د. خالد شاكر حسين: إبستمولوجيا السرد الثقافي في (ألف ليلة وليلة): مفارقة النَقِل والسَرد

لِمَ تَستَهِل (شهرزاد) جميع حكاياتها بعبارة (بَلَغَنِي)؟
بالطبع نحن ندرك تماماً أن السارد الحقيقي, (real narrator), لـ (ألف ليلة وليلة), والغير معروف للأسف, هو مَنْ وَقَعَ إختياره على العبارة الفعلية (بَلَغَنِي) لا (شهرزاد) فهي بحد ذاتها لا تُعَد سوى سارد ضمني للحكايات (implied narrator) وشخصية سردية مُتَخَيَلة. ورغم ذلك أرتبطت العبارة الإستهلالية (بَلَغَنِي أيها الملك السعيد ذو الرأي الرشيد) على نحوٍ وثيق في ذاكرتنا الحكائية بشخصية (شهرزاد) بالذات مما يؤشر نجاحاً باهراً وإستثنائياً للسارد الحقيقي في تحقيق حالة من الإنزياح بعيداً عن العالم الحقيقي للقارئ فضلاً عن الأستيلاء الكامل على ذاكرة هذا القارئ وسحبها عميقاً الى مستويات غير حقيقية من السرد والقَص.
لطالما أثارَ فضولي إصرار (شهرزاد) على تكرار هذا الإستهلال في حكاياتها. لِمَ لم يقع إختيارها على أي عبارة أخرى بديلة، مثلاً (في قديم الزمان) أو (كان يا ماكان)؟ لِمَ لم تُنَوِع إستهلالاتها القصصية؟ لِمَ لَمْ تنغمس مباشرةً بالسرد بصيغة السارد (العارف بكل شيء)؟
أعتقد أن جزءً كبيراً من الأصالة الثقافية لـ (ألف ليلة وليلة) يكمن ببساطةٍ شديدة في الخبايا الإبستمولوجية للعبارة الفعلية (بَلَغَنِي). ربما يبدو ذلك نوعاً من المبالغة. لكن تذكروا أن الأسلوب, كلَ الأسلوب, لا يتماهى إلا مع طبيعة خياراتِكَ اللغوية سواءٌ تلك التي تنطقها مباشرةً في الهواء أو تلكَ التي تدونها على سطح الورقة لا سيما في سياق النص الأدبي عموماً، والنص السردي على وجه الخصوص. إذا ما أردنا إدراك الدور الخطير الذي تلعبه عبارة (بَلَغَنِي) في تأصيل نصوص وحكايات (ألف ليلة وليلة)، ينبغي علينا أولاً الشروع في إستكشاف طبيعة البيئة والحاضنة الإبستمولوجية والسردية التي أنتجت لنا نصوصاً بخطورة نصوص (ألف ليلة وليلة).
تنتمي (ألف ليلة وليلة) تأريخياً الى عصر التدوين والتهذيب خاصةً في سياق القرنين الثاني والثالث للهجرة في عصر (الخلافة العباسية) التي دشنت حملة تدوينية (وبالأحرى تطهيرية) لا نظيرَ لها لأحاديث النبي وسيرته قادها على وجهٍ خاص (أبو جعفر المنصور) عام 136 هـ وبلغت ذروتها في عهد (المأمون) 198 هـ. شَهِدَت فترة (الخلافة العباسية) تطوراً فقهياً غير مسبوقاً أنتج لنا نظام شريعة لا يزال معروفاً لنا حتى اليوم. وإقتضى هذا النظام التشريعي المتقدم إعادة صياغة وتهذيب للمرويات الإسلامية سواءٌ كانت تلك المرويات أحاديث مسنودة الى النبي أو تأريخ سِيَرْ وغزوات وخلفاء راشدين وغير راشدين من بني أمية. غيرَ أن هذا التطور الفقهي لم يكن في الحقيقة هو الدافع الأساسي لإعادة كتابة السرديات الإسلامية الأولى. إذ لَعِبَ الموقف السياسي دوراً بارزاً وأساسياً في خلق البيئة التبريرية للشروع بحركة التدوين في العصرالعباسي الذي حاولَ خلفاؤه جاهدين إعادة إنتاج الماضي وفقاً لمقتضيات ومصالح الإيديولوجيا السياسية للسلطة الحاكمة, لا سيما في ظل الحروب والنزاعات الطاحنة التي خاضتها الدولة العباسية سواءٌ مع الدولة الأموية السابقة عليها أو مع المعارضة الشيعية التي شكلت بدورها تهديداً ضاغِطاً وسافراً للمرتكزات العقائدية والسياسية للخلافة العباسية قاطبةً.
لذا ظهرت في هذا العصر السرديات التأريخية المصقولة والذائعة الصيت لـ (الطبري) في كتابه (تأريخ الرُسُل والملوك)، وسرديات (أبو عيسى بن المنجم) في كتابه ( تأريخ سنى العالم) والسيرة النبوية (لإبن هشام) بعد أن أعاد كتابة النصوص المروية عن (محمد بن إسحاق) فنقَّحَ الكثير منها سواءٌ عن طريق الحذف أو الإضافة ضمن سياق ما بات يعرف بـ (التهذيب)، و(تأريخ اليعقوبي)، و(تجارب الأمم) لمسكويه، و(تأريخ بغداد) للخطيب البغدادي وغيرها كثير. ومن اللافت للنظر أن تلك السرديات التأريخية إعتمدت على آليات التدوين الفقهي وخاصة ما يُعرَف بآلية (الإسناد). وليس هذا بالأمرالغريب إذا ما أخذنا بنظر الإعتبار أن معظم من كتبوا السرد التأريخي في العصر العباسي ينتمون في الأصل الى تلك البيئة الإبستمولوجية للفقهاء والمُحَدِثين والمُفَسرِين. ربما يفسر لنا ذلك ما كتبه الطبري في مقدمة كتابه المذكورأعلاه:

“فما يَكُن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه، أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجهًا في الصحة، ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قِبَلِنا، وإنما أتى من قِبَل بعض ناقليه إلينا، وإنا إنما أدينا ذلك على نحو ما أُدِيَ إلينا.”

هذا تصريح خطير وتأسيسي يرسم لنا مَعَالِم الخارطة الإبستمولوجية لطبيعة الحقيقة المطروحة في دهاليز السرد الثقافي لذلك العصر العباسي الإستثنائي. فـ (الطبري) يستدرك على أي قارئ قد لا يتفق مع ما هو مذكور من سرد تأريخي في كتابه لا لشيء إلا لأن حقيقة هذه السرديات مدعومة إبستمولوجياً لا عبر التأمل والتحليل العقلاني والمنطقي للتأريخ بل عبر سلاسل طويلة من النَواقِل والرُواة والأسانيد الرجالية. لذا تعد هذه النصوص التأريخية سرديات ثقافية لا يمكن لنا إستنطاقها بعيداً عن الفضاء الإبستمولوجي للعصر العباسي الذي جعل من النَقل عاملاً حاسماً في تحديد القيمة المعرفية للنص التأريخي.
إن تحليل عناصر السرد التأريخي المطروح في نصوص العصر العباسي ربما يخبرنا بالكثير عن مجمل الثقافة العباسية بصفتيها المكانية والزمانية بل ويخبرنا بما هو أخطر من ذلك بكثير, أقصد أن هذا الإنزياح الإبستمولوجي نحو منطقة (النَقل) لا بد أن يكون له أثرٌ بالغ في ترسيخ نمط معين من المُتَلَقِين أو القُرَاء الذين تتحرك ذائقتهم وبَوصَلَتِهم القِرائِية ضمن سقف محدد من التوقعات السردية المحصورة في إطار إبستمولوجي ضيق من النقل والإسناد الروائي والوعظي.
إذن ظهرت نصوص (ألف ليلة وليلة) ضمن هذا الفضاء الثقافي المتميز سواءٌ بأبعاده الإبستمولوجية، بقدر تعلق الأمر بدور النَقل في خلق القيمة الثقافية للسرديات التأريخية والحديثية، أو بأبعاده القِرَائِية، بقدر تعلق الأمر بطبيعة الذائقة القِرَائِية لنمطٍ معينٍ من القراء لا تأسره سوى تلك النصوص المقيدة بسلاسل صارمة من الرواة ورجال الحديث المَوثُوقِين. شَكلَ هذان البعدان منظومة من التحديات السردية تَوَجَبَ على مُنتِج نصوص (ألف ليلة وليلة) التعاطي معها بحذر قبل طرح نصوصه للقارئ العباسي. إذ يتوجب عليه ,من جهة, مراعاة الخلفية الإبستمولوجية للمُتَلقي (القارئ) الذي يرتكز في إصدار أحكامه القِيَمِيَة والروحية، وربما الجمالية أيضاً، على مقاربة النَقِل، ومن جهةٍ أخرى, يتوجب عليه أيضاً إنتاج نص ذو محتوى إبداعي ومُتَخَيَل يتعارض إبستمولوجياً مع النسق الوعظي العام لما هو مطروح من نصوص وسرديات تأريخية وفقهية لا هَمَ لها سوى صياغة الواقع وتهذيب الماضي وفق قراءات مشروطة بمصادقة وإستحسان السلطة العباسية الحاكمة.
ذلك برأيي هو المأزق الحقيقي الذي وجد مؤلف (ألف ليلة وليلة) نفسه فيه. لا شك أنَ من قَدَم نصوص (ألف ليلة وليلة) كان يمتلك من العبقرية ما يكفل له الخروج من هذا المأزق العنيد والدقيق. وتتمثل إحدى أشكال عبقريته هذه في إدراكه العميق للحدود المرسومة سلفاً لخارطة المرويات السردية في العصر العباسي. يشكل هذا الإدراك لتلك الحدود العتبة الأولى للفعل السردي الإبداعي الذي سيغير الجوهر الأساسي لملامح الخارطة السردية لا في العصر العباسي فحسب بل وفي العالم برمته إذا ما أخذنا بنظر الإعتبار الأثر المدهش الذي خلفته نصوص (ألف ليلة وليلة) في البناء السردي لمختلف النصوص العالمية وبإعتراف كتابها أنفسهم.
أعتقد أن مؤلف (ألف ليلة وليلة) سعى جاهداً الى تحقيق نمط إستثنائي من (التوازن السردي) بين توقعات القارئ العباسي المُنجَذِب أصلاً للنصوص النَقلِية بدافع الوَعظ والعِبرَة والتَدَبُر وبين المحتوى العجائبي لسرديات (ألف ليلة وليلة) القصصية والحكائية والتي لا هدف لها سوى التسلية وتَزجية الوقت. ما كان لهذا التوازن أن يتحقق لولا تدخل فعل السرد (بَلَغَ) في تحديد ميكانزم الإستهلال القصصي لكل حكاية من حكايات (شهرزاد). يقف هذا الفعل في مفترق طرق بين النقل والسرد، بين مراوغة التعاطي الحذر مع التوقعات القرائية المتآلفة مع إبستمولوجيا النقل، والشروع بتجاوز حدود الخارطة السردية الآمنة والعبور الى منطقة المرويات القصصية العامرة بالخيال والأوهام الحكائية المُسَلِية.
إن الدلالة اللغوية لِعِبَارة (بَلَغَنِي) بحد ذاتها تختزل مجمل إبستمولوجيا السرد الثقافي في نصوص (ألف ليلة وليلة). (بَلَغَني) أي (وَصَلَ إلَى عِلْمِي)، هذا الوصول (أو الإنتقال) للمعرفة هو لُب القضية الإبستمولوجية المطروحة في سياق سرديات العصر العباسي تحديداً. تمارس هذه العبارة نوعاً دقيقاً وبارعاً من المناورة السردية فهي تستجيب إلى حدٍ ما لسقف توقعات القارئ الذي روضته السرديات الرسمية للسلطة على وصول نَقلِي ورِجَالي وسَنَدي للمعرفة، وفي الوقت نفسه تأخذ هذه العبارة نفس ذلك القارئ المُرَوَض على حين غرة حينما تقتطع جميع سلاسل الأسانيد والرُواة الذين يتوقع القارئ إمتداد أسمائهم قبل أو بعد عبارة (بَلَغَنِي) على الأقل. إن أخطر ما تحمله عبارة (بَلَغَنِي) بين طياتها الإبستمولوجية نوعٌ من الإقصاء والتهميش لمصادر السرد أزاء نوع أخر من الترسيخ والتأكيد على مركزية الكينونة السردية للراوي بصفته سلطة مطلقة.
لذا بوسعنا الآن إدراك الخطورة التي شكلتها عبارة (بَلَغَنِي) في نصوص (ألف ليلة وليلة) على آليات السرد التأريخي والفقهي الصارم. إن تجريد هذه العبارة من أي مُسَميات إسنادية وروائية يُعَدُ نوعاً من (القطيعة السردية والمعرفية) مع النمطيات الإبستمولوجية الموروثة والسائدة في المرويات والسرديات الإسلامية الكبرى آنذاك. لذا جاءت العبارة السردية (بَلَغَنِي) بصفتها رد فعل مناهض لسيرورات النقل الإِخبَارِي التي تعتمد على مصداقيةٍ مزعومة لسلسلة النَوَاقِل من رجال الحديث والمؤرخين والفقهاء والذين بدورهم يحددون مقدار الثقل والقيمة الثقافية للسرد المنقول.

شاهد أيضاً

روح المواطنة في مواجهة الغزاة: رواية (أضلاع الصحراء)
شكيب كاظم

يوم أدرت حديثا نقديا عن رواية (العطر) لباتريك زوسكيند، تساءلت ما أكثر ما قرأ هذا …

هلال العطية: قراءة في نص مونودراما (القُبلة الأخيرة) للكاتبة منتهى عمران

نص مسرحي من جنس (المونودراما) يسلط الضوء على حياة أمرآه تعاني من الإضطهاد والتعسف ضمن …

قراءة وتحليل لقصة هادي المياح (اللص وحكاية الطلاسم)
جاسم السماري

هنالك موروثات تاريخية وأعراف ورثناها واخذت تتبلور في واقعنا من الاجداد الى الابناء ، كذلك …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *