صباح هرمز: التناص والإيحاء في رواية (المنعطف) لحنون مجيد (ملف/12)

إشارة :
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر ملفها عن الروائي والقاص المبدع الأستاذ “حنّون مجيد” الذي أثرى المكتبة السرديّة العراقية والعربية بالأعمال الروائية والمجموعات القصصية المميزة التي مثّلت إضافة نوعية وكبيرة إلى الفن السردي العراقي والعربي. تدعو أسرة الموقع الأحبّة الكتّاب والقرّاء إلى إغناء هذا الملف بما يتوفّر لديهم من مقالات وصور ووثائق.

هذه هي الرواية الثانية التي اقرأها، وأحداثها تجري في الحافلة، بعد رواية (أطراس الكلام ) لعبدالخالق الركابي، وثالث نص أدبي بعد مسرحية ( الحافلة ) للكاتب البلغاري ستانيسلاف ستراتييف. وهي أقرب الى النص الثاني منه الى الأول، بالرغم من أن شخصياتها أقرب الى رواية أطراس الكلام، من حيث تشابه هوية بعض شخصيات النصين مع بعضها البعض.
مثلما يرمز نص ستراتييف الى الوطن لإحتوائه كل شرائح المجتمع، ويهدف الى تعرية القمع الذي يمارسه الشخص القابع على هرم السلطة ضد شعبه، كذلك فإن العربة في هذا النص ترمز الى الوطن التي تقل عشرين راكبا، في إشارة واضحة الى عدد سكان العراق البالغ عشرين مليونا أثناء غزوات صدام على الدول المجاورة للعراق. كما أنهما يشتركان معا في قيادة العربتين أو الحافلتين، بإتجاههما غير الصححيح. فإذا كان سائق حافلة النص المسرحي يقود حافلته بإتجاه فرن بيع الخبز، بينما وجهة الركاب هي نحو مركز المدينة، فإن سائق روايتنا هذه بدلا من أن يقود ركابه بإتجاه مدينة (سرمارا) فإنه يذهب بهم الى الصحراء. وهي بلا شك مدينة خيالية، لا وجود لها على أرض الواقع، سوى في مخيلة المؤلف وشخصياته الفارة من مدينة الحروب الى الجنة المنشودة. هذه الشخصيات التي لا تجد من بينها شخصية واحدة سليمة بكامل أعضائها الجسمانية، إن لم تكن كل واحدة منها تعاني من عوق ما، وفقدت إحدى أو أثنين من تلك الأعضاء، فمنهم من بترت إحدى ساقيه، والآخر ساقا ويد، وإحدى هذه الشخصيات (أعمى) فقد كلتا عينيه.
بالرغم من أن الرواية تبدأ من حيث تأتي الى نهايتها، والبدوي يسرد كيفية العثور على الراوي وهو على حافة الموت، إلآ أنها في الحقيقة، تبدأ بصوت السارد الضمني (أنا المتكلم) وهو يقدم البدوي لسرد حكايته مع الراوي وهو يقول:( حسنا. . إن الأمر ليبدو كما لو أنه من صنع الغيب، وأنه لعمري من صنعنا نحن . . . ولعلي أستطيع القول بأنه مهما بلغ حجم ذلك الشيء الذي نحيله الى غيرنا، فإن ما نفعله نحن غالبا ما يكون أكبر بكثير). ليكشف السارد وفي وقت مبكر عن هوية الرواية الجانحة نحو التحريض. أو كما لو يريد أن يقول، كان على الركاب من اللحظات الأولى التي أنطلقت فيها الحافلة في مسيرتها، وقام السائق بأرتكاب الأخطاء دون الشعور بالمسؤولية وبتهور، كان على الركاب ردعه بطريقة ما، في إيماءة الى حروب القائد المتكررة في العراق، والمجازر التي أقترفها بكافة شرائح المجتمع، دون ردعه والحد من نزعته الدكتاتورية الى آل ما آل اليه من دمار العراق.
كما أن إلتقاء نهايتها ببدايتها بالصوت نفسه، وهو صوت البدوي، أكسب أحداثها منحى دائريا. ولعل منح البدوي هاتين الفسحتين القصيرتين فقط، مهد الطريق لتتعدد الأصوات فيها، وعدم إقتصارها على صوت واحد، وهو صوت السارد العليم، بين ضمير المتكلم (أنا) وضمير الغائب (هو). ومع أنها تبدأ وتنتهي بصوت البدوي، إلآ أن الصوت المهيمن في الرواية هو صوت سليم ناصر والراوي اللذان ينوبان المؤلف بسرد الأحداث، وغالبا ما يسردها الأول بصوت ضمير جمع المتكلم، كما مثلا في جملة:( حتى أنكسر الضوء في عيوننا) أو جملة:( وتحقق ما كنا نفكر فيه، لينحرف بنا هذا الإنحراف المفاجيء)، وجملة:( كم كنا ظالمين حين حسبنا مدينتنا هذه كابوسا علينا). وهكذا الخ. . . بيد أن هذا الصوت سرعان ما يختفي وهو ما زال في منتصف الطريق، تاركا أصدقائه، عائدا للوطن، لإستلامه رسالة من أمه، ليحل محله الراوي الذي ينال مناصفة مع سليم ناصر سبعين صفحة من السرد، واحمد نجم أقل من أربع صفحات، وشاكر عبد المجيد، صفحة وربع الصفحة، والبدوي ثماني صفحات، بينما نال السارد الضمني من السرد، أقل من صفحة، وبهذا فإن عدد صفحات الرواية، ووفق هذا التوزيع، يبلغ بحدود (154) صفحة.
يلجأ السارد في بداية الرواية الى إستخدام ضمير الغائب، وهو يصف تشوش زجاج الحافلة، والتغيرات الطارئة على الجو، وما أن تصل الى الطريق الترابي، حتى يلجأ الى ضمير الجمع المتكلم:( كنا ننظر للشارع المعبد الذي وطأته عربتنا أخيرا. . . ). والسارد هو شخصية داخلية، بإستخدامه التبئير في درجة الصفر، وإنتقاله الى ضمير أنا المتكلم، من خلال إطلاعه على مكنونات الشخصيات:( كنت اشعر بلوعة جاري، وأنه على كلام آخر، يناقض الرغبة العمياء التي سكنت كلا منا قد يفقد سعادته. . . ). أو كما في هذه الجملة:( عطفت بصري نحوه، فراعني أن يكون لهذا الذي سوف أعرف اسمه فيما بعد، شبها بصديقي ذاك بصورة لا تصدق).
وإذا كان ضمير جمع المتكلم هو المهيمن في سرد سليم ناصر على الضميرين الآخرين، ففي سرد الراوي تكاد أن تتأرجح كفة ضمير الغائب.
يقول توماشفسكي وهو يذهب الى حد إنكار كل أهمية للشخصية:( يعتبر وصف الشخصيات وطبائعها. . من وجهة نمطية، حوافز ضارة أما افعال وتحركات البطل فهي من نفس الوجه، حوافز ديناميكية.)1.
وإذا ما حاولنا ترجمة قول توماشفسكي على هذه الرواية، وبالأخص فيما يقترن بأفعال وتحركات البطل التي تفضي الى حوافز ميكانيكية، فإننا سنجد بأن هذا الوجه ينسجم مع شخصية السائق أكثر من الشخصيات الأخرى، ذلك كونه الشخصية المحورية للرواية. فجملة :( كان السائق آخر من لاحت عليه دهشة ما، إذ مضى قابعا خلف مقوده، يقود عربته بجهامة وصمت.)، بالرغم من عدم خلو هذه الجملة من الوجه الأول المتمثل في المفردات الثلاث، (الدهشة والجهامة والصمت)، إلآ أن مفردة ( يقود) بفعلها المضارع، بوصفها الوجه الثاني لتحركات وأفعال البطل، فقد عملت فضلا عن إخراج المفردات الثلاث عن نمطيتها، زادت من تفعيل ديناميكية الوجه الثاني، بلغ حد إندماج كلا الوجهين في وجه واحد. ومثل هذه الجمل التي تندمج فيها كلا الوجهين، لتنصهر معا في بوتقة واحدة، تغدو وجها آخر، يختلف عن وجهيهما الأولين، ذلك أنها أقرب الى اللقطة السينمائية التي تظهر فيها الصورة بدلا من الكلمة الميتة. أو كما في جملة:( أخرج يده من فتحة شباكه، وعاد بها مضمومة الى أنفه) المعبرة عن الوجه الثاني للشخصية، وكذلك في جملة:( ألقى نظرة دفينة على مصدر الصوت) وجملة:( تحسس مسدسه). آلا أن أبلغ الجمل المعبرة عن دمج هذين الوجهين معا، فضلا عن المغزى الكامن وراءه هي في جملة إبراز دكتاتورية السائق وهو في ذروة أنانيته وغطرسته:( وأبلغ ضحكته كانت عندما لاحت رسوم مدينته. . عندما توقف وأطلقها مجنونة مدوية وقذف في الفضاء بقربة الماء التي أحتفظ بها ولم يسمح لأحد آلآ بقطرات منها.). مذكرة إيانا بجملة أبي فراس الحمداني وهو يقول:( إذا مت ضمآنا فلا نزل القطر.). ومعلنا عن قصدية إنحرافه من الشارع العام الى الصحراء.
بغض النظر عن السوداوية التي تعم الجو العام للرواية، بفعل التوتر القائم لدى الشخصيات، لتوجيه السائق قيادة الحافلة الى الأماكن الخطرة، والتي قد تؤدي الى هلاك الكل، فقد عرف السارد الذي ينوب المؤلف في سرد أحداثها، أن اللعب على عنصر التوتر في حدث من هذا النمط، بحاجة الى هذا العنصر لتفعيله بإعتباره:( هو إعادة رواية المتن مما يؤدي الى ضمور حركة الزمان في الحركات اللاحقة حيث تعاد الخلفية الزمانية والمكانية ذاتها، كما تتكرر الوقائع والأحداث والشخصيات، هذا النظام يعطي للرؤية السردية مكانة أولى في صوغ المتن.)2.
ولو أعدنا قراءة هذه الرواية من بدايتها الى نهايتها، فسنبلغ نتيجة مفادها، أن الزمن فيها غير واضح، ويشوبه الغموض، إن لم أذهب الى القول بعدم وجوده أصلا. أو هذا ما يترآى للمتلقي، ذلك أن التوتر ينشأ من خلال تكرار الثيمة. والثيمة في هذه الرواية هو الخوف من المجهول، ويحدث هذا الخوف، بفعل التوتر، في تعاقب زماني سريع، أو هكذا يبدو، وبالأخص في حركاته اللاحقة، أي في الأحداث التي تتكرر في الرواية، لعودته الى النقطة التي أنطلق منها، في الزمان نفسه. والمكان هو ذاته أيضا، وهو الصحراء، فالحافلة تدور في فراغ دائري، لتعود ثانية الى النقطة التي انطلقت منها وهي الأرض الصحراوية القريبة من مياه العين، وكذا الحال بالنسبة لتكرار الوقائع والأحداث والشخصيات. أي أن الخوف الذي يحدثه التوتر، يقلص الزمان ويجعله غير محسوس.
المكان في هذه الرواية هو الصحراء، ومع أن الصحراء تعد مكانا مفتوحا، إلآ أنها هنا غير كذلك، تعد مكانا مغلقا، ومعاديا للشخصيات، ذلك لعدم إمكانية الخروج منها الى الطريق العام، وإزهاق روحين على أرضها، وهما روح الأعمى وروح سهام حامد، فضلا لما عانته الشخصيات من قلق وعذاب ومعاناة لا يوصف وقل نظيره، من بداية الرحلة الى إنتهائها ببقاء عددا قليلا منهم على قيد الحياة، والراوي الذي أنقذه البدوي مصادفة هو واحد من هذه القلة، وهو خير من ينعت الصحراء: (إن الصحراء في موسمها هذا تنقض عهدها معنا، وأنها قد لا تريد أن تفي بما كنا نتمنى منها. . . غير أن ما حدث كان شيئا آخر. . لا شك أن بعضا من هذه الأرض لا تقبل الربيع، نظرا لطبيعتها الرملية الصرف. وأنها تكون على الأغلب أشبه بجزر جافة أحاط بها بحر أخضر.. . إنها المفازات الرملية المهلكة التي نخشى أن تكون فخاخا للمغامر من الإنسان والحيوان.). وفي الصفحة الأولى، حيث تبدأ الرواية، معلقا عن نفس الموضوع يقول: ( فهذا الطريق المنحرف الذي يضل فيه ليس بطريقه إليهم، وأنه على رجل مثله لطريق تيه وهلاك، فإن لم تفترسه الذئاب أوتلتف عليه الأفاعي قتله العطش أو امتصته الرمال.).
إن هذه الرواية لإنجذابها في أكثر من تخوم لمسرحية الحافلة لستانيسلاف ستراتييف، جعلها أن تشتغل على التناص مع هذا النص. ويقف في صدارة هذه التخوم، توجه كلا الفريقين الراكبين في الحافلتين الى المدينة الفاضلة (الحلم). وتسمى مدينة الرواية (سرمارا)، ومدينة المسرحية ( كوبرفشتيتسا)، هروبا من بلدهما الى بلد آخر، يرفل بالأمان والعيش السعيد، بعيدا عن الظلم والإضطهاد وشبح الموت جراء الحروب التي ما أن تنتهي الأولى، حتى تبدأ الثانية، ثم الثالثة وهكذا دواليك . وإذا كانت كلا الحافلتين رمزا للمكان، أي لما هو أبعد من الحافلتين، إمتدادا للبلد الذي يعيش فيه الركاب، فإن الحافلتين ما هما إلآ رمزا للبلدين المقصودين منهما وهما العراق وبلغاريا. والبلد في الثاني، عتيق ومتهريء، هكذا يصف المؤلف بشكل مباشر بلغاريا من الداخل، بعكس سارد الرواية الذي لا يأتي على ذكر أسم البلد، ما دامت الحافلة ترمز له، لذلك فإنه يشير الى نفس الحالة ولكن بشكل غير مباشر، وذلك عبر زجاجة مشوشة، ترك عليها حصى الطرقات والدروب آثار صدوع وكسور. وفي كلا النصين، ما أن تبدأ الرحلة حتى تهب الرياح، وتتكون الغيوم، في إيماءة جلية الى الصعوبات التي ستواجه الركاب وبالتالي صعوبة تحقيق أمنيتهم بالوصول الى المدينة – اليوتوبيا – .
وبقدر جهامة وصمت سائق المنعطف، بالقدر نفسه وربما أكثر يتسم سائق الحافلة بذات الصفتين، ذلك وإن أدت عنجهية سائق الأولى الى موت الأعمى، بالأحرى قتله، وموت سهام حامد، غير أنه لم يحدث ذلك علنا، كما قام سائق الثانية وعلى مرآى الكل بضرب شخصية (الغبي). كما أن كلا السائقين يقودان حافلتيهما بسرعة جنونية، ويرتاب الركاب بالطرق التي يسيران عليها، وكما لو كانا غريبان عن بلديهما، ويسلكانها لأول مرة. وهما فعلا كذلك، لا لعبثيتهما وعدم أباليتهما بحياة الراكبين، بل لأن سائق المنعطف أسمه غريب، وبالإضافة الى ذلك فإن كلا النصين الروائي والمسرحي يعجان بالرموز والإيحاء، فإذا كان الأول يعج بالإيحاء، فالثاني يعج بالرموز.
شروعا من أول جملة في الرواية تأتي على لسان السارد سليم ناصر، يبدأ الإيحاء، وهو يصف الحافلة التي تقلهم، هكذا: ( عبر زجاجة مشوشة، ترك عليها حصى الطرقات والدروب آثار صدوع وكسور أمتد الطريق أمامنا. . ).
في الوقت الذي ينعت فيه السارد الحافلة، إنما لا يعنيها، أي لا يعني الحافلة بحد ذاتها، بل البلد الذي يعيش فيه، هذا البلد الذي تهدمت جدران بيوته من كثرة الحروب، فغدا خربا ومشوها. لينتقل في إيحائه الثاني الى الطبيعة التي يتحلى بها السائق من خلال الدهشة التي أرتسمت على ملامحه، وجلوسه خلف مقود الحافلة بجهامة وصمت. إن المتلقي ليس بحاجة الى هذا التوضيح، مادامه قد أطلع على هوية السائق، فليس ثمة غيره، قائد الأمة من دمر العراق. وإذا كانت مفردة الدهشة توحي الى عدم توقع السائق بالتغيير الذي طرأ على الجو من الصحو الى الغائم، فإن مفردة الجهامة توحي الى قساوته وعنفه.
يبدو أن الركاب من بداية الرحلة، وعبر قراءتهم لملامح السائق الصارمة، وزجاجة حافلته المشوشة، كانوا متوجسين من مصداقيته في تحقيق هدفهم، وبدأ هذا التوجس يتولد لديهم، من إنحدار حافلته بشكل فجائي عن الطريق العام الى الصحراء:( وتحقق ما كنا فكرنا فيه من أن فكرة ربما طرأت على ذهن سائقنا لينحرف بنا هذا الإنحراف الفجائي.). وبقدر وضوح مغزى هذه الجملة، إلآ أن مغزاها يتضح أكثر، عندما يعقبها بجملة أخرى، تأتي كما لو أنها كانت إجابة لها، أي للجملة الأولى: (ثم قبل أن يهبط السائق الى الأرض، عطف رقبة غليظة نفرت عروقها ولوحتها الشمس، وسرح نظرا دفينا غامضا على الوجوه المستنفرة وهمهم بكلام مبهم حسبه بعضنا وعدا وحسبه آخرون وعيدا.).
بغض النظر عن المعنى الذي يؤكد عليه السارد في جملته الثانية، وهو لغرض مقصود ما، ولإلحاق الضرر والأذية بالركاب، أنحدر السائق الى الصحراء، فإن هذه الجملة بتوجيه أفعال السائق وتحركاته من خلال عطف رقبته وسرح نظرات دفينة غامضة، ما هو إلا تأكيد آخر الى أن الشخصية في هذه الرواية، تنهج منحى الحوافز الميكانيكية.
وإذا كان السارد في جملتيه السابقيتين أشار وبشكل غير مباشر الى قصدية السائق بالإنحدار الى الصحراء، غير أنه في الجملة التي تليهما يعلن بشكل مباشر عن قصديته بإنحدار عربته الى الصحراء: ( أرتجت عربتنا في حركة هوجاء، حسبها بعضنا مقصودة أو متهورة اضطربت عليها أجسادنا ، وتولد فينا منذ اللحظة الأولى شيء من قلق أصاب نفوسنا بعسرة ما.).
إن إرتجاج العربة بحد ذاتها، تدل الى القصدية، وهي بذلك تكسب معنيين، فبالإضافة الى القصدية، فإنها تعني تهور السائق وقلق الركاب، وهذا ما أشار إليه السارد، لذا فإن توضيح معنى هذه الجملة، لا يضيف شيئا جديدا على معلومات المتلقي لأنه سبق وأن أستشفه من الجمل السابقة.
لقد بدأ اليأس يدب في نفوس الركاب، بلغ حدا طفقوا يشعرون بأنهم كانوا ظالمين وجاحدين، حين أعتبروا مدينتهم كابوسا عليهم مغادرتها من دون نظرة وداع. ذلك أن السائق دغدغ آمالهم وعزز في نفوسهم ذلك الخيط اللامرئي من الأمل الذي كلما رجحت كفة الشك فيه، أنشد ليوقظ كفة اليقين، وهكذا كل شيء يهدهد فيهم لذة السفر ومتعة الترحال. ولشدة هذا اليأس دفع بجار السارد أن يميل عليه ويطرح عليه هذا السؤال : ( ترى أنصل مدينة الأحلام، إذن أي حلم جميل؟). والأجمل أن يأتي هذا السؤال والحافلة: (تغادر آخر حدود المدينة القائمة على النهر، حيث ينشر الصيادون شباكهم، ونسوة من قرية صغيرة تجمعن عند شاطئه يغتلرفن الماء، أو يغسلن بعض أوان وملابس تحت سماء صافية ونهار جميل.). لذا فإن السارد يرد على سؤاله قائلا: ( ستصل. إما إذا لم يتحقق ذلك فسيكون النهر آخر رؤيا جميلة تمتعت بها عيناك.). وهذه الإجابة، وإن رافقها قسطا من التفاؤل، بقول السارد ( ستصل)، بيد أن الفقرة الثانية بما تحتويه من مشاعر فياضة تجاه الوطن، تنفي الإجابة الأولى لتصبح (لا تصل).
لا يعول المؤلف على الإيحاء فقط، وإنما على التمهيد أيضا، وهو أسلوب غالبا ما تستخدمه السينما، بالإعتماد على المونتاج القاطع الطويل، موظفا إياه ثلاث مرات. المرة الأول في كسر الساعة، والمرة الثانية في قتل الأعمى. والثالثة في موت سهام حامد. وذلك من خلال نظر الشاب صادق عبدالحميد في ساعة يده أثناء ما يشرب الماء في المرحلة الأولى، في الصفحة ( 34) وهي عملية تمهيدية للإيحاء بوقعها لاحقا. وإنتزاع السائق الساعة من يد صادق وتحطيمها في المرحلة الثانية، في الصفحة (149) . أما التمهيد لقتل الأعمى من قبل السائق، فقد أقترن برد السائق على الأعمى. . . :( هذا الصوت لا يكف ولسوف يلاحقه حتى يقتلع أذنيه). لقول الأعمى وبصوت جهوري أكثر من مرة: ( ذئاب وضباع. . وقد نضطر مرة أخرى المبيت في الصحراء). وسؤاله في المرة الثانية : أأنت غريب. . غريب أبن. . ؟ ! ليصل السائق الى قناعة مؤداها، أنه لم يعد أمامه إلآ هذا الأعمى الذي هو أغرب الكل وأكثرهم صلة به، في الصفحة (67)، لذا بدأ يفكر بالطريقة التي تخلصه من لسانه. وعزز هذا التمهيد بتكرار جملة:( نعم. وأنه لطريق الهلاك) لمرتين وعلى لسان الأعمى، في الصفحة (91) و ( 93)، وفي الصفحة (108) ينفذ السائق بوعده، بعد أن يذكر أحدهم انه رآى شبحا ينفرد بالأعمى الذي مكث رابضا على تلته وحيدا. بينما بدأ التمهيد لموت سهام حامد، أثر إعلانها عن حاجتها الماسة الى الراحة، بعد أن ألم براسها دوار، في الصفحة (90). ومثل مقتل الأعمى يعزز المؤلف، تمهيدا لموت سهام حامد بتقنية الإيحاء المتمثلة برؤية سهام لجثة الأعمى قبل الكل وصراخها بشكل هستيري، وتموت في الصفحة ( 143): (لقد ذابت المرأة كما يذوب الحلم، فكان شهيق شاكرعبدالمجيد أبلغ صورة للوعة رجل على إمرأة، شاهدها بشر من هؤلاء.).
إن اجمل ما في موت الأعمى، هو إسترجاع بصره، ودفنه في قمة التلة، حيث تنبعث منها نقطتي نور خضراوين ليلا وتغيبان فجرا، وقد أطلق الناس على هذه التلة بالتلة الأعمى، والأجمل أن السائق دفن في أسفل التلة.
المصادر:
1- تقنيات السرد من منظور النقد الروائي. تأليف أشواق عدنان شاكر النعيمي. الناشر:دار الجواهري. الطبعة الأولى.
2- المصدر السابق نفسه.

شاهد أيضاً

صباح هرمز: مسرحيات يوسف العاني بين الرمز والموروث الشعبي:
1- المفتاح (ملف/23)

كتب يوسف العاني مسرحية (المفتاح) أواخر عام 1967 وأنتهى من كتابتها بداية 1968، وهو بهذا …

الفهرست الكامل
في وداع الدكتور نجم عبدالله كاظم
ناطق خلوصي (ملف/6)

كانت آخر رسالة تلقيتها من الأستاذ الدكتور نجم عبد الله كاظم في 9أيار الماضي أي …

على ضفاف شعريّة العناوين
دواوين الشاعر سعد جاسم أنموذجاً
د. وليد العرفي (ملف/7)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *