وداعا حليمة
بقلم: عبدالرحيم عاوة

يحدث أن نتمزق الى أشلاء متناثرة، كل جزء في زمنه الخاص. لم نمت، ولكننا لسنا أحياء، يخطئ الناس كثيرا في تحديد ماهية الموت ومعناه…
في كل زاوية من زوايا الوجود المظلم نفقد جزءا منا، نموت عبر جرعات متوالية، فقدان شخص عزيز هو موت في شكله الأولي، مرض أم أو أب هو موت كامل بطريقة وحشية لا رحمة فيها…
إن أعلى مراتب الألم وأقصاها حدة ” هو ألم من نحب «، فالأحبة لا يموتون بل يقتلون فينا معنى الحياة.
الانسان كائن هش مريض بالحنين، شديد الحساسية اتجاه الفرح، يعشق الألم يتمناه يحلم به. إن الانسان يشعر بنشوة الألم ولذته أكثر من إحساسه بالسعادة، فالألم أكثر قدرة على تشريح النفس البشرية الموغلة في التعقيد، في الألم يرى الانسان نفسه بوضوح تام. يتحسس أعماق الأعماق، يملك أداة سحرية تمكنه من اكتشاف أكثر المناطق ظلاما وغموضا في النفس البشرية…
كيف لرحيل شخص لم نعرفه وقتا طويلا، لم يولد معنا. صادفناه في منعرج الليل الطويل الى غدنا، أدميناه فابتسم اشتعلت عيونه وهجا وبريقا، سكن إلينا وفينا، تجاوز حصوننا العالية، فتح أبوابنا المغلقة بإحكام تام، بعثر سكوننا الموشوم بموسيقى الصمت الطويل، أحدث في عالمنا ضجيجا لا يهدأ…
ما ألذ نشوة الضجيج بعد سكون السنوات الطويلة، لم يعد مهما، أين نحن؟ أو أين نكون؟
الزمن توقف أصبح بإمكاننا السفر للماضي معا عبر سحر الكلمة وجمال الذكريات، توجهنا نحو المستقبل لم نرى أنفسنا فيه معا، فكانت بداية السقوط المدوي. عدنا لحاضرنا فلم نجده، اشتقنا لماضينا معا، لم نعد نقوى على العودة إليه، حاولنا تغيير القدر معا بقلوب متشابكة، قاومنا مسار الزمن، ولكننا استسلمنا لوهمه الجارف.
افترقنا إذن. كان وداعا صامتا لم نقول أي شيء، هكذا توقفت رسائلنا؛ فتوقفت الحياة معها، فنفذت كلماتنا وانتهينا…
بقلم : عبدالرحيم عاوة

 

شاهد أيضاً

تلويحة الصباح البعيد (الى شذى …صباحي البعيد)
علي رحماني

الساعة الثالثة بعد منتصف الليل الصبح يهبط محتدما كغيوم ((بودان)) والليل يهرب مثقلا كسماء بغداد …

مَريم لُطفي الآلوسيّ : النَّوارسُ المُهاجِرة- رحلةُ الموت (قصةٌ مأساويَّةٌ لأرواحٍ تبحثُ عن السَّلامِ) (2)

المشهد يتكرَّر.. الملاذ الآمن الخيرُ يعمُّ والشرُّ يخصُّ، أم الخير يخصُّ والشرُّ يعمُّ؟ لقد التبست …

أسعد الجبوري: بريد السماء الافتراضي حوار مع الشاعر الأرجنتيني خوان خيلمان

عندما عثرنا عليه ،وهو يمارس السباحة في بحيرة(( الكوارث)) بين مجموعات من طيور (الرارا) الشبيه …

تعليق واحد

  1. علي اللبان

    إبداع رائع سي عبد الرحيم دمت متألقا ومعطاء ،أبعدتنا عن بعضنا عوامل فارق السن من جهة، والبحث عن الاستقرار من جهة أخرى، فتارة اقول تبا لهذه الظروف، ثم أتراجع خاضعا لمنطقة “سنة الحياة” وأعود مادحا الفضاء الأزرق الذي يلعب دور الوسيط مقتصرا المسافات مكانا وزمانا. تحياتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *