غانم عزيز العقيدي: بعض الرجال لا يبكون (4/القسم الأخير)

العمــــل في بغــــــداد

استلمت العمل في محل الحاج محمود البزاز في بغداد بعد ان هيأ لي مكان السكن في احد الفنادق الشعبية في شارع الرشيد, وهي التجربة الأولى لي في العمل خارج الموصل. وانتابني احساس بالألم والمرارة على ما مر بي من احداث في معمل المرحوم سلام, وكيف كانت رحلتي الأولى صحبة السيد سلام الى بغداد, وتجوالنا في شارع الرشيد والسهرة الليلية في شارع ابو نؤاس واحتفال الناس بحلقات الرقص والغناء على الرصيف واكل السمك المسكوف على انغام فرقة الشباب الموسيقية حين احسست انذاك باني في عالم آخر جميل غير الذي انا عائش فيه وتذكرت افطاري صحبة السيد سلام في كبة السراي اللذيذة وهي المرة الأولى التي اتناول فيها كبة كأفطار في الصباح, ثمّ غداؤنا المميز في مطعم عمو الياس والحفاوة التي استقبلنا فيها الحاج محمود البزاز. وحركة المطعم المكتظة والسياح الأجانب والخبراء الروس , مشهد مرّ امامي وانا اخذ محلي في هذا الفندق البسيط لاأعرف ما يخبئه لي القدر, وقد توفي المرحوم سلام وهاهو الحاج محمود يعاني من داء النقرس والسمنة المفرطة التي تكاد تقعده عن العمل, وكيف سأعمل .تجاوزت تفكيري الدرامي بعد ان تعرفت على بعض زبائن الفندق الدائميين من مختلف المحافظات جاءوا للعمل في بغداد باعمال شتى لكسب العيش, لكل منهم قصة يرويها ومشكلة يعاني منها, ولقد فكرّت مليّاً حين قال لي أحدهم : لن تجد ابداً من ليست له مشكلة , فلاتدع الحياة تعصف بك وتاهب لها فيما يرضي ضميرك قدر ما تستطيع.
بدأت المواظبة على العمل الذي اطلعت عليه من خلال تعامل الحاج محمود مع زبائنه وبعد مرور فترة من الزمن اخذ الحاج محمود يرسلني الى زبائنه في المحافظات القريبة خاصةً , فقد قمت بزيارة مدن كربلاء والحلة والكوت والرمادي وبعقوبة وقضاء سامراء, وعدت بذاكرتي في ذهابي الى بعقوبة يوم عودتي مع سيارة الزوك الى بغداد ايام تخرجي من دورة الضباط الأحتياط, وتذكرت المخمور ابوكريمة وحصانه الذي غزا القمارة وكسّر زجاجها برأسه وصوته الهادر برش برش , وابو كريمة المرمي في وادي الشارع وهو يصيح آخ يما آخ يابا, فضحكت مع نفسي كثيراً حتى لفتّ نظر بعض الركاب الذين شاركوني الضحك لاادري ان كان ضحكهم معي او غير ذلك.
بدأ الحاج محمود التخلف عن المجيء الى المحل بعد ان استفحل عليه مرض النقرس المسمى بداء الملوك نتيجةً لكثرة تناوله اللحوم الحمراء وخاصةً لحم القوزي الذي كان مولعاً به والسمنة المفرطة.
استمرت العلاقة بين محل الحاج محمود الذي يديره جميل بعد ما تخلف الحاج عن العمل بسب المرض ومعمل ريّا الذي يديره مصعب الغني عن التعريف والغني حالياً , وفي الحقيقة كان موقفي من الصعوبة بمكان وهي كيف استطيع العمل مع هذا الشاب الذي أراه غير جدير بالمسؤولية لأدارة هذا المحل العريق وانه من اللامبالاة بمكان, وقد احسست من خلال عملي معه انه ربما لايرغب بأستمراري بالعمل معه , ويتعمد الأنتقاص بكلمات وتصرفات يريد بها اثارتي , لكني بقيت متجلداً وحسبي ان الحاج محمود لايستغني عني. متذكراً كلام رفيقي في الفندق:
لاتدع الحياة تعصف بك وتأهب لها وفق ما يمليه عليك ضميرك قدر ما تستطيع.
لم اكن اتعامل مع مصعب لدى مجيئه الى بغداد مباشرة, بل كان جميل هو من يتصرف بتمشية الأمور,ويتولى حساباتها وكذلك كل الحسابات بعد ان غاب الحاج محمود. وفي آخر زيارة لمصعب الذي توثقت علاقته بجميل كثيراً واخذا يخرجا ويسهرا سوية ًكلما جاء مصعب الى بغداد.
دعاني الحاج محمود الى منزله بعد ان ابلغني جميل بذلك.استلمت اجوري لنهاية الشهر الذي كان موعده ذلك اليوم, وذهبت الى بيت الحاج محمود.
سلمت على الحاج محمود بحرارة وقد تأثرت كثيرا وتالمت للحالة التي كان عليها وتمنيت له في داخلي الشفاء العاجل مما ألمّ به.
بعد ان رحب بي والدموع تنهمر من عينيه وهو محاط بالكتله الهائلة التي تلفه من اللحم وقد وضع قدمه على مرتفع قال الحاج:
ياولدي همام وانت ترى الحالة التي انا بها والوضع الذي اصبحت فيه مضطراً , وبعد ان استلم جميل المحل بدلا عني, لم يعد وضعنا يسمح باستمرارك العمل معنا, ويؤسفني ان اقول لك اننا قررنا الأستغناء عنك واعتبارا من يوم غد, واني اشكرك على تفانيك واخلاصك وبارك الله فيك ولك, ثمّ اخرج مبلغ اربعون دينار واعطاني اياها:قائلاً:
هذه اكراميتك مني وارجو المعذرة , صاحبتك السلامة. خرجت من بيت الحاج محمود وانا من الصلابة والقوة بمواجهة الموقف الذي تعرضت له للتو, وانا على يقين تام بان الحاج محمود القوي الذي بكى امامي الآن لم يتخذ هذا القرار بنفسه بل اجبر عليه,كما كان سلام القوي قد بكى ايضاً,وكما كان مصعب الشقي القوي قد بكى امامي من قبل ايضاً .

العودة الى الموصـــل

عدت الى الموصل بعد ان اتخذت قراري بذلك, وانا مدرك ان مامر عليّ من احداث, هي مسائل عابرة في الحياة وان تركي العمل لدى الحاج محمود لايعني لي نهاية العالم. فقد تركتها من قبل لدى سلام ,فالحياة مازالت مشرقة وان افاقها ورحابتها لاتعد ولا تحصى. ودعت رفاقي في الفندق ومنهم ذلك الحكيم الذي قال : لاتدع الحياة تعصف بك كما تشاء

استطعت ان اجد لي عملا عند احد المقاولين المتعهدين بالابنية الحكومية بدوام جزئي يبدا الساعة الرابعة عصراً واعود الساعة الثامنة مساء بعمل حسابي بسيط يتضمن احتساب مستحقات السيارات من اجور نقل المواد وكذلك اجور العمال بمختلف صنوفهم واحتساب المساحات المنجزة وغيرها من الآمور وكانت تدر علي دخلاً لابأس به.

اشيع خبر في الحي بان مصعب قد تعرض ليلاً الى حادث اصطدام بسيارته المارسدس وهو عائد الى الموصل في تحويلة مؤقتة قرب قضاء بيجي لم ينتبه لها الأمر الذي ادى الى ارتطامه باحدى الدعامات الكونكريتية وفارق الحياة على الفور.

لم التق ريا منذ زواجها من سلام ولم ادخل المعمل منذ ان تركت العمل به بعد ان استلمه مصعب, واقترحت علي امي ان نذهب لتعزية ريا والسيدة حمدية. قلت لها :
أََبَعد الذي صنعوه معي؟ أَلم تقولي ان هؤلاء لايناسبونا عندما طلبت منك ان اتزوج من ريّا؟
قالت أمي:
انهم جيراننا وانه عزاء ياولدي ولاشماته.
ادينا مراسم العزاء ,واستقبلتنا ريا والسيدة حمدية وقدمنا تعازينا لهما, ولاحظت ريا بثوبها المخملي الأسود وقد عقصت شعرها على شكل كرة الى الأعلى وقد ازدادت اشراقاً وجمالاً , وعند خروجنا صافحت السيدة حمدية ولاحظت ان الأساور لازالت تحلي يدها ثمّ صافحت ريّا وتلعثمت في ان اجد الكلمات اللازمة لمواساتها عندما شعرت بحرارة يدها, وبقيت ممسكا بها دون وعي عندها ندهتني أمي فأنتبهت وأفلتُ يدي مودعاً.

دعوة ريــــــــــا

لدى عودتي الى البيت احد الأيام وجدت السيدة حمدية عندنا وحسبتها في زيارة لأمي , رحبت بالسيدة حمدية وسا لتها عن ريا ؟وعن وضعهما ؟وكيف تسير الأمور في المعمل؟ وما الى ذلك.
قالت السيدة حمدية: ان ريّا تهديك السلام, وتقول لك ياحبذا تلتقيها في المعمل او البيت, متى ما شئت لأنها بحاجة اليك ولك الرأي في ذلك.
فكرت بالأمر ملياً ثمّ قررت زيارتها في البيت, وحددت يوم الجمعة موعدا للقائنا في بيتها. لم اذهب لوحدي في زيارة, ريّا بل رافقتني امي .
رحبت بنا السيدة حمدية التي خرجت لأستقبالنا وادخلتنا الى غرفة الضيوف وبعد تبادل السلام والحديث بين امي والسيدة حمدية, اطلّت الملكة ريّا التي راعني جمالها الى الحد الذي دفعتني الرغبة الى ان انهض واحتضنها لولا امي والسيدة حمدية, كانت ريّا ترتدي فستان اسود يصل الى ركبتيها مفتوح الأكمام ومفتوح من الأعلى قليلاً ,ً وقد سرحت شعرها وفق تصفيف يدل على أن يدًا ماهرة قد اظهرته بذاك الشكل.
رحبت بنا ريّا وقبلت أمي ومن ثمّ مدت يدها وصافحتني, وكانت تلك هي اللحظة التي انتظرها عندما شددت على يدها وبقيت ممسكا بها وانا اسألها بانطلاقة عن صحتها؟ وعن اوضاعها ؟ و…….عندما تدخلت امي قائلةّ: دعها تجلس ياهمام لقد اتعبتها.
جلست ريّا والأبتسامة على شفتيها الطريتين اللتان كنت قد قبلتهما من قبل.غادرت السيدة حمدية الغرفة مستأذنة, وبعد ان تبادلت ريا وأمي السلام بينهما وقد سألت ريّا امي عن صحتها وكيف تسير الامور ثم التفتت الي مرحبة قائلة :
لقد تغيرت كثيراً ياهمام عما كنت عليه معنا.
قلت ماذا يعني:
هل تغييري في شكلي ام بماذا؟
قالت:
لقد اكتنزت نوعا ما, وتبدو لي انك اكبر من عمرك, وكذلك يبدو عليك انك قد اكتسبت خبرة من غربتك ووحدتك وعملك في بغداد اتمنى ان يكون نحو الأحسن.
دخلت السيدة حمدية بانواع الحلويات مع زجاجتين من الببسي كولا.
قالت ريّا :
ربما تكون قد خمّنت سبب دعوتي لك ياهمام , ولكن تعرف اني الآن لوحدي في ادارة المعمل, والاقي صعوبة كبيرة في ادارته بالرغم من خبرتي, لكني احتاج الى من يقف بجانبي بقوة وجدارة ,ويتابع اعمال المعمل التي تعرفها انت جيدا . لذا فأنا اعرض عليك العمل معي وان تعود لسابق عهدك واخولك كل الصلاحيات اللازمة للأدارة, ولك ان تقبل او ترفض مع اني افضل ان تعمل معي.
لم اتسرع بالقبول وقلت لها :
ان عرضك لي بعد كل هذه المدة يحتاج الى وقفة تفكير, وسأوافيك النتيجة فيما أتخذه من قرار فيما بعد.
لم استعجل الموافقة على عودتي للعمل مع ريا ,مع اني في داخلي اود ذلك,عدت بذاكرتي الى ايامي التي قضيتها معها, مستعرضاً منذ اليوم الذي جئت بها الى العمل معي,بشعرها الأسود المفروق وضفيرتيها وثوبها الفضفاض وشكلها العادي ووجها الجميل الذي اضاعه شحوبها, وتذكرت وقوفها بجانبي على الة فحص القماش, يوم لامست يدها وخرجت هاربة وعودتها للعمل في مكتبي, و كلامها يوم ودعتها وأحتضنتها وتبادلنا القبل عندما دعيت الى خدمة الأحتياط , وهي تقول: حبيبي انًي سأفتقدك كثيراً وسأشعر بالغربة بعد رحيلك, ادعو لك بالسلامة والعودة اليً سريعاً, ثم اغرورقت عيناها بالدموع. وكيف سارت الأمور بعد ذلك من زواجها من السيد سلام قائلاً في داخلي:
كانت تستطيع الرفض لو لم تكن راغبة بذلك, ثم أخذني التفكير الى التعس مصعب ومؤامرته وادارته والى تركي العمل, وعدم وقوفها الى جانبي والذهاب الى بغداد وما تعرضت له في العمل مع جميل ربما من تأثير صاحبه مصعب ,وغيرها من الامور الي مرت من امامي سريعاً وأنا انظر بعيني ريا المتألقتين وقد عزمت أمراً !, وقررت في داخلي العودة, ولكن بعد ان طلبت منها أن تمهلني أسبوع للرد بالموافقة من عدمها, مع إني كنت أريد العودة منذ حينها. وافقت ريا على طلبي قائلةً :
سأنتظرك ولم تقل إني سا نتظر قرارك.

بعد عودتي و أستلامي ادارة المعمل من جديد ,حضرت ريا معي في اليوم الأول, وبعد جولة في المعمل وبين العمال والتي رافقنا فيها حسان الذي كان يقوم باعما ل المكتب ,عدنا الى الأدارة ,وجلست مع ريّا نتحدث إجمالاً في اعما ل المعمل من الأنتاج الى التسويق والشحن الى الموردين الى الدفع والقبض والأيداع والسحب من المصرف وغيرها من الأمور الأخرى التي تخص عمل الأدارة.
قالت ريا :
لاحاجة لي بعد الآن أن أتواجد باستمرار مادمت قد استلمت العمل, وإذا ما دعتك الحاجة الى شيء ما فلك ان تهاتفني , او تأتي اليّ مباشرةً ,وسأقوم انا بزيارتك بين الحين والآخر, كان تعامل ريّا معي تعاملاً رسميا لكنه غير جاف , من سيدة صاحبة العمل الى موظف لديها لكن عينانا عندما كانت تلتقي فأنها بالتأكيد تعيد كل ماجرى بيننا في الماضي .
بعد مضي فترة من الزمن,ولأقناع ريّا بأثبات جدارتي واظهار رغبتي بتوسيع المعمل, عرضت عليها ومن باب الحرص على ان نقوم بطلب فتح اعتماد لدى المصرف الصناعي عن طريق المؤسسة العامة للتنمية الصناعية, لغرض استيراد مكائن حديثة لنصب معمل ثالث لأنتاج المناشف بانواعها . رحبت ريا بالفكرة ودعتني الى زيارتها للتفاهم حول الموضوع لكنها حددت لي وقت لزيارتها وليست كما هي العادة ان اذهب اليها مباشرة.
عدت الي بيتنا وغيرت ملابس العمل بملابس جديدة كنت قد اشتريتها من منطقة الخيام في شارع الرشيد بعد حلاقة ذقني و اخذي حمام وتعطرت بكولونيا اولد سبايس التي كانت ريا تبدي اعجابها فيها عندما عملنا في غرفة واحدة.لم تبد امي استغرابها من تغيير مظهري ولم تسألني سوى ان كنت ارغب بتناول الغداء ام لا.
وصلت دار ريا دار المرحوم سلام ولم تكن لدي رغبة ان اعود الى الماضي والمسلسل الدرامي وغيرها لكني كنت أرمي الى هدف ولابد لي من تحقيقه.
بعد قليل من قرعي الجرس,اطلت ريا بعد ان فتحت الباب ورأيتها وكان أحساسي في محله وكما توقعت ان اراها.استقبلتني بابتسامة وهي ترحب وتدعوني الى الدخول, وفي دخولي قالت ريّا:
لم تغيير عطرك ؟
قلت لها:
انت غيرتي .
تبسمت قائلة :
انه اغلى!
كانت قد خلعت لباس الحزن الذي كانت تقابلني فيه, وارتدت فستان من الموسلين الفيروزي الناعم الملمس, وقد ابرز بوضوح مفاتن جسدها الممشوق, وقد لفت حول عنقها بطريقة جميلة اشارب اصفرتدلت اطرافه فوق صدرها الناهد, كانت جميلة بأطلالتها البهية وبوجهها المتورد وعيناها الكحيلتين مع مسحة من احمر الشفاء الداكن الذي زان شفتيها النديتين.
قلت لها وكنت متاكد اني قد نلت منها:
كم انت رائعة اليوم ياريا.
أطرقت خجلة وقالت :
اشكرك ياهمام.
أدخلتني ريا الى غرفة الضيوف التي هالني منظرها البديع, كان هناك طقم من اثاث الأستقبال فخمة جداً, مرتبة بنسق جميل, وعلى يمين الغرفة وضعت منضدة من الكريستال قرب ستائر الشباك الفخمة التي قد عقصت بطريقة فنية لم اشاهدها من قبل, وعلى المنضدة وضعت مجموعة من قناني الببسي كولا وعصائر البرتقال وعدة اطباق من البلور وضعت فيها اصناف من الحلويات مغطاة بورق الشيفون .
قالت ريّا بعد ان جلست قبالتي بجانب الشباك:
إن امي قد سافرت الى زاخو في زيارة الى خالتي ام صديق ,وستبقى هناك يومين او أكثر, وانا هنا لوحدي اعيش حياتي في هدوء تام خاصةً بعد استلامك العمل بدلاً عني, وقد تعودت على ذلك بعد شعوري بالتعب طوال تلك السنوات التي مرت من العمرفي المعمل .
قلت:
وكيف تقضين وقتك او اوقاتك؟
قالت :
اني اشغل نفسي بالمطالعة والتبضع وآتعلم بعض من فنون الطبخ حالياً واذا ما شعرت بضجر ما اتي الى زيارة المعمل وهكذا .
قلت :
إذاً لنبدا بالموضوع الذي اجتمعنا لأجله وهو المعمل ومتطلباته وموضوع معمل المناشف الجديد والأرض الصناعية وقرض المصرف الصناعي وعملية القبض والدفع وتخويل البنك بالسحب والأيداع وغيرها.
سألتني ريّا: ما هو المطلوب مني إذاً؟ وقد اردت في حديثي ان اشعرها ان مايهمني هو موضوع العمل .
قلت لها:
هناك امران , أولهما ان ترافقيني إلى الدوائر وإلى المحكمة والبلدية والمؤسسة والمصرف وغيرها من الدوائر التي لها علاقة بموضوع المعامل المنتجة والمعمل الجديد,او تقومي بتوكيلي بوكالة عامة لدى الكاتب العدل ,الأمر الذي سيسهل عليك الكثير من الأمور التي تتطلب حضورك في كل مرّة, وانت الآن تريدين ان تعيشي حياة هادئة كما اسلفتي قبل قليل, ولك الخيار في الموضوع ولك ان تفكري وانا على استعداد لتنفيذ ما تقرريه.
أطرقت ريّا برأسها برهة ثمّ قالت:
سأفكر بالأمر وسأخبرك عن قراري فيما بعد.
اسأذنت ريًا بالخروج فقامت قائلة :
دعني اقدم لك شيئاً ما قبل ان تخرج.
لم اكن اريد المغادرة بالحقيقة بل لم اكن اريد ان استعجل المغادرة وانا في كامل اناقتي وحيويتي وانّها فرصة ربما لاتتكرر ثانيةً وامامي ريّا ونحن لوحدنا وسبق ان كان بيننا شيءٌ مشترك , وما شجعني ودفعني الى البقاء هو منظرها ومظهرها الرائعين .
تقدمت ريا على الطبلة ووضعت عليها صينية صغيرة وضع فيها طبق من الحلويات وقدح من الببسي كولا قائلةً:
تفضل.
قلت :
شكراً ثم طلبت منها الجلوس بجانبي فلم تتردد وامسكت بيدها الدافئة بلطف ووضعتها على فمي وقبلتها,فسحبت ريا يدها بهدوء قائلةً:
لا يصح هذا نحن لوحدنا وانا لازلت ارملة حزينة ونهضت واقفةً, فوقفت أنا ايضاً ثم أمسكتها بقوة واحتضنتها بين ذراعي ورحت أفتش عن شفتيها النديتين اللتين اسلمتني اياهما من قبل ورحنا نتبادل القبل بشوق وجنون ثم افقنا , وانسحبت ريّا قائلة :
اعترف بأني لازلت احبك ولم استطع الهروب منك ونسيانك.
قلت: وانا كذلك.
كانت زيارتي الى ريّا زيارة موفقة حققت بها ماكنت اصبو اليه, وتمّ تخويلي تخويلاً عاماً بعد ان رافقت ريا لتوكيلي عن طريق كاتب العدل, الأمر الذي اطلق يدي بالتصرف بكامل الحرية دون الرجوع الى ريّا ,والأمر الثاني هو اتفاقنا على الخطوبة سرّاً والزواج بعد ترتيب أمورنا , ومن الأشياء التي اتفقنا عليها هو ان تذهب السيدة حمدية للعيش في زاخو في حالة مؤقته ونتزوج نحن في بيت ريا, وحرصت على ان لا أشعر امي بموضوع زواجي في حينها, الا بعد اتمامه وقررت ان اختلق عذراً لغيابي , واطلعت ريا على نيتي بذلك.
سارت الأمور وفق تخطيطي, وبدأت خطوات مهمة في متابعة انجاز الأعمال وحسب اهميتها ,وكنت في حالة عمل دائم موزع بين متابعة اعمال المعمل, وبين مصاحبة المحامي الذي كلفته بعدة مهام وفق تخويل ريا القضائي,ولم اكن التق ريا , لكني كنت اكلمها بالهاتف واشرح لها با لموجز عن اوضاع المعمل, وموضوع معمل المناشف وغيرها ,ثمّ ننحرف الى موضوع زواجنا ومتى سنتزوج؟ واين سنتزوج؟ وغيرها. وكنت احرص على ان اتغزل بها عبر الهاتف, واعبر لها عن مدى شوقي ولهفتي ليوم زواجنا القريب .
وافقت ريا على ان يكون مهرها في المتقدم والمتاخر رمزيا, وانهينا كافة الأجراءات الخاصة بالأستعداد للزواج من عقد القران ,الى الحجزفي الفندق, واطلعت حسّان الذي كان يلازمني ويساعدني طوال الوقت الذي كنت منشغلاً فيه, واطلعته على موضوع زواجي من ريّا, واننا سنسافرالى بغداد لقضاء عطلة الزواج هناك, وابلغته ان يعلن عن زواجنا بعد السفر, واوصيته بالحرص على ادارة المعمل, ومتابعة المتعلقات المستجدة الخاصة باجراءات معمل المناشف, ثم طلبت ان يحجز لي في قطار المساء ليوم الخميس في الدرجة الآولى غرفة مستقلّة.
اخبرني حسّان ان فادية ترافق ريا في كافة مشاويرها للتحضير للزواج وكانت ريا قد اخبرتني عن ذلك مسبقاً.

الـــــزواج

كان يومي مميزاً, وكنت شديد الأنفعال و ينتابني شيء من القلق والتوتر, وانا مقبل على حياة جديدة اخترتها بملء ارادتي, وكم كنت اتمنى الا اعود بفكري الى ما مضى من حياتي مع ريا, عروستي اليوم وان ابدأ سطرا جديدا في حياتي المقبلة معها.
خرجت ريا من بيتها ترافقها فادية وهن مبرقعات بالعباءات ,واخذ حسان الحقائب المعدة للسفرواستقلنا السيارة التي يقودها حسان وفي الطريق اراد حسان ان يمازحنا فاقترح علينا ان يطوف بنا في مدينة الموصل قبل الذهاب الى المحطة, لم تعلق العروس على الموضوع واحتفظت بصمتها منذ ركوبها اما انا فقلت له : الى القطار.
ودعنا حسان وزوجته وقبلت فادية ريا وتهامسا ,وبقينا لوحدنا اخيراً في غرفتنا المستقلة في قطار المساء.سلمت على ريا مرحبا , كانت ريّا تجلس على المقعد قبالتي , فتقدمت اليها بهدوء ورفعت البرقع عن وجهها ثم قبلتها من رأسها وطلبت منها ان تخلع عنها عباءتها,اخذت عباءتها وعلقتها ونظرت الى ريا التي كانت تبدو لي اجمل مما كنت اتصورها وقد سرحت شعرها بطريقة رائعة انسدل على كتفيها بعقصات قد لفت بطريقة هندسية وكأنها من نجوم السينما,اما وجهها فقد ازداد اشراقا وجمالاًوقد امتزجت حمرة خدودها الخجلة مع احمر خدودها وبرزت شفتيها بلونهما القرمزي الرائع.
كان منظرها يبعث البهجة في نفسي المضطربة, وهي بثوب زفافها الأبيض الرائع الذي اظهر مفاتن جسدها الذي طالما تمنيت ان احتضنه. انها عروس فائقة الجمال لطيفة ومحبوبة , وهي الآن لي ولي وحدي, وعادت بي الذاكرة الى سلام زوجها المتوفي الذي خطفها مني , وعبث بهذا الجسد واستباحه , ولم يكن ليفعل لو لم تكن قد وافقت على ذلك.
جلست بجانبها وسألتها :
ان كانت سعيدة فهزت رأسها بالأيجاب وهي مطرقة ؟
قا لت:
لا يمكنك ان تتصور كم انا سعيدة الآن, اني احس اني قد بدأت للتو حياتي التي كنت أتمناها واحلم بها.
مددت يدي وطوقت خصرها وسحبتها الي برفق, وباليد الأ خرى كنت امرر يدي على شعرها, ثم ادرت وجهها الي, وبدات اقبلها من خدودها ومن جبهتها ثم رحت افتش عن فمها الذي اسلمتني اياه بشوق ,ورحنا نتبادل القبل بلهفة وحرارة بددت كل قلقنا ومخاوفنا وتفكيرنا المضطرب, ثم احتضنتها برغبة متبادلة, غرقنا بعد ها بسبات عميق, و أفقنا بعد ذلك على صوت طرق على الباب,كان مفتش العربات يبحث عن تذاكر السفر,كانت الساعة تقارب العاشرة مساءً, قالت ريا:
اني احس بالجوع وبالتأكيد انت كذلك؟
قلت:
نعم اني جائع , سأذهب الى حانوت القطار لأرى ماعنده لعشاءنا .
قالت ريا:
لاتذهب فان فادية قد اعدت لنا عشاءً ممتازاً وسأخرجه من الحقيبة.
تناولنا عشاؤنا المميز من دجاجة محمرة وقليل من البطاطا المقلية مع زجاجتين من الببسي كولا.
في السيارة التي اقلتنا الى الفندق في الصباح وعلى جسر الأحرار,تذكرت صحبتي وسلام بزيارتي التي تعرفت فيها على بغداد .كانت ريا لم تر بغداد من قبل ,وكانت عيناها ومن خلال السيارة تتمعن في الأماكن التي نجتازها, وهي مندهشة بكثرة العمارات والحركة الدؤوبة وزحام الناس والسيارات وباصات مصلحة نقل الركاب ذات الطابقين, وقد بدت منشرحة مماتراه حتى وصولنا الفندق الذي اقمنا فيه.
يقع الفندق الذي نزلنا فيه في الكرادة شارع المسبح,وهو فندق فخم حديث البناء ونظيف وهادئ ومناسب للعرسان, بعيد عن الشارع العام مسافة ليست بالبعيدة . اكملنا اجراءات التسجيل واخذنا عامل الخدمة الذي حمل الحقائب الى الغرفة المخصصة لنا في الطابق الثاني .
نظرت الى ريا التي التزمت الصمت وهي ترمقني بنظرة محببة في الجو الهادئ الذي نحن فيه في غرفة بسرير مزدوج وكانها اعدت خصيصاً لنا,اخذتها بحضني هامسا في اذنها انه يومنا ثم اخذتها الى سريرنا المشترك.
لم يغب عن تفكيري طول الوقت سلام ,والأماكن التي زرناها في بغداد سويةً, ولااعرف السر الذ ي دفعني ان اصحب ريا الى فطور كبة السراي , وكذلك الى شارع ابو نؤاس, وتناولنا السمك المسكوف في نفس المكان الذي تناولناه انا وسلام, كما صحبتها الى شارع الرشيد ومحلاته الرائعة ,ثم عرجنا على شارع النهرواطلقت ريا يدها في التسوق بشراهة ,ثمّ اخذتها الى مطعم عمو الياس القريب وتناولنا طعام الغداء فيه من الدجاج المشوي مع الفاصولياء والتمن. اثناء خروجي من المطعم صادفت احد تجار الأقمشة في سوق القماش وبعد ان تبادلنا التحية, سألته :عن الحاج محمود كيف حاله وكيف تسير الأمور في محله؟
قال التاجر:
ان الحاج محمود قد ازداد عليه المرض, وان ابنه جميل قد تخلى عن محل ابيه بعد ان باعه الى احد التجار في السوق .
في كل مكان اخذت ريا فيه كانت تستمتع بكل حيوية وهي متعلقة ومشدودة بي كأنها طفل يخاف ان يضيع. وكأنها تكتشف الحياة لأول مرة.
عدنا الى الموصل بالقطار,ووصلنا في الصباح ,ودخلت دار ريا دار سلام السابق بدون تردد وبثقة عالية والى جانبي زوجتي ,تخلصنا من الحقائب الثقيلة التي ملأتها ريا بمشترياتها من الثياب والأشياء الأخرى, وقادتني الى غرفتها التي لم ادخلها من قبل, لاأعرف مالذي اعتراني عندما رأيت سرير ريا المزدوج و تخيلت سلام مستلقياً والى جانبه ريا بكامل زينتها وهو يداعبها وهي الأن تصطحبني الى نفس المخدع,حاولت ان اهرب مما افكرفيه عندما دعتني ريا الى ان اغتسل واغير ملابسي ريثما تقوم هي باعداد الفطور.
احست ريا بتعكرمزاجي, لكنها لم تسألني ماالذي يزعجني فقالت وهي تضع الفطور على الطاولة:انها قدغيرت في غرفتها كل ما يتعلق بماضيها مع سلام .وقد بدأت الأستعداد للحياة الزوجية الجديدة معي.
في اليوم التالي زرت امي التي كانت قلقة بعض الشيء وقد قدمت لها حكاية غير حقيقية عن سفري الى بغداد لتصفية أعمال يتطلبها حضوري هناك.
استأنفت عملي في المعمل , أستقبلني العمال بالترحاب وقدموا لي التهاني باحتفالية بسيطة عرفت ان حسان كان وراءها. قدم حسان شرحا مفصلاً عن اعمال المعمل وانتاجه والتسويق وغيرها وأخبرني كذلك بانهم ينوون زيارتنا هو وفادية للتهنئة بالزواج والسلامة.
هاتفني المحامي قائلاً:
انجزتُ كافة الأوراق والمستندات التي طلبتها مني , ودعاني الى زيارة مكتبه لأستلامها, استلمت أوراقي من المحامي وأعطيته اتعابه شاكراً له عمله .
استمرت حياتي بالوتيرة نفسها وكنت ازور ريا اثناء النهار مرة او مرتين في الأسبوع واعود الى امي في المساء وكانت السيدة حمدية قد عادت للسكن مع ريا التي كانت تحرص الا اواجه السيدة حمدية اثناء تواجدي معها.
في احدى خلواتنا اسرت الي ريا ان نفسها في طفل وتريد ان تنجب وسألتني اما آن الأوان ليكون لدينا طفل يملئ علينا حياتنا؟ كان ذلك الطرح هو الشيء الذي كنت اخاف ان تواجهني به ريا و ولم يكن في قراري ان ادع ريا تنجب مني .
لم اعرف في الحقيقة كيف اتهرب من موضوع الطفل ,الابالتسويف واختلاق اعذاراً لم أكن أستطيع بها من إقناع ريأ على القبول.وبدأت ريا تشك في تصرفاتي وتهربي عندما بدأت أتخلف عن زيارتها متعمداً, ساعياً الى جرها نحو المواجهة بعد أن حزمت أمري لأنهاء زواجنا.
لم أعد أعير أهمية لمكالماتها الهاتفية ,وكنت أرد بإقتضاب, ولم أخبرها بسفرياتي المعتادة الى بغداد., ولم أطلعها على سير العمل, وغيرها من الأمور بل لم أعد اشاركها الأكل ولا الفراش متعمداً ًفي إغاظتها .
دخل عليّ حسان في أحد الأيام قائلاً:
ان ريّا قد وصلت الى المعمل في زيارة ولاأدري ان كنت تعلم بذلك؟
قلت له :واين هي؟
قال :عند المكائن وبين العمال.
تمالكت نفسي تماما وتهيأت بهدوء للمواجهة التي قررتُ أن تكون مواجهة فاصلة في حالة حدوثها.
دخلت ريا عليّ مستأسدة غاضبة ودون أن تحييني قائلةً:
لك أن تعود الى عملك الأول في غرفة فحص القماش وسأتولى أنا الأدارة منذ هذا اليوم.
قلت لها :
انك لن تستطيعي بعد الآن ان تديري المعمل, ولم يعد لك شأن به, بل لن تستطيعي العمل به الا بموافقتي وقد اصبح المعمل الآن لي , وكذلك البيت الذي تسكنيه ومعمل المناشف قيد الأنشاء, كلها اصبحت ملكاً لي!.
ادركت ريّا انها وقعت في ورطة لم تكن تتوقعها أبداً عندما فاجأتها بما قلت لها , وأيقنت بأني جاد فيما أقول فقالت:
لقد خدعتني ايّها ……… وسأسعى لأقاضيك بالقانون مادمت حيّة.
قلت لها:
القانون لايحميك عند ما تكوني مغفلة, و هيهات أن تحصلي على شيء, وأنتِ من كنت السباقة بالخديعة, عودي الى ماكنت عليه عودي الى ماضيك التعس, و أخرجي الآن من المعمل وهيئي نفسك لمغادرة بيتي, وخلال شهر واحد من الآن, أذهبي أنتِ طالق!.

(انتهت)

 

شاهد أيضاً

مقداد مسعود: الأخضر بن يوسف

وَلِهٌ بهذا الليلِ . في النهارات : أنتَ منشغلٌ بالأرض تجتث ُ ما تكدّسَ في …

بعض ذكرياتي فترة الدخول المدرسي(2/2) بقلم: سعيد بوخليط

العمل في المقاهي كالجلوس المتعفف داخل فضائها،يقدم لصاحبه أطباق حكايات حياتية متعددة،تنطوي على ألغاز ثرية …

الأيام الأولى في أوستن، 1998 / جيمس كيلمان
ترجمة صالح الرزوق

من أجل ماك على الطريق السريع للحياة ، سيكون هناك فرص تكسبها على الطريق السريع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *