأسس مع ظهور دولة بنغلادش عام 1971 بعد نضال وطني وقومي طويل،مُستقلة ٍ بذلك عن باكستان التي كانت بدورها قد حصلت على الانفصال عن الهند عام 1947 .ورغم ان دستورالدولة الجديدة يقوم على مبادىء علمانية ترفض التمييز بين المواطنين بسبب الدين أو الاعتقاد إلاّ أن الواقع على الارض كان يكرِّس عنفا طائفيا وفّر له الفقروالجهل والدكتاتورية مناخا ملائما للظهوروالشيوع، فلم يعد للعلمانية من وجود إلاّ في سطور الدستور.
المتن الحكائي
تبدأ الاحداث في الرواية من لحظة دراماتيكية معاصرة كانت قد عصفت بالبلاد في 6 ديسمبرعام 1992عندما هدم المتطرفون الهندوس في الهند مسجدا يعود تاريخ بنائه الى 400 عام . ليبدأ بعدها تاريخا وحشيا من العنف الطائفي المتبادل بين المسلمين والهندوس في القارة الهندية عموما ولتنال بنغلادش نصيبا كبيرا ً منه .
وتتمحور الاحداث حول مصير عائلة هندوسية بنغلاديشية وما ينعكس عليها من احداث ووقائع مؤلمة نتيجة عجلة العنف الطائفي التي تدور رحاها في البلاد،وتتألف شخوص العائلة من الاب سودهاموي والأم كيرونموي والابن سورنجان والابنة مايا،ورغم الهوية العلمانية والانتماء الايدولوجي الماركسي الذي تدين به هذه العائلة لكنها لم تستطع أن تتفادى هذا العنف .
يأتي الحدث الاساس عندما يتم اختطاف الابنة مايا من داخل البيت وأمام مرأى الاب والام من قبل مجموعة اسلامية متطرفة تقتحم الدار وتبدأ بتحطيم كل الاثاث المنزلي بجنون ووحشية ،بينما أفراد الأسرة يقفون عاجزين يراقبون بيتهم وهو يتحول إلى خراب،ثم ينفكَّ سحرالصمت عنهم عندما يمسك أحد المعتدين الابنة مايا،ورغم صراخ الام وتوسلاتها الا ان ذلك لم يجد نفعا،فيغادر افراد المجموعة المسلحة حاملين معهم الجائزة التي فازوا بها .
بعدها تبدأ رحلة البحث اليائسة عن مايا من قبل سورنجان( الابن) فيتوغل بين الازقة والشواع والبيوتات الخلفية التي اكتست بكل مظاهر العنف إبتدا ً من الاستيلاء على البيوت وتهجير السكان الى حرق مصادر الرزق والاستيلاء على المزارع والحقول واغتصاب النساء وقتلهن ،ويصل المطاف بسورنجاي الى لحظة درامية يتحول فيها هذا الشاب الثوري العلماني الذي ورث هذه الافكارعن والده الطبيب الى متطرف هندوسي يؤمن بالعنف كوسيلة وحيدة للرد والدفاع عن النفس وعن الانتماء الديني الذي لم يكن خاضعاً لمعرفيته التاريخية والايدلوجية.
سورنجاي:”كل هذا لغو وهراء . فريق يقتحم الميدان بالسكاكين والفؤوس بينما الفريق الآخر يرد بأصوات مرتفعة وأياد عزلاء .هذا لن يجدي .الفأس يجب أن يقاتل الفأس . من الحماقة أن نواجه سلاحا ً بأيدي عارية .”
هزيمة الامل
هنا تعمد الكاتبة إلى صياغة لحظة مفارقة لشخصية الابن،وذلك من خلال مشهد مُعبّر ،حيث يجمع سورنجاي كل ماتحويه مكتبته من كتب ومصادر معرفية كانت زاده في تأسيس مفاهيمه المعتدلة فيحرقها لتلتهم النار ماركس و طاغورو لينين وكل الاسماء التي صاغت فكره العلماني المترفع عن التخندق الديني والقومي الذي يؤرخن الواقع البنغلاديشي المعاصر بكل حساسية توتر،ولكي ترسم نسرين تأويلها المتشائم بقصدية واضحة للواقع الذي إستندت الى أحداثه وشخصياته ورموزه السياسية الواقعية نجدها تأخذ شخصية الاب(الطبيب) المتقاعد سودهاموي الى لحظة ينهزم فيها جسده أمام رهان التفاؤل والاعتدال الذي ظل يؤمن به طيلة حياته كحل ٍلمعظلة التطرف الذي يتلبس وعي المجتمع البنغلاديش ،وليسقط جسده صريعا كمعادل فني لسقوط مفاهيم الاعتدال،أمام عنف الافكار المتطرفة،ولم يعد قادرا ًعلى تحريك النصف الايمن من جسده ،وبذلك توسّع نصرين فصول المأسأة بكل اعتباراتها الانسانية بعد ان سقطت الفكرة التي ظلت تستجيب للوعي والمنطق،عبر شخصية الطبيب التي لم يكن يتردد في مواجهة التباسات التطرف الديني باعمال انسانية يذهب فيها الى أماكن الطرف الاخر لمعالجة المرضى من الفقراء دون مقابل من غير أن يتوقف أمام الانتماء الديني والعرقي،بل كان سارحا بخياله واحلامه بعيدا عن عتمة الواقع:” كنت اقول أهدموا كل بيوت العبادة الى الاساس،ولنبن مكانها حدائق ومدارس للاطفال.من اجل خدمة الانسان فلتتحول دور العبادة إلى مستشفيات وملاجىء للايتام ومدارس وجامعات،إلى معاهد للعلوم والفنون والحرف اليدوية،إلى حقول أرز خضراء تغمرها الشمس،وأنهار زرقاء متدفقة وبحار صاخبة.فلتطلقوا أسما ً آخر على الدين وهو الانسانية “.
الطبيب سودوهامي الذي يمثل الطبقة الوسطى بكل حيويتها ووعيها الوطني كان مُصِرَّا ًعلى عدم مغادرة وطنه بنغلادش رغم فقدانه لكل ماكان يملكه من بيت فخم واراض زارعية كان قد ورثها عن اجداده الذين ولدوا عاشوا في هذا المكان،ولم يشفع له اعتداله ولاعلمانيته في تفادي التهجيرمن منطقة سكناه التي ولد فيها .ورغم ما تعرض له قَبل عشرين عاما من حادثة خطف وتعذيب على يد المتطرفين الاسلاميين على اثرها اصيب بعجز جنسي دائم إلاّ أنه ظل على إيمانه في أن هذا هو وطنه ولن يغادره،لكنه في آخرالمطاف يرضخ لما ترسخ في قناعة الابن بضرورة مغادرة البلاد الى الهند خلاصا من هذا العذاب الذي اخذ منهم الابنة الجميلة مايا والتي عثر عليها فيما بعد جثة هامدة تطفو فوق سطح مياه نهر براهما بوترا.فيعلق الابن سورنجان في ختام العمل “مهما قلنا أننا ملحدون،أو إنسانيون،هؤلاء الذين في الخارج سيقولون أننا هندوس،سيقولون أننا أولاد حرام.كلما أحببنا أناس هذا البلد كلما عزلونا.لانستطيع أن نثق فيهم ياأبي.أنت عالجت الكثيرين منهم بدون مقابل،ولكن كم منهم أتى ليقف بجانبك في محنتك ؟ عاجلا ً أو آجلاً سوف نُدفَعُ جميعا ً تحت أحد الجسور لنموت.أبي،دعنا نذهب ..دعنا نذهب .”.

شاهد أيضاً

د. علاء العبادي: قراءة في “برق الأضحى” للشاعر و الناقد مقداد مسعود

يكاد البرق في انثيالاتِ ذاكرتنا الجمعية يرتبطُ بالخير و السعادة على الرغم من وهلة الخشية …

الشعرية والمتعلقات الذاتية في نصوص الشاعرة التونسية سهام محمد
الإهداء إلى شهداء انتفاضة التحرير المجيدة
كتابة: علاء حمد – العراق

إشارة : أمام هذا النشاط الثر والمُثقل بالأطروحات الجديدة للناقد العراقي المبدع “علاء حمد” لابُدّ …

شوقي كريم حسن: عمر السراي.. فتوة الشعر.

*في ظل الفوضى التي اطاحت بالشعر، وجعلته يرفل في دروب الضياع، والتراجع، والاوهام التي ابعدته …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *