محمود سعيد: أوجاع الرقابة

بدأ الاستاذ ناطق خلوصي بفتح مواجع الرقابة في العراق، وبذلك فتح باب وصف آلام ومعاناة الكاتب، وكشف ظلمات أحاقت به لا يحس بها غيره، ولا بد أنه عانى كثيراً منها. والمعاناة من الرقابة نوع من التعذيب الشديد المؤلم المبرح. في رأيي لا يوجد أي مبرر لكي يتحكم شخص بما تكتبه حتى لو كان أفضل من الكاتب تعبيراً، وأضلع منه في اللغة ، فكونه مشهوراً في مجال معين لا يعني إعطاؤه الحق في منع أو إجازة كتاب في الآختصاص نفسه، وفي ذلك المجال. يحس الرقيب بنوع من الغرور يجعله يتصرف كإله صغير “مخصيّ”، يدفعه نقصه لينتقم من الكاتب، فيتصور نفسه يحيي ويميت، ويتحكم به ليسمح له بنشر نتاجه أو منع النشر، والمأساة أن الدائرة المسؤولة المثقلة بآثام المنع أخذت بعد مدة تخفي اسم الخبير على الكاتب كي لا يجري عليه ضغط من أي نوع.. قدمت روايتي الإضراب إلى الرقابة سنة 1959، وكانت الرقابة في دار قديمة ذات طابقين في باب المعظم مقابل وزارة الدفاع، وقدمها لي المرحوم علي الشوك، ورافقته بذلك، وحينما سألت الجندي المكلف بنقل البريد بعد تسجيله عن اسم الرقيب قال لي: العقيد لطفي طاهر. وبعد بضع دقائق جاء الجنيدي وقال لنا: تعالوا بعد شهر.. وحينما جئت ثانية سلمني الرواية وكانت مختومة بخاتم المنع. فقلت لعلي الشوك، سآخذ سلفة وأرسلها إلى دار الآداب “لبنان”. لكنه أقنعني بإيداعها في اتحاد الأدباء، فالنشر هنا أفضل لك وللاتحاد. وبعد سنتين أنهيت رواية قضية قديمة، وبعد أن قرأها المرحوم علي الشوك، قال لي أظنهم سيسمحون بهذه، فليس لها علاقة بالنضال أو المظاهرات أو الإضرابات، وعندما مر الشهر وراجعنا، وضعوا أمامنا مهلة شهر آخر، وهكذا تتالت المهل حتى جاءت سنة 1962 فقالوا لي إن في الصفحة رقم كذا كلمة مسدس احذفها، فلقد تأخر السماح لهذا السبب. لا سبيل للوم الجندي، فهو أشبه بساعي بريد، لا علاقة له بالمحتوى أو الكلمات، أو التعبير. فلو أطلعونا على السبب “المسدس” لحذفته في الشهر الأول، ثم جاء الفرج بطمغة “الموافقة” ببضعة أيام قبل نهاية سنة 1962 وباشر اتحاد الأدباء بطبع الكتاب وصدر في نهاية كانون الأول 1963، وأشارت إليه مجلة المثقف، في صفحتها الأخيرة لكن حدوث الانقلاب أقفل أي خبر عنه الكتاب وعن أخيه الأكبر.
بعد ذلك قدمت رواية الإيقاع والهاجس إلى الرقابة، “1968” وفي اليوم المخصص للمراجعة، فوجئت بالحكم هو الاستاذ عبد الرحمن الربيعي، فقال لي وهو يشير إلى صفحات مكتوبة أمامه: هذه مئة ثمانية وستون جملة في الكتاب عليك تغييرها جميعاً ، وعندما قرأت قسماً منها لم أجد ما يوجب التغيير، قلت له تغيير كل هذه الجمل يعني تغيير الرواية. فأصر على التغيير وإلا المنع. وبعد سنتين قدمت رواية “زنقة بن بركة” فاكتشفت أن الإجراءات نفسها موجودة والرقيب “الأستاذ عبد المجيد الربيعي” نفسه موجود، وقائمة التغيير الـ 168 نفسها موجودة، ولست أدري ما علاقة هذا العدد بأخطاء الروايتين.
بعد زنقة بن بركة، حجبوا عني رؤية الرقيب. أخذ أحد الموظفين يستقبلني. يأخذ الرواية، وبعد شهر يرجعها وعليها طمغة المنع، من دون ذكر الاسم. وبعد التسعينات ونشر زنقة بن بركة وغيرها في الخارج، تعرفت إلى المرحوم موسى كريدي، وكان يشرف على الموسوعة الصغيرة، وسألني إن كان عندي أي مخطوطة، فقلت له أنا ممنوع مخضرم من النشر، لكنه ألح لأنه المسؤول الأول والأخير في “الموسوعة”، فأعطيته مسودة كتاب صغير عن كتابة الهمزة، يصلح كي يكون من نشر الموسوعة، وهو نتيجة تدريس العربية أكثر من ربع قرن، واقتراح طريقة تجتث أخطاءها إلى حد كبير، فمن المؤسف أن يخطئ شعب عربي بكتابة إملاء حروف أخترعها أجدادهم، وقلت له سيمنعونه لكن لا أراهنك لأني رابح لا محالة، وبعد 2003 جاء نوع آخر من الخبراء والرقباء، نوع يمتاز بالأسلوب المؤدب، اللطيف، لكنه ينهيه رقته ولطفه بابتسامة وترديد كلمة “المنع” أيضاً حتى عُينت سيدة أجازت رواية يتيمة لي ثم توقفت..

شاهد أيضاً

خالد جواد شبيل: خُلِقت جميلاً يا لبنان!

أول الكلام: أستميحك عذرا يا لبنان أن أحوّل حزني عليك وعلى بلدي العراق الى حالة …

بدء العد التنازلي لإطلاق لقاح كوفيد-19!
بوادر نهاية كابوس كورونا تلوح في الأفق
مولود بن زادي أقلام مهاجرة حرة – بريطانيا

منذ بداية تفشي كوفيد-19 في شهر ديسمبر/كانون الأول 2019 والعالم غارق في وحل كابوس مرعب …

عبد الرضا حمد جاسم: الراحل علي الوردي في ميزان: انتفاضة الحي

اعود في هذه والتاليات للبحث في طروحات الراحل الدكتور علي الوردي له الذكر العطر ونحن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *