ماريانّي تسومـات
لعنـــــــة “قصة قصيرة”
ترجمها عن الإسبانية أحمد نورالدين رفاعي

منعزلةٌ بغرفتي. أنظر عَبر نافذة واسعة مدينة ووهان الصينية، وأتأمل كيف بدت وَكَأَنَّهَا مدينة للأشباح. تجتمع لذكريات بذهني، وأتخيل نفسـي للحظة فى محادثة مع الدكتور “لي وين ليانغ”(1) وتلك كانت المحادثة الأخيرة التي دارت بيننا.

– دكتور لي؟، أخبرني كيف حالك؟ – إني قلقة عليك. والكل هنا بالمستشفى لاحظ طول غيابك.
أني مريض وطريح الفراش ولكني؛ ما زلت أستطيع القيام ببعض الأشياء، وبي نفس الأعراض التى جاءني بها المريض مُنذ شهر إلا قليلا، هو الآن ميت، والحُمى التي ألمت بي لَمْ تَهدأ بَعْد – يصلني صوت سعال جاف فتتقطع المحادثة فيما بيننا وَمِنْ ثم يُكمل حديثه – ورشح بالأنف لازال مُسْتَمِرًّا يصحبه صُداع ولكن؛ ليست هذة المشكلة. لقد طلبتُ مِنْ عدة زملاء بعض التقارير؛ حيث هناك العديد من المرضى مصابين بنفس الأعراض يتضمن ذلك عددًا من أفراد الطاقم الطبي أيضًا، وهم سبعة على الأقل، وهذا ليس طَبِيعِيًّا. أستشعِرُ أننا بصدد مواجهة تفشي وباء خطير.
– أوه .. يا صديقي! لَكَمْ هذا كلام خطير جدًا. أعرفُ أن ذلك من تقديرك أنت، ولكني لنْ أدعكَ قَبل أن تُخبرني عما تستند إليه في فرضيتك هذة.
– لقد خضعت لإختبار إليسا، وكانت النتائج سلبية! فلما إذن أدوية السيفالوسبورين – Cephalosporin
لم يكن لديها أى تأثير، إذا أن هذا الدواء آخر ما عالجه كان مرض السارس؟ أتعرفين؟ قلقي ليس مُقتصـرًا على عائلتي فقط … وتلك ستكون أنانية مني إن حسبتها هذة الطريقة، ولكن ما يلفت الانْتِباه هي أن العدوى وارقام مُعدلاتها فى تزايد، والجميع – بلا أى استثناءات – يموت. فإن ما تواجهه أنوفنا هو عَدُوٌّ غير مرئي ولكن؛ لم نكتشفه بعد، وإنما يتعين على علماء الأوبئة أن يسرعوا إلى معرفته، وإلا سيفلت زمام الوقت من بين أناملنا. لقد حذرت زملاءنا على وجه السرعة مِنْ اِتخاذ كُل الاحتياطات اللازمة.
– سنفعل ذلك دكتور لي. كُن على تواصل معنا. أراكَ لاحقًا. أَعْتَنِي نفسكَ.
خرج للنور بعد فترة قصيرة أن صديقي المخلص دكتور “لي وين ليانغ” تم اِجباره على السُكات، وعلى التوقيع – تحت تهديد السلاح- على مُسْتَنَدٍ يُخالف ما قاله فى التصريح الذي أدلاهُ دون إذن رسمي، وأنه صرح ببعض التنبيهات الصحية، مما عرض البلد لمأذق خطير. أعُتبرت وكأنها لعنة بالتأكيد، ووصمة عار مُشينة فرضوها عليه، وأعلم ذلك لأنني أعرفه حق المعرفة، ويمكنني تخيله مبتسمًا أبتسامة ساخرة رسمها على قسمات وَجهِ عند توقيعه على المُستند ولكن؛ التوقيع على هذا المستند ليس من شأنه أن يمنعنا من أخذ حاسوبه وتنبيه المجتمع الطبي وتحذيرهم بأننا نواجه وباءً محتملاً.

عُدت للعمل، وأعداد المرضى والوفيات فى تزايد مستمر، وصديقي اليوم أُدخِلَ المشرحة ولا يمكننا فعل أي شيء. لقد أمتُلِئَت المشرحة بالجثث. وأصبحت المدينة خاوية على عروشها.

بدأ أسبوع آخر، وبدت وجوه الممرضات هزيلة، وقوة زملائي خائرة لكن؛ لازالت لديهم إرادة قوية لمساعده الناس وبقاءهم على خط النار. أما أنا فبدأتُ بالبحثِ عَنْ مَصدر الڤيروس، وعَلمت أحد أسبابه:
وهي أكل الحيوانات الأليفة كوجبات بعد ذبحها، ومنها الكلاب، والقطط بشكل كبير.. والنتائج حتى الآن ليست مُبشـرة، أما الوباء عرف باسم “كوڤيد- 19 ” والخوف صار يجوث بكل أرجاء المدينة.

طالبت نقابة الأطباء من رئيس الدولة توجية التنبيه الصحي للسكان، ووضعهم في الحجر الصحي بشكل رسمي فأثارت تلك الأخبار بلبلة، واضطربت شبكات التواصل الإجتماعي وغيرها بالإشاعات.تلك إمبراطورية فوضوية داخل العالم الافتراضي وخارجه. كل ذلك يتزامن مع جدية فرق البحث في الحالة الصحية.

بدت شوارع ووهان عارية من كل شيء، وأنا مازلت مستأنفة عملي بالمَشفَى، وانتابني شعور بالتعب، وجسدي يرتعد من البردِ.

اِكتشفت اليوم أن أعددًا كبيرة مِنْ زملاء آخرين صاروا في حالة حرجة، ومنهم من مات بالفعل، ولازلنا مستمرين فى محاربة الوباء حيث توصلنا للجينوم المتسبب فى هذا الڤيروس الذي أتى من الخفافيش – بأبتسامة صفراء – فيا لها من سخرية! أضحكتي تلك الكوميديا السوداء التى قفزت في وسط معمعة تلك الأزمة: أتخيل روبن(2) صـارخًا عبارته الشهيرة:
” سانتا كاشوتشا، أيها الرجل الوطواط (باتمان)! … كهف الرعب زرع الموت”.
عثا الزعرُ بين سُكان المدينة، وَبدا الطعام شحيحًا فيها حتى أُفرغت الأسواق التجارية مِنْ بضائعها، ورفعَ التجار أسعار السلع التموينية عن تسعيراتها التى حددها القانون دون أى وازع من الضمير أو شعور بالذنب. أما المصرفيون يتبسمون لما آتاهم من أرباح مستقبلة. أُعلنت أخبار عن وفاة رجل أعمال مرتديًا بدلة أنيقة، فى ظل ذلك يتجاهل الإعلام أعداد الموتي من الفقراء البائسين! مع وضع هذا الخبر الأخير في هالة كبيرة بالصفحة الأولي للجريدة وفقًا لوضعه الإجتماعي.

تَفَشّـى المرض سريعًا داخل بلدي وخارجها، وَخَيَّمَ الشَّك والهوس على المجتمع الدولي، وأعتلى الحزن وجوه الناس. أستعجبتُ -هذا اليوم- من وصولي للمنزل مبكرًا، فلقد بدت السماء ذات زُرقة لَمْ أعهدها هكذا مُنذ فترة، وتهادت لمسامعي زقزقات طيور مزقت أصواتها صمت المدينة، فتبسمتُ، لربما يُعلن عن نصـرٍ ومعه فكرة فى عقلى تُضـيء بصيرتي، وتحمسني لكي أكتب فى عزلتي هذة.
ماريـانــّي تسومـات / المكسيك
2020/03/19

الهوامش

1. لي وين ليانغ: 12)أكتوبر 1986 – 7 فبراير 2020 (طبيب عيون صيني كان يعمل في مستشفى ووهان المركزي، وهو أول من حذر الناس من خطر احتمالية تفشي ڤيروس يشبه ڤيروس كورونا الذي سمي بعد ذلك (كوڤيد-19).
2. روبن: اسم لعدة شخصيات خيالية ظهرت فى قصص -الرجل الوطواط – باتمان كمساعد له.

عن الكاتبة
ماريانّي تسومات
أسمها الحقيقي “ميريّا دى لا كروث غاليثيا” وهي كاتبة وباحثة مكسيكية ولدت فى 21 من نوڤمبر 1966م مدينة سان جريجوريو، أتلابولكو، جنوب مكسيكو سيتي. حصلت على إجازة فى التاريخ من كلية الفلسفة والآداب، الجامعة الوطنية المستقلة بالمكسيك. عملت كمدرس في المدرسة الوطنية للفنون التشكيلية التابع للجامعة نفسها. وهى حاليًا تهتم بكتابة القصص القصيرة والقصيرة جدًا، والشعر وتنشر كتابتها تحت اسم أدبي مستعار أختارته بنفسها وهو “ماريانّي تسومات”.

المترجم فى سطور
أحمد نورالدين رفاعي
شاعر، ومترجم مصـري. عمل مترجمًا ومدرسًا للغة الإسبانية بمعهد اللغات للقوات المسلحة المصـرية. ترجم مئات القصائد والقصص مباشرة عن اللغة الإسبانية التى نشرت: أخبار الأدب، الرأي، وميريت الثقافية، الناقد العراقي وغيرها من الجرائد اليومية والمجلات والشهرية والمواقع الثقافية بمصر والدول العربية وبمتحف الكلمة بإسبانيا.
للتواصل: ahmednoureldeen1993@gmail.com

شاهد أيضاً

مَريم لُطفي الآلوسيّ : النَّوارسُ المُهاجِرة- رحلةُ الموت (قصةٌ مأساويَّةٌ لأرواحٍ تبحثُ عن السَّلامِ) (2)

المشهد يتكرَّر.. الملاذ الآمن الخيرُ يعمُّ والشرُّ يخصُّ، أم الخير يخصُّ والشرُّ يعمُّ؟ لقد التبست …

أسعد الجبوري: بريد السماء الافتراضي حوار مع الشاعر الأرجنتيني خوان خيلمان

عندما عثرنا عليه ،وهو يمارس السباحة في بحيرة(( الكوارث)) بين مجموعات من طيور (الرارا) الشبيه …

بلقيس خالد: سلالم الساعات: هايكو عراقي

-1- ردني ان استطعت قالها ومضى :الوقت. -2- يبعثرها دقائق وساعات.. مستغربا يتساءل: أينها الحياة! …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *