“رؤيا الغائب” للعراقي سلام إبراهيم رحلة في الجحيم العراقي
عبد الحسين إبراهيم (ملف/67)

إشارة:
مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي “سلام ابراهيم” نصوصه بدم التجربة الذاتية ولهيبها. وفي اتفاق مع إشارة خطيرة للباحث الأناسي العراقي البارع د. علاء جواد كاظم الذي اعتبر روايات وقصص سلام إبراهيم من مصادر الدراسة الأنثروبولوجية الناجعة في العراق نرى أن نصوص سلام يمكن أن تكون مفاتيح لدراسة الشخصية الوطنية مثلما استُخدمت نصوص ياسانوري كاواباتا لدراسة الشخصية اليابانية ونجيب محفوظ لدراسة الشخصية المصرية مثلا. الفن السردي لسلام ابراهيم هو من عيون السرد العربي الذي يجب الاحتفاء به من خلال الدراسة الأكاديمية والنقدية العميقة. تحية للروائي المبدع سلام ابراهيم.
أسرة موقع الناقد العراقي

( إذا عزمت على النزول إلى العالم السفلي، فأن لدي كلمة أقولها لك: أسمع. لا تضع ثياباً نظيفة وإلا خف إليك الموتى.. لا تضمخ نفسك في العطور.. كي لا تجذبهم الرائحة فيجتمعون عليك. وفي العالم الأسفل لا تصرخ ولا تبكي حتى لا يمسك بك صراخ العالم السفلي)
هكذا يحذر جلجامش صديقه أنكيدو في الأسطورة السومرية “أنانا وشجرة الصفصاف”
ومن جديد يقرر الكاتب العراقي سلام إبراهيم وبكل شجاعة المجازفة والنزول حيث لم يرجع أنكيدو. بينما أطل علينا سلام بروايته الأولى “رؤيا الغائب” بلغتها الشفافة وسردها الدافق المتين، وبنيتها المفتوحة بمفاصلها الثلاثة المستقلة المتصلة
1- في الساحة ـ مشهد الأعدام
2- في متاهة الأعماق السحيقة ـ مشهد النزول إلى العالم السفلي ـ
3- في الخلوة الضيقة ـ مشهد طقوس غسيل الموتى ـ،
لغة حية تشد القارئ من أول جملة سردية حتى أخر سطر في الرواية الممتدة على مساحة 134 صفحة من الحجم المتوسط عبر السرد بضمير المتكلم تارة وبضمير المخاطب في أخرى بحيث يجري التنقل بين الضميرين بشكل إنسيابي حر لضرورة يستدعيها السرد وكأن الكاتب يتدفق بعفوية تدفق اللغة والحبكة المفتوحة.. لغة مست عمق الكابوس ولا معقولية ما يجري في فضاء السرد، الأحداث، المصائر البشرية، تراجيديا المحبة، الصداقة في فداحة الفقدان.
اللغة الدافقة، الراغبة، المتشهية تلك على حد تعبير الناقدة والشاعرة اللبنانية صباح زوين في تقريضها لنفس الرواية والمنشور في صحيفة “النهار” اللبنانية بتاريخ 2 أكتوبر 1997. تنقلنا من حلم إلى واقع، أو بتعبير أدق تخلط الحلم بالواقع مضيعة الحدود بين الماضي والحاضر، لغة مزجت مزق الأزمنة ووضبتها في أطار الحلم النافذ من بوابة الواقع المرعب، حيث كلما أزداد المكان قساوة أستحال الحلم كابوساً مثل أزمنة الأساطير، وكأن عراق الأمس عراق اليوم.. دمٌ وماء.
ينتقل بنا الكاتب بهذه الترانيم المضمرة والأناشيد المنسوجة بدفق السرد عبر تقاطع الأمكنة والأزمنة تارة وتوازيها في أخرى.. إذ يصبح المكان أحيانا هلاميا ” سعة النعش بسعة الكون” حينما يستقيم الميت من غور نعشه في مفصل “الخلوة الضيقة”
( أبصره يقوم من رقدته مستقيما بنصفه الأعلى ويميل نحو وقفته، يحدقه بعينيه الواسعتين العميقتين البارقتين الذكيتين تطوف في قسماته المرتوية بسمة وادعة مطمئنة. أشار له بذراعه الناحلة كي يقترب.. فدنا منه إلى أن جاوره، فأخذه من ساعده وأدخله فسحته الضيقة الواسعة وسع الكون:
ـ أترى يا حبيبي!. هذي فسحة الإنسان في سشاعة الكون أن يشأ جعلها مرتعاً للخلوة المطمئنة، أو مرتعاً لعذابٍ مستديم!. أترى كم فسيح مكاني، أركانه قصية وآفاقه رحبة، أتأمل من دكاتي الكثار شؤون الحلم المفتوحة على أسرار الروح التي أستبانت لي لحظة تلقي الطعنة الأخيرة في ذلك القبو الضيق المعتم العفن) ص133.
أو يصبح ضباباً موحشاً مقفراً في مفصل ـ في الأعماق السحيقة ـ يهبط بنا لاحقاً من وسط خرائب السطح إلى أعماق سحيقة وأنفاق محشودة بالبشر المشوهين الجائعين الصارخين المنتظرين خبز وماء. المرأة الغامضة الجميلة التي تستدرجه من رتابة يومه الحزين وتصطحبه في رحلة تتناص مع رحلة أنكيدو إلى العالم السفلي.
أو يصبح مرعبا ودمويا في ملعب كرة القدم المتحول إلى ساحة إعدام في مفصل ـ في الساحة ـ
مساحات اللامعنى واللاجدوى.. سواتر الحرب. أمكنة متشعبة.. مقدسة حينا.. أضرحة مقدسة، جوامع. أسطورية حيناً.. السلالم الحجرية النازلة في الحلكة إلى العالم السفلي عالم الظلمات.. أنفاق ودهاليز تنفصل فيها الروح عن الجسد حيث (الحياة فسحة عذاب والموت أمنية بعيدة). أمكنة متدثرة بالصمت، مزدحمة بالكتل البشرية العارية المبتورة الأطراف، المفقوءة العيون، المشوهة، أمكنة يعاد في ساحاتها مشهد قتل الحسين، فكربلاء الحسين هي العراق كله، وساحات الأعدام هي مكان لمقتل كل حسين.
وحين يلوذ الكاتب بالزمن الأمن تبقى لديه الأشياء جامدة “لاصبح ولا ضجيج” يتحين وقوف جريان الزمن لكي يستأنس بالصمت “لأن للصمت معنى مسالما أحيانا” بينما زمانه مرتبك، ثقيل الوطأة، مليء بالذعر، الزمان لحمة المكان عبر الذكريات.. الطفولة.. المحبة.. أو بالعكس، يلتبس أحداهما بالأخر “أطراف الفجر”وأرغام السرد للزمان اللين فيرجع إلى حيث يذهب السرد في الأمكنة، فزمن الرواية ليلٌ أبدي. زمن سريع الجريان.. سريع التقلب تارة.. شديد البطء.. قاتل الصمت في أخرى.. ذلك التوارد والمزج العجيب المتماسك المتين بين زمن الواقع وزمن الأسطورة وزمن الحلم.
أما شخصيات الرواية فهي شديدة الحساسية، مثقلة بهموم تفوق طاقتها.. مسكينة.. ذليلة.. مخذولة.. مذعورة.. ضئيلة.. مستكينة لحدود اللامعنى.. لامعنى للحياة في ظل مناخ الجحيم الذي تصوره الرواية.. لا معنى للهرب من جبهات القتال.. فالجحيم ذاته؛
(هو الأخر ملَّ من شعور الذل الذي ينسحق تحت وطأته وهو يتحاشى وجوه الأحبة المتضايقة الكارهة حضوره المربك الخطير) ص 9.
الجحيم ذاته.. موت نفسي أكثر وطأة من موتٍ جسدي. استسلام عبثي لمفهوم القدر.. شخصيات منزوعة الإرادة تذهب إلى حتفها مثل قطيع لكنها تفترق عنه كونها جربت فعل المقاومة بالهرب من خنادق القتال في جبهات الحرب إلى بيوت الأحبة المرعوبين في زمن مطلق الرعب.. لا أفق فيه هذا ما يتفاجئ به القارئ من أول صفحة، فبعد ليلة مضنية يقضيها مختفيا في بيت أخته الكبيرة ساهرا جوارها في ظلام الصالة مراقبا خطوات مفارز التفتيش.. ولهاث أخته الكبيرة المكتوم والحائرة بين أطفالها الخمسة النائمين في الغرفة الأخرى وهاجس تقدم خطوات مفرزة التفتيش التي لم تمر لحسن الحظ؛
(ليس وهنا ما أصابه لحظة قراراه تسليم نفسه للسلطات العسكرية بل يأساً وعدم جدوى جعلاه ينصاع انصاعيا تاما إلى قدره غير آبه باحتمالات مقتله شأنه شأن الكثيرين بعد أن ضاقت بهِ السبل ومله الأهل والأقارب) ص9.
(… ليس جبنا.. ليس جبنا.. بل احساس بالعجز والضأله ولا جدوى من الهرب.. بل لا معنى له وبالتالي لا معنى لوجوده) ص 11.
كيف نوازن طقوس القسوة المتداولة مع الخشوع لصوت القارئ ـ قراءة القرآن في مفصل “في الساحة”. كيف نلتجئ إلى العقل وسط جنون مطلق؟!. أو ليس الخشوع والخضوع لسلطة إلهية ماهو انعكاس للسلطة الأرضية.. أو ليست هي انعاكس لمجرى الحياة في الواقع المسكون بالأرهاب والرعب والموت.. والأفق محدد بين التعاسة والموت.
تبحر بنا الرواية عبر مجموعة من القيم الإنسانية بتناقضاتها غير المباشرة، أو بالإستعارة التاريخية المتأتية من الأسطورة والموروث القديم. وما استخدم الموروث بشكله المكثف إلا دلالة غنية. الأولى.. ليس فقط أنه يستخدم لأول مرة في الرواية العراقية بل كونه يعبر ويغوص عميقا في طقوس وعادات أزلية في تكوين الإنسان العراقي الشعبي ـ طقوس الولادة.. غسيل الموتى.. الدفن.. الزواج.. المراثي، وغيرها.
لقد مرَّ استخدام الموروث والطقوس عبر عدة مستويات، أولها الطقس الأسطوري المتمثل في الهبوط إلى العالم السفلي والضياع فيه إلى حين ظهور المنقذ المتجسد في النص بشخصية الإمام علي بن أبي طالب.. فعندما يعيه الدوران في أعماق الأمكنة المدفونة بالأعماق فيصرخ مستنجدا به كي يخرجه من يم الظلمات للحاق بجثمان أخيه المحمول على الأكتاف العارية والمشيع لمثواه الأخير؛
( ـ يا من أجيئك مستغيثاً كلما ضاقت بي الشؤون!.
يا من أدور حول ضريحك هامسا أصغر أسراري!.
يا من ألوذ ساعات لصق شباكك منصتا لنبضك يرن بأنحاء روحي!.
دعني ألحق به، دعني أراه.. أضمه.. أشمه!.
سرى صوته بطيات الحلكة وأمتصه صمت الجدار. لبث هامدا يحدق بعينيه المفتوحتين إلى أغوار السواد السحيق. أستبان من غور بعيد فص ضوء بحجم الابهام أخذ بالتلألئ والأقتراب نائراً فيض نوره الأزرق المشع كاشفاً عن شيخ جليل القسمات، ساكنها. نبت العشب بأنحاء جسده وتشكل فوق رأسه على هيئة عمامة. يجلس متربعاً على طنفسة خضراء تطفو على ماء شفاف الزرقة، ينبت على أثر مروره الخاطف درب من العشب الطري. تريث ازاءه قليلا وهزّ رأسه هزة خفيفة واشار بذراعه العشبية إلى باب خشب استنار بوهج مصابيح غبشية الضوء تسبح بفيضها المندلق حول مستطيل الخشب العتيق. حدق إلى الباب بذهول والتفت إلى الشيخ فرأه بطنفسته وماؤه وعشبه يغيب في يم الظلمات) ص 128 ـ 129.
ثم موكب التشييع وتعدد الهة الحرب والدمار والغضب التي لها دور خطير في المصير المأساوي للبشر، يتمثل دراما واقعة الطف “مقتل الحسين بن علي في كربلاء”
والمستوى الأخر يتمثل في الدلالات والمعاني الفلكورية بطقوس اللطم.. الآس.. البخور.. الحناء.. ماء الورد.. ترتيل القرآن في الخلوات.. المسك.. العنبر.. فأن كانت هذه المواد تعبر عن المكانة الاجتماعية سابقاً.. فأغلبها اليوم يلبي حاجات الطقوس الدينية.
أنها رواية تفضح العنف وتبشعه.. وهي بذلك تواصل وصف رحلة الرعب الموروث منذ الآف السنين.. رواية تدخل النفس البشرية لتحاورها وتعبر عن موقفها.. بل تطرح أسئلة مهمة؛
لماذا العتف والرعب والقمع؟
لماذا الخضوع والاستسلام والذهاب إلى الموت طواعية؟
من أين يأتي الخوف؟ هل من الرعب أم من فداحة الخسارة أم من غياب الأفق؟
ماذا تعني المقاومة اليائسة للعنف وهو في أوج تألقه؟
ما مبلغ عذاب الذات الإنسانية المحاصرة بين عنفين “نارين” الذات المرعوبة والسلطة المطلقة؟
وهل الدم العراقي النازف نزيفاً مستمراً منذُ أزمنة قديمة.. هو أزلي.. أم أنه محصلة صراع الأزمنة الغضة القريبة الحاضرة وما الباقي إلا حكايا؟
فأن كان النزيف تاريخيا.. أزلياً فأي قدر محتم للعراقي صبه الزمن.. وأن كان حصيلة الحاضر.. فكيف ولماذا وإلى متى؟!.
وأخيرا.. إذا فشل جلجامش في نيل الخلود في رحلته الملحمية.. فانه عاد منها أكثر حكمةً.. ليتعلم أن الخلود هو العمل الحلاق:
“ولسوف أدخل أرض الجهاد وأخلد نفسي هناك أسماً” ملحمة جلجامش.
وهذا ما فعله كفاح “الشهيد في الرواية” في رحلته البطولية. وما الكاتب العراقي سلام إبراهيم إلا ذلك البابلي الذي كتب رحلة جلجامش الأسطورية أنذاك والحقيقية الآن
ــــــــــــــــــــــــــ
كاتب من العراق يقيم بالسويد
** رؤيا الغائب رواية “دار المدى” دمشق 1996.
القدس العربي العدد 3098 السبت/ الأحد 24/ 25 نيسان (أبريل) 1999 ـ 8 ـ 9 محرم 1420 هـ .

شاهد أيضاً

صباح هرمز: مسرحيات يوسف العاني بين الرمز والموروث الشعبي:
1- المفتاح (ملف/23)

كتب يوسف العاني مسرحية (المفتاح) أواخر عام 1967 وأنتهى من كتابتها بداية 1968، وهو بهذا …

الفهرست الكامل
في وداع الدكتور نجم عبدالله كاظم
ناطق خلوصي (ملف/6)

كانت آخر رسالة تلقيتها من الأستاذ الدكتور نجم عبد الله كاظم في 9أيار الماضي أي …

على ضفاف شعريّة العناوين
دواوين الشاعر سعد جاسم أنموذجاً
د. وليد العرفي (ملف/7)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *